8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الشروط السياسية لإعلان الحرب على الإرهاب قبل الحقيقة وبعدَها

في كل مرة تحصل جريمة إرهابية اغتيالاً كانت أو محاولة اغتيال أو تفجيراً في منطقة من المناطق، يدور السؤال حول مسؤولية الحكومة عن الأمن. هكذا كان الأمر دائماً وهكذا هو اليوم مع الحكومة التي يرأسها فؤاد السنيورة. ويبدو من متابعة "المزاج الشعبي" أن اللبنانيين الذين أعطوا حكومة ما بعد الانتخابات "فترة سماح" تفهّماً منهم للظروف التي تعمل هذه الحكومة ضمنَها، قرّروا إنهاء "فترة السماح" ومطالبتها بأن تمارس سلطتها، لا سيما في المجال الأمني.
الحرب المنتظرة على الجريمة
في هذا الإطار، توقف الوسط السياسي خلال الساعات الماضية عند ما أسفر عنه الاجتماع الأمني الذي عقد في السرايا برئاسة السنيورة أمس، من توجهات "عريضة"، هي نفسها جزءٌ من تقرير أعمّ أعدّ بين وزارتي الداخلية والدفاع وبين قادة المؤسسات العسكرية والأمنية يتضمّن تدقيقاً بما هو متوافرٌ من إمكانات. وخلُصت جلسة الأمس الى ضرورة تفعيل "قطاع المعلومات" في أجهزة الأمن والتنسيق بينها، وإلى أهمية مكافحة التهريب عبر الحدود البرية والبحرية للبنان، كما خلصت إلى امكانية الاستعانة بالدول الصديقة أيضاً.
وفي انتظار جلسة مجلس الوزراء بعد غد لمعرفة "القرارات الأمنية" التي سوف تتّخذ، يعرب الوسط السياسي بتلاوينه المختلفة عن اعتقاده ان المعالجات عند هذه الحدود على أهميتها تحتاج مع ذلك إلى الارتقاء إلى مستوى إعلان الحرب على الإرهاب وعلى الجرائم الإرهابية.
إذاً ينتظر اللبنانيون اعتقال شبكات إرهابية. ينتظرون مداهمات لمستودعات أسلحة. ينتظرون إغلاق معسكرات تدريب إلخ.. وإذا كانت الحكومة تجهلُ المعلومات الكافية، فاللبنانيون يتساءلون عن مجريات التحقيق مع القادة الأمنيين السابقين. فإن لم يكن التحقيق مع هؤلاء قد توسّع "حول" جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري التي اشتُبه بهم فيها، لـ"يسألهم" عمّا يملكونه من معلومات حول الشبكات التي نظّمها النظام الأمني اللبناني ـ السوري المشترك، فذلك يكون نقصاً فادحاً في التحقيق.. والمؤكد أن هؤلاء يعرفون الكثير، وبعضهم بشكل خاص. وثمة وسائل عديدة للوصول الى معلومات، بما في ذلك عبر اتصالات "سياسية" مع قوى تملك هذه المعلومات أو عبر "تنظيم" مخبرين جدد وشبكات جديدة.
إن "المسألة الأمنية" مطروحة بقوة. ويعتبر الوسط السياسي أن ثمة أموراً يجب أن تسير بشكل متوازٍ، أي أن تسير التعيينات الأمنية جنباً الى جنب مع إجراءات هيكلة الوضع الأمني الرسمي، مع الحرب المعلنة على الإرهاب بما هو متوافر من وسائل "الآن" وتطويرها تدريجاً والاستعانة بكل خبرة يمكن أن تُسدى للحكومة في هذا المجال بما في ذلك وخصوصاً من الخارج الدولي.
أسئلة في "الأمن السياسي"
بيدَ أن "المسألة الأمنية" ليست مسألة "لوجستية" صافية، ذلك أن لها جانباً سياسياً رئيسياً لن تستقيم بدونه. وبدايةُ الجانب السياسي سؤالٌ عمّا إذا كانت الحكومة تستطيعُ إعلان الحرب على الإرهاب، وعمّا إذا كان في وسعها سياسياً أن تنفّذها.
وهنا تطرح الأسئلة المتفرعة الآتية:
1 ـ هل ثمة "قدرة" داخل مجلس الوزراء على تحديد مصدر الخطر الإرهابي الراهن على الوضع اللبناني من جوانبه كافة؟
2 ـ هل ثمة "قدرة" على الاتفاق سياسياً على ان المخلّفات الاستخباراتية للنظام الأمني السوري ـ اللبناني المشترك هي "العدوّ" الرئيسي للاستقرار في هذه المرحلة؟
3 ـ هل ثمة "قدرة" على الاتفاق على خطوات وإجراءات تشمل دهم أماكن تجري فيها عمليات تجميع الأسلحة و"حماية" المجرمين، حتى لو كانت هذه الأماكن على تخوم مناطق حساسة سياسياً، وحتى لو كانت عائدة إلى مجموعات تتخذ لنفسها أسماء تنظيمات وفصائل هي في الواقع جزء لا يتجزأ من شبكات القتل في لبنان؟
4 ـ وهل ثمة "قدرة" على الاتفاق على إعادة بناء "الأمن الوطني" في لبنان على أساس ان لبنان مستهدف فعلاً من إسرائيل لكنه مستهدف اساساً "الآن" من المخلفات الاستخباراتية السورية التي تشغل البلاد بالقتل منذ عام تماماً، أي منذ أن امتدت يد الجريمة إلى الوزير مروان حمادة؟
الحكومة في غياب التفاهم السياسي
على "الأمن الأمني"
عن هذه الأسئلة وغيرها مما يمكن طرحه، يجيب الوسط السياسي ان المعطيات الآن تفيد ان الاتفاق السياسي حول هذه العناوين داخل مجلس الوزراء ليس قائماً، وان قابلية الاتفاق مسألة عسيرة، وان الاتفاق يحتاج إلى جهد استثنائي بكل معنى الكلمة.
من هنا، ووضعاً للأمور في نصابها، يبدي الوسط السياسي اقتناعاً بأن الحكومة بقدر ما هي مطالبة بخطوات في مجال "الأمن الأمني"، فإنها تحتاج في المقابل إلى وفاق يشكل "الأمن السياسي"، أو المظلة السياسية للأمن. وبدون ذلك ستبقى قدرة الشبكات الإرهابية على اختراق الأمن كبيرة، وسيبقى المسلسل الإرهابي مستمراً. وأكثر من ذلك، يعتبر الوسط السياسي ان "التوجيه" المُعطى للشبكات الإرهابية بالتخريب والإجرام انما استغل إلى أقصى الحدود انعدام التوافق السياسي بشأن عناوين رئيسية، وذلك منذ ما بعد 14 آذار.
نقاط للرؤية المشتركة
بين الحلفاء
ان هذه المقدمات تقود من وجهة نظر العديدين في الوسط السياسي إلى قراءة موضوعية في واقع الحال السياسي الراهن بين الحلفاء، ثم بينهم وبين الشركاء. وفي هذا السياق تسجّل الملاحظات الرئيسية الآتية:
أولاً ـ ان أكبر عدو لعملية استكمال إنجاز الاستقلال ومن ضمنه استكمال تشكيل السلطة، هو التشتت القائم بين الحلفاء، وانه أكبر حليف لمن تبقى من النظام الأمني السابق، أي لرئيس الجمهورية.
ثانياً ـ إذا كان صحيحاً ان ثمة اتفاقاً بين "الحلفاء" على الحقيقة، أي على أن يتم كشف الحقيقة وإعلانها عبر مسار التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، فليس مؤكداً ان ثمة تفاهماً "صلباً" حول النتائج السياسية لهذه الحقيقة، وبشأن الدينامية السياسية التي يُفترض بهذه الحقيقة أن تطلقها.
ثالثاً ـ وفي ظل الاتفاق "العام" على مبدأ الحقيقة، يعبّر الوضع السياسي عن "هواجس" بيئاته و"نقزاتها"، لكنه لا يعبّر عن رؤية مشتركة أو موحدة إلى المرحلة المقبلة.
رابعاً ـ ليس ثمة قراءة مشتركة بين "الحلفاء" للإشكالية الآتية: الحاجة إلى دعم "المجتمع الدولي" في جوانب عديدة سياسية واقتصادية والحرص على الاستقلال عنه في المقابل. ذلك ان ثمة ضرورة لتحديد الحجم "المرغوب" لـ"العامل الداخلي" اللبناني في مقابل الحجم "المطلوب" من الدعم الخارجي ـ الدولي، أي التدخّل الدولي.
خامساً ـ وإذ أظهرت المواقف وردود الفعل التي برزت الأسبوع الماضي حيال الاجتماع التمهيدي لمؤتمر دعم لبنان في نيويورك ما أظهرته من "اختلافات" داخل صفوف "الحلفاء"، فإن اللافت كان بقاء المواقف على حالها، والمراوحة عند حدود المحصّلة التي كان تم التوصّل إليها قبل الانتخابات الأخيرة، والتي تقول أن الـ1559 مسألة لبنانية، لكن من دون أي تقدّم على مستوى الحوار اللبناني في هذا الخصوص.
سادساً ـ وإذا كان مما لا شك فيه أن أحد تداعيات التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، هو أنه سيطرح مصير "المحيط الخارجي" حول لبنان، السوري بشكل خاص، على بساط البحث، أي إذا كانت التداعيات تطرح مسألة الخلل في التوازنات الخارجية "الراعية" للبنان، فإن من واجب الفرقاء السياسيين، حلفاء وشركاء المباشرة في حوار حول رؤية الى لبنان في المرحلة المقبلة وتوازناته، من ضمن الطائف.
شبكة الأمان
بكلامٍ آخر، يشدّد الوسط السياسي بتلاوينه المختلفة على أن واقع الحال الراهن بين الحلفاء وبينهم وبين الشركاء، ليس على مستوى مقتضيات المرحلة، وبما أن الوضع كذلك فإن الحكومة بقدر ما هي مسؤولةٌ هي "ضحيّة" أيضاً لانعدام الرؤية التي لا ينتظر تبلورُها صدور تقرير ديتليف ميليس، بل لا بد أن يسبقَه حتى إذا ما أُعلنت الحقيقة كان ردّ الفعل موحّداً، وكان للبنان شبكة أمانه السياسي.. فكيف عندما تُعرف حقيقة أن فريق رئيس الجمهورية يسعى الى تمديد مهلة إعلان الحقيقة؟ والجواب أن لا وقتَ بعدَ اليوم لـ"التشتّت".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00