8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

شهادة المرّ تفضح العماد في بعبدا وتكشف الجنرال في الرابية

غداً، تطلّ ذكرى مرور عام على افتتاح النظام الأمني اللبناني ـ السوري المشترك لمسلسل الدم في لبنان، اغتيالاتٍ وتفجيرات، والذي بدأ بمحاولة اغتيال النائب والوزير مروان حمادة.
خرجَ مروان حمادة من محاولة اغتياله بلقب "الشهيد الحيّ"، لكنه اختار أن يكون "الشاهد الحيّ" ليس فقط على ما جرى معه بل على ما كان يجري في البلد خلال السنوات الماضية. فشهدَ اللبنانيون منذ ذلك الحين على تحوّلات في شخصيّته، فانتقل من تدوير الزوايا الى الزوايا الحادة، مِن الديبلوماسية الى الهجوم، فشكّل على امتداد العام الفائت نموذجاً للجرأة والشجاعة في قول "الحقّ" و"الحقيقة"، مساهماً رئيسياً في تكوين "الرأي العام" وتشكيله.
"نموذج حمادة"
وقبل يومين خرجَ الوزير الياس المرّ من الالتباس بعد أكثر من شهرين على محاولة اغتياله ليدلي بشهادته، إذ وجد في "نموذج حمادة" مثالاً يُحتذى.. مع فارق أن كلاً منهما "كان" ينتمي الى معسكر سياسي مختلف، الأمر الذي يجعل شهادة المرّ شديدة الوطأة على المعسكر الذي "كان" ينتمي إليه، وأكثر إيلاماً من أي شهادة أخرى.
غداةَ محاولة اغتيال وزير الدفاع، كان سياسيّو "النظام الأمني" يكيلون التصريحات والمواقف التي تعتبر أن استهداف المرّ يشكّل ـ بمفعول رجعي ـ إدانة لكلّ من حصر المسلسل الإجرامي الإرهابي بـ"النظام الأمني" وشبكاته، والتي تعتبر أن محاولة النيل من حياة المرّ تشكّل تبرئةً لهذا النظام من دماء الرئيس رفيق الحريري والوزير باسل فليحان ورفاقهما، ومِن دماء المفكّر والكاتب سمير قصير والمناضل جورج حاوي. وقد أطلق سياسيّو "النظام الأمني" سيل مواقفهم مستغلّين صمت المرّ، ومحاولين إبقاءه في دائرة الالتباس السياسي، حتى غدا الوزير محرجاً.
المرّ.. والخروج من الالتباس
وبالأمس عندما أدلى بشهادته التي تضمّنت الحقيقة التي يعرفها، وهي أن "ممثّل سوريا" في لبنان رستم غزالي هدّده، انشغل الوسط السياسي في محاولة "تفسير" هذه المبادرة الى الكلام. كان ثمّة رأيان: الأول يستندُ الى الالتباس أيّاه وذهب في عقله "التآمري" الى الظن بأن ثمة "طبخة" ما بين الصهر (الياس المرّ) والعمّ (الرئيس إميل لحّود) بهدف إنقاذ الثاني ورفع أي مسؤولية عنه في ما حصل في طول البلاد وعرضها طيلة السنة السوداء الماضية.. أما الثاني فمالَ فوراً الى اعتبار "شهادة المرّ" طعنةً مباشرة للنظام الأمني، سُدّدت الى "الفرع السوري" في المباشر لكنها "ضربت" في بعبدا أيضاً.
وجاءت تطوّرات ما بعد الشهادة لتقرن الشكّ باليقين: لحّود يردّ على المرّ ويدافع عن سوريا وأدائها. وبكلام آخر وعلى الرغم من جراحه، اقتضى أن يمرّ شهران وثمانية عشر يوماً ليخرج الياس المرّ من دائرة الالتباس السياسي... لكنه خرج، لأنه سار بـ"نموذج حمادة" واعتمد الجرأة، فقدّم خدمةً سياسية وطنية لـ"الحقيقة" من جهة وللبنان كلّه من جهة أخرى.
وخلال مناقشة شهادة المرّ في الوسط السياسي، استذكرَ بعضُ المناقشين "الخبر" الذي وردَ فيه أن قراراً اتّخذ برفع السرية المصرفية عن حركة حسابات نائب رئيس مجلس الوزراء ثمّ الاعتذار منه عن ذلك. وإذ شاء بعضُ هؤلاء المناقشين أن يفسّر ذلك "الخبر" بشهادة المرّ للحقيقة بعد ذلك، حرصَ الجميع على القول إن الياس المرّ اختار اللحظة المناسبة لقول كلمته، وهي لحظةُ الاقتراب من ختم التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لتشكّل شهادتُه الكلمة الحاسمة في مسار التحقيق. وإذا كانت معلومات عديدة ذكرت أن المحقّق الدولي ديتليف ميليس قد استمعَ الى الرئيس لحّود مرّتين حتى الآن، فإن الوسط السياسي توقّع أن يستمع ميليس الى لحّود مرة ثالثة بعدَ كلام الياس المرّ الذي يشكّل إدانةً لمجمل "النظام الأمني" وعلى رأسه لحّود.
لحّود والاستجواب.. و"سوق المزاد"
طبعاً، لم يكن سلوك لحّود بعدَ إفادة وزير الدفاع مفاجئاً من زاوية أنه، وهو الذي يعلن استمرار تمسّكه بالرئاسة، لن يعطي قيمةً لأيّ كلام يمسّ هذه النية لديه. بيدَ أن الوسط السياسي الذي يرى أن مصير رئاسة إميل لحّود سيتقرّر في ضوء أمرين، أوّلهما التقرير الذي سيرفعه ميليس الى مجلس الأمن الدولي في 25 تشرين الأول المقبل، وثانيهما حصول اتفاق سياسي ليس فقط على استبداله بل على بديله أيضاً، إنما يكشفُ (الوسط السياسي) في المقابل معلومات تتحدّث عن الموقف السوري منه. وتقولُ هذه المعلومات إن دمشق ستتمسّك بلحّود في حال تضمّن تقرير ميليس اتهامات لمستويات سياسية سورية عليا، لكنها ستكون مستعدة لـ"بيعه" في الحالات الأخرى. وهذا يعني أن لحّود يرتضي أن يكون رأسه ورئاسته، معلّقين على النتيجة في "سوق المزاد".
عون.. ومقولة "سوريا وراءنا"
غير أن الوسط السياسي، وليس بعيداً مما تقدّم حتى الآن، يرى أن شهادة الياس المرّ لم تفضح إميل لحّود فقط، لكنها "كشفت" أيضاً مواقف قائد "التيّار الوطني الحرّ" النائب العماد ميشال عون. بأي معنى؟
أولاً ـ إن شهادة المرّ التي تعدُّ شهادة من "داخل البيت" لم تدفع عون الى إجراء أيّ تعديل على خطابه، وهو الذي كانَ في يوم محاولة اغتيال المرّ يشكّك في اتهام أطراف الغالبيّة النيابية لـ"النظام الأمني" بالمحاولة الفاشلة، ويدعو الى التريّث في انتظار التحقيق.
ثانياً ـ لا يزال عون يسلّط موقفه السياسي في مواجهة الغالبية ويطالب باستقالة الحكومة على الرغم من اتخاذها لإجراءات أمنية فعلية في الأيام الأخيرة، ويتّهم الحكومة والغالبية بما يسمّيه تحطيم الأجهزة الأمنية. وأكثر من ذلك لا يزال عون يشكّل "حاجز دفاع" عن النظام الأمني "السابق" ولا يقول كلمةً حتى في الأمنيين الموقوفين المشتبه بهم في جريمة اغتيال الرئيس الحريري.
ثالثاً ـ ولا يزال عون لا يقول كلمةً واحدةً عن سوريا ودورها، مستعيناً لذلك بمقولة إن سوريا لم تعُد موجودة في لبنان، وهي المقولة التي اعتمدها منذ أن عاد الى لبنان من المنفى في 7 أيار الماضي، وذلك على الرغم من كل المعطيات التي تؤكد استمرار التدخّل المخابراتي السوري في البلد.
وأكثر من ذلك، لم يكلّف الجنرال نفسه أو أياً من أعضاء تيّاره الردّ على ما ذكره الوزير السابق يوسف سلامة الذي قال في معرض نفيه الاضطلاع بأي دور في ترتيب عودة العماد عون، أن من تولّى هذا الدور ومهمة البحث في الشروط هو الوزير السابق كريم بقرادوني.. أي أن عون الذي لم يقُل كلمة واحدة عن سوريا منذ عودته، يبدو وكأن عدم الكلام عن سوريا شرطٌ من شروط تلك العودة.
.. يرمي الـ1559 بشكل مفاجئ
رابعاً ـ والغريب أن الجنرال الذي لا يرى في تطوّرات الحقيقة ما يدعوه الى إعادة النظر في التحالفات السياسية التي خاضها وجعلت منه متراساً لرموز الحقبة السورية، أسقط دفعة واحدةً "ورقة التين" التي كان يستُر بها تحالفاته السورية، إذ "رمى" القرار 1559 والمفاخرة بالوقوف وراءه في معرض التشكيك الذي لم يتوقّف بالمساهمة الاستقلاليّة لأطراف المعارضة "السابقة" والغالبية الحالية. وهو أسقطَ هذه الورقة في معرض "التفاوض" على لقاء مع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. والوسط السياسي لا يعترضُ هنا على تخلّي عون عن الـ1559 للانضمام الى حوار بشأن هذا القرار ينتج تفاهماً لبنانياً في هذا الموضوع، بل يلفتُ الى انتقاله من "المزايدة" بالقرار 1559 الى "المناقصة" حولَه.. من دون أيّ مقدّمات وإيضاحات تفسّر تلك الإشادة "المفاجئة" بـ"سلاح المقاومة".
محاولة اغتيال مي شدياق: الخطاب العوني يتكرّر
خامساً ـ يستمرّ عون على هذا "النهج" في وقتٍ لم يغيّر ما قاله حين اعتبر أن الحقيقة بشأن جريمة اغتيال الرئيس الحريري ليست سوى "نصف حقيقة" لأن النصف الآخر ـ المتمّم لها ـ يتعلّق بالحقيقة حول الهدر، واضعاً الأمرين على قدم المساواة.
ومَن استمعَ الى عون يعطي رأيه في جريمة اغتيال الزميلة مي شدياق بُعَيد حصولها لم يفاجأ به يكرّر "منظومة" مواقفه السابقة تحت عنوان انتظار التحقيق. ومَن استمع إليه وقرأ بيان التكتل النيابي الذي يرأسه، لم يفاجأ بعدم تجاوز "التيّار الوطني الحرّ" المشاركة الرمزيّة في اعتصام ساحة الشهداء دُعاءً للزميلة مي وتضامناً معها وإدانةً للمسلسل الذي ينفذه "النظام الأمني" وشبكاته. لكأنّ الجنرال يتجنّب الوصل بقوى 14 آذار والالتقاء بها مجدّداً حتى في ربع الساعة الأخير قبل الحقيقة.
على أي حال، يعربُ الوسط السياسي عن اعتقاده أن الياس المرّ بجراحه ثمّ بشهادته للحقيقة، أعطى لمن صنّفوه خصماً سياسياً في المرحلة السابقة، سبباً لـ"مسامحته" عن تلك المرحلة التي كان فيها في موضع الانتقاد والخصومة وذلك بعدَ خروجه من "الالتباس"، وأعطى فرصةً لمن يريد أن يلتقطها لإعادة النظر بـ"موقعه" حيال التطوّرات التي ستشهد تسارعاً كبيراً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00