8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

جعجع ملاقياً البطريرك يقدّم صورة الشريك المسيحيّ

خلال الأسبوع المنصرم، أطلق قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع ثلاثة مواقف على الأقلّ، تستحقّ أن يتمّ التوقّف عندها، بالرغم من أنها "مرّت" من دون أيّ تعليق أو مناقشة بسبب من "الفوبيا" الأمنية التي يعيشها لبنان واللبنانيون جرّاء المسلسل الإرهابي المستمر على أيدي شبكات النظام الأمنيّ اللبناني ـ السوريّ.. أو ما كان يُسمّى كذلك.
ثلاثة مواقف إذاً، اثنان منها وردا في البيان المشترك الصادر عن اجتماع جعجع ورئيس "تيّار المستقبل" سعد الحريري في باريس، والثالث خلال مخاطبته كوادر "القوات" في العاصمة الفرنسية.
فقد دعا البيان المشترك ـ أي جعجع ـ المسيحيين الى "عدم اليأس من حماية الدولة لأمنهم"، واعتبر أن الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري شأنٌ لا يعني فئة بذاتها بل كلّ اللبنانيين، ورأى أن هذه الحقيقة ستسلّط الأضواء على حقيقة النظام الذي حكم لبنان طيلَة خمسة عشر عاماً. أما الموقف الثالث فتمثّل في إطلاقه شعار "مِن القبيّات الى القليعة" بدلاً من شِعار "من كفرشيما الى المدفون".
الدولة ضمانة المسيحيين
وفي مجال مناقشة هذه المواقف وتحليلها، تسجّل أوساطٌ متعددة النقاط الرئيسية الآتية:
أولاً ـ إن لتشديد سمير جعجع في البيان المشترك مع سعد الحريري على أنّ أمن المسيحيين المستهدفين بالتخويف هو من ضمن الدولة اللبنانية، أبعاداً سياسية ووطنية كبيرة. فهذا التشديد ليس نقضاً لمقولة "أمن المجتمع المسيحيّ" التي كانت قائمة في مرحلة الحرب وحسب، إنما هو ـ أي التشديد ـ تأكيد على رفض أن يتحوّل التشكيك في الوضع الأمني أو في القدرات الراهنة للدولة على الصعيد الأمني الى تشكيك بالدولة نفسها، والى استعادة مقولات من زمن الحرب من مثل "الأمن الذاتي".
وأكثر من ذلك، فإن الحديث عن علاقة المسيحيين بالدولة من المدخل الأمني، لا يخفي حقيقة أن جعجع يدعو المسيحيين الى التسلّح بـ"فكرة" الدولة أو مشروعها والى اعتبار أن لا ضمانة لهم ـ كما لغيرهم ـ من خارج الدولة ومشروع الدولة.
من القبيّات الى القليعة: وحدة الدولة
ثانياً ـ وفي الانتقال الى شعار "مِن القبيّات الى القليعة"، ومع ملاحظة دقّة اختيار جعجع لبلدتين مسيحيتين من الشمال الى الجنوب، فإن الأوساط تعتبر أن قائد "القوات" أراد أن يشير ليس فقط الى انتشار المسيحيين خارج "الكانتون" بين كفرشيما والمدفون، بل الى تداخل المسيحيين في كلّ المناطق مع سائر الطوائف.. إذ بين القبيّات والقليعة نسيجٌ لبناني مختلط. والأهم في نظر الأوساط، ربطاً بالنقطة السابقة أنّ جعجع لا يكتفي بدعوة المسيحيين الى التسلّح بمشروع الدولة الضامن الوحيد لـ"حقوقهم" و"مصالحهم"، بل هو يدعو الى وحدة الدولة وسيادتها على أرضها الواحدة.
الخروج السوري = الدخول إلى الطائف
ثالثاً ـ بطبيعة الحال إن في خطاب جعجع بفكرتيه الآنفتين نضجاً، وللجميع الحق في أن ينسب النضج إلى عوامل مختلفة أو إلى مقارنات بين الخطاب الجديد والخطاب في مراحل سابقة. بيد أن النضج يعود من وجهة نظر الأوساط السياسية المتعددة إلى الآتي:
1 ـ إذا كان الانسحاب السوري من لبنان يعني شيئاً محدداً أو يفترض به أن يعني شيئاً محدداً، فإنه يعني أن لبنان بالخروج السوري "يعود" إلى الطائف، أي يدخل مجدداً الى أساس مشروع الدولة أو فكرتها. ذلك أن الخروج السوري الذي عنى للكثيرين استقلالاً وسيادة وحرية قرار، يعني في العمق أن لبنان المستقل السيّد الحرّ أمام فرصة للعودة إلى الدولة بعد أن أمعن نظام الوصاية ضرباً بالطائف وتمزيقاً له. وهذا بعدٌ ذو أهمية راهنة ومباشرة لخطاب سمير جعجع.
لا استقواء ضد الداخل
2 ـ وإذا كانت الحقيقة بشأن جريمة اغتيال الرئيس الحريري، ستؤدي إلى تداعيات سواء بالنسبة إلى استكمال نهاية النظام الأمني ـ الفرع اللبناني أو بالنسبة إلى النظام الأمني ـ الفرع السوري، فإن خطاب جعجع.. أي خطاب الدولة والعودة إلى الطائف، يشكل إشارة طمأنة إلى الشركاء في الوطن بأن لا استقواء بالخلل ـ الموضوعي ـ الناجم عن هذه التداعيات من جهة، والمتفاقم بالتطورات الإقليمية الجارية منذ سنوات من جهة أخرى، وبأن لا نيّة لإعادة النظر في التسوية اللبنانية.
وأكثر من ذلك، لعلّ في خطاب جعجع ما يستدعي النظر إليه بصفته إعلان نوايا بالحرص على وحدة لبنان وعلى صيغته أياً تكن نتائج التحقيقات وتطوراتها، وبأن الانتهاء "الكامل" للتدخلات السورية لن تجعل فريقاً من اللبنانيين ينقلب على الآخرين.
إعلان مواقف ـ نوايا بعكس الفدرلة
3 ـ وإذا كان ما تقدم يتعلق بإعلان مواقف ـ نوايا تنطلق من قراءة جعجع للوضع اللبناني في الإطارين المحلي والإقليمي ـ الدولي، فإن أهمية خطاب قائد "القوات" بالإضافة إلى كل ما سبق، تكمن في كونه يسير بعكس "مغريات" بعض التطورات حول لبنان.
بكلام آخر، ترى الأوساط نفسها أنه في وقت يمكن أن "تغري" الفدرلة في العراق بعض الجهات في لبنان أو أن "تدغدغ" بعض "الأحلام" لأقليات سياسية، وفي وقت يمكن أن يحصل ما يعزّز الفدرلة في العراق من حوله، فإن جعجع يدفن الطرح الفيدرالي للبنان. واللافت في هذا المجال أن سمير جعجع الذي كان فيدرالياً عندما كان الوضع الدولي يرفضه، يعلن أنه "وحدوي" لبناني فيما الوضع الدولي "يحتمل" الفيدراليات.
الخط المركّب
رابعاً ـ وبالتأسيس على التحليل السابق لخطاب جعجع الجديد، ثمة في رأي الأوساط السياسية المتعدّدة نضج فكري ـ سياسي يبني على فكرة الدولة ومشروعها وعلى وحدة الأرض، وعلى ميثاق الطائف، ويُعطي أكثر من إشارة طمأنة إلى سائر اللبنانيين. وهنا يكمن مزيد من أهمية جعجع وخطابه.. وحركته السياسية.
وما يجب أن يُقال في هذا المجال هو أن جعجع شقّ منذ ما قبل خروجه من السجن بفترة بعيدة الطريق أمام خط سياسي مركّب: فهو يقود تياراً سياسياً يريد له أن يكون قوياً وذا قاعدة تمثيلية، لكن يتضح يوماً بعد يوم أن جعجع الخارج من السجن والقارئ لـ"التجربة" اللبنانية يرفض مخاطبة "الغرائز" الطائفية في بيئته.. وهو يحرص في الوقت نفسه على الشراكة الوطنية ولا يخلو موقف للقوات من إشارة إلى التحالفات التي تصنع هذه الشراكة مع التركيز باستمرار على "تيار المستقبل" و"الحزب التقدمي الاشتراكي".
إن الخط المركّب على أساس تشكيل "عصب" مسيحي غير غرائزي أو متوتر أو متطرف من ناحية والحرص على الشراكة من ناحية أخرى، خط "صعب" لكنه ليس مستحيلاً. وقد يكون "صعباً" بالنسبة الى الحلفاء، بمعنى أن قناعة جعجع بالشراكة لن تجعله حليفاً "سهلاً"، لكنه يؤكد نفسه شريكاً.
جعجع وعدوان؟
خامساً ـ إن مواقف سمير جعجع التي تشير الى نضج سياسي "توسّع" الى حد كبير قاعدة الشريك المسيحي في الوطن. فهو بهذه المواقف "يلاقي" الكنيسة ورأسها البطريرك نصرالله بطرس صفير وأركاناً من "لقاء قرنة شهوان"، وهؤلاء معاً يستطيعون أن يشكلوا محاوراً للفرقاء الآخرين. وهذا ليس بجديد على "القوات" التي عملت طيلة السنوات الماضية تحت مظلة بكركي وضمن "لقاء القرنة" أيضاً على الصعيد المسيحي مع الحرص على أن تفتح على الآخرين حتى وصلت العلاقة بـ"تيار المستقبل" الى المستوى الحالي من التطور.
غير أن ما ينبغي أن يُقال صراحة هنا، هو إن أداء عضو كتلة "القوات اللبنانية" النائب جورج عدوان، يثير الكثير من الالتباسات، إذ يبدو وكأنه في صدد اقتراح تشكيل "جبهة" أو مرجعية مسيحية ثنائية بين "القوات" والجنرال ميشال عون في ظلال البطريرك، وهو طرحٌ كان عون تقدّم به سابقاً. والالتباس في أداء عدوان ناجمٌ عن أمرين رئيسيين، الأول هو أن الوقت ليس لجبهات لهذه الطائفة أو تلك، والثاني هو أن مناقشة الاستحقاقات اللبنانية المقبلة لن تكون شأناً يخصّ طائفة بذاتها، وهذا ما أكده البيان المشتر ك بين جعجع والحريري إذ أشار الى مواصلة التشاور ومناقشة الخطوات بشكل مشترك مع الإصرار على "روح 14 آذار" وتحالفاته.
ثم إن الالتزام بغطاء بكركي يفرض الأخذ بما تقوله، والبطريرك يدعو كل من يلتقيه من الشخصيات المسيحية في هذه الأيام الى عدم "التشكّل" أو "التجمع" مسيحياً بل الاندراج في أطر مختلطة. فما الذي يسعى عدوان اليه إذاً؟.
"خارطة الطريق" المشتركة
سادساً ـ وتلفتُ الأوساط المتعددة أخيراً الى أن المناخ الايجابي الذي خلّفته مواقف سمير جعجع، لا بد أن يوظف في حوار لبناني هادئ لا يوفر أي موضوع ولا يترك أي أمر خارج البحث، من أجل أن يطمئن اللبنانيون بعضهم بعضاً، ومن أجل رسم خارطة طريق مشتركة الى ضمانات متساوية ضمن الدولة.. ومن أجل تأكيد أن لا دم سيسيل في لبنان لأن الصراع السياسي سيكون ديموقراطياً.. ومن أجل الاتفاق على ما يجعل كل مجموعة لبنانية مرتاحة في انتمائها الى الدولة.. أي أن تكون عملية إعادة تشكيل السلطة، بعد المرحلة الانتقالية الراهنة، عملية وفاقية بكل معنى الكلمة.
المواقف الناضحة لسمير جعجع تريحه ولا شك، أي يريحه أن يُنظر اليه بصفته شريكاً.. لكنها مواقف تريح لبنان كله. فهل ثمة تحميل لهذه المواقف ما لا تحتمله؟ الجواب "العملي" لا بد أن يأتي بعد الخطاب "النظري".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00