8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

إرباك سياسيّ يستبقُ تقرير ميليس ويتزامن معه؟

مِن متابعة دقيقة لمجريات السجال السياسي الذي "نشب" في الأيام الماضية حول اجتماع "المجموعة التأسيسية لدعم لبنان" في نيويورك، يتبيّن بوضوح أن ثمة افتعالاً لأزمة بشأن هذا الاجتماع، تستبطن مقاصد سياسية أخرى لا علاقة لها بالفعل بهذا الملتقى الدولي وما جرى فيه، وما أعطاه من نتائج "علنيّة" معروفة.
إفتعال أزمة حول اجتماع نيويورك
في هذا الإطار، وتأكيداً لمقولة "الافتعال" تورد مصادر وزارية مطلعة المعطيات الرئيسية الآتية:
أولاً ـ ليس صحيحاً ان اجتماع نيويورك مفاجئ أو أنه "دُبّر" على عجل، ذلك أنه مقرّر منذ أسابيع عديدة وموعُده في أيلول معروف منذ زمن، ومعلنٌ مِن أيام حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وقد أتت وفودٌ دولية كثيرة الى لبنان بغرض حثّ الحكومة اللبنانية على تقديم برنامج إصلاحي متكامل في هذا الاجتماع كي يصار الى الاستماع إليه والاطلاع عليه.
ثانياً ـ ان اجتماع "المجموعة التأسيسية" ليس هو مؤتمر دعم لبنان الذي سيعقد في وقت لاحق، بين نهاية تشرين الثاني ونهاية كانون الأول المقبلين، بل هو مجرّد اجتماع تمهيدي للمؤتمر. وقد "تعب" لسان الرئيس فؤاد السنيورة مِن شرح الفارق بين الاجتماع التمهيدي الذي يراد منه توجيه "رسالة" دعم للبنان وبين المؤتمر الدولي نفسه، ثمّ بين المؤتمر الدولي العتيد ومؤتمر باريس ـ 2 حيث حدّد الوجهة المختلفة بين المؤتمرَين بالنسبة الى صيغة الدعم.
ثالثاً ـ أما بالنسبة الى ورقة الإصلاحات اللبنانية فهي في الأصل متضمّنة في البيان الوزاري للحكومة الذي نالت على أساسه ثقة المجلس النيابي، وهي مستندة الى ما جرى إقراره في السنوات الأخيرة ـ تمهيداً لباريس 2 ـ من تشريعات صدرت عن مجلس النواب... اضافة الى أن المدة الفاصلة من الآن عن موعد "المؤتمر" أي نحو ثلاثة أشهر لا بد أن يتم فيها نقاش وتشريع.
رابعاً ـ إذاً ليس اجتماع نيويورك الأخير مفاجئاً ولا الرئيس السنيورة ذهب إليه "خلسة" ولا ما اقترحه كان من وراء ظهر أحد، ومجلس الوزراء مطّلع على الدعوة وقرار استجابتها.. ومن عادة الرئيس السنيورة أن يعرض لمجلس الوزراء بعد عودته من أي مهمة خارجية، نتائج هذه المهمة بـ"التفصيل المملّ". وعليه تقول المصادر الوزارية أن "التقويص" على السنيورة والاجتماع ليس بسبب هذه المقدّمات، لا بل هو "قرارٌ" سياسي لا تسوّغه هذه المقدّمات المعروفة.
"ذريعة" رايس وتجزئة كلامها
خامساً ـ وتلفت المصادر الوزارية إلى أن الحملة على السنيورة والاجتماع في نيويورك بدأت قبلَ انعقاده يوم الإثنين الماضي وقبلَ المؤتمر الصحافي المشترك لرئيس الحكومة ووزراء خارجية الدول المشاركة فيه والهيئات الدولية المدعوّة إليه، ومِن بين هؤلاء وزيرا خارجية المملكة العربية السعودية ومصر، أي الدولتين العربيتين اللتين تحملان قضيّة مساعدة لبنان... أي أن الحملات بدأت قبلَ الموقف الذي أعلنته وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في المؤتمر الصحافي المشترك، والذي اتُّخذ ذريعة لمزيد من الهجمات. بدأت الحملات من قِبل الرئيس نبيه برّي الذي دخلَ مِن باب الأمن ليطلق النار على الاجتماع ومشاركة السنيورة فيه، ومِن "حزب الله" الذي سارع الى إطلاق رصاص سياسي تحت عنوان الشروط السياسية المفترضة المفروضة على لبنان في مقابل مساعدته اقتصادياً، لكأنّ المائدة في نيويورك تضمّ لقاء إقليمياً لبنانياً ـ إسرائيلياً أو عربياً ـ إسرائيلياً يبحث "التسوية" الإقليمية ومصير المقاومة.
سادساً ـ حتى كلام رايس في المؤتمر الصحافي تمّت تجزئته لصالح هذه الحملات. فصحيح أنها قالت إن ثمة فريقاً في الحكومة اللبنانية يؤيد "العنف" ويمارسه، وصحيحٌ أيضاً أنها كرّرت الدعوة الى تنفيذ القرار 1559، لكن الصحيح أيضاً أنها "اعترفت" بالعملية السياسية التي أكدت الحكومة اللبنانية أنها تمثّل خيارها نقاشاً للقرار 1559 وتوصلاً الى قناعات لبنانية مشتركة لا تتصادم مع الشرعية الدولية ولا تتناقض مع المسلّمات الوطنية اللبنانية في آن وعليه فإن الاجتزاء يعبّر عن سوء نيّة، والقصد منه عدم الاعتراف للسنيورة بأنه حقّق نجاحاً ديبلوماسياً مزدوجاً: إقرار الولايات المتحدة بـ"لبنانية" التعاطي مع القرار الدولي من جهة وموافقة المجتمع الدولي على مساعدة لبنان من دون الـ1559 من جهة أخرى.
إذاً، ثمّة افتعال لأزمة سياسية، إذ لا اجتماع نيويورك حصل من وراء ظهر أحد ولا كان مشروطاً بالسياسة كما أكّد الرئيس السنيورة. والدليل الإضافي الآخر على أن ثمة استهدافاً سياسياً للسنيورة وحكومته، هو أن رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد سارع الى نعي الحكومة التي وصفها بأنها "حكومة تصريف للأعمال" وهذا ما له دلالة سياسية للفترة المقبلة.
"حزب الله".. و"الجفلة" الغائبة من لحّود
والغريب العجيب أيضاً مِن وجهة نظر المصادر الوزارية نفسها أن "حزب الله" الذي وجدَ الوقت مناسباً للهجوم على الحكومة ونعيها، وجدَ الوقت مناسباً أيضاً للإشادة بخطاب رئيس الجمهورية إميل لحّود في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي كلمةٌ أجمع المراقبون على اعتبارها عمومية لا تقول شيئاً لافتاً، وهي خارج التاريخ. وحتى ما قاله عن ضرورة التمييز بين المقاومة والإرهاب ليس فكرة جديدة والمقاومة فعلاً بنظر اللبنانيين ليست إرهاباً. هذا فيما غابت مزارع شبعا وسوريا والاحتلال الأميركي في العراق وغيرها من عناوين "الخطّ الوطني" عن هذه الكلمة، ما لم يلفت انتباه "حزب الله" مثلاً. والأهم أن لحّود اجتمع منفرداً بكوفي أنان وفريقه، بغياب الوفد الوزاري المرافق لا سيما وزير الخارجية الذي كاد تشكيل الحكومة يفرط لولا تسميته، ولم يسأل أحد لحّود، لا الرئيس برّي ولا "حزب الله" ماذا فعل في هذا الاجتماع وماذا قال وما التعهّدات التي أعطاها وما التنازلات التي قدّمها.
هل هذا نتيجة لكلام رايس في المؤتمر الصحافي في نيويورك؟ هل لأن الكلام العمومي عن المقاومة تمييزاً لها عن الإرهاب يُطعم خبزاً؟ طبعاً لا، تجيب المصادر الوزارية التي تضيف أن المنطق الأفعل هو اعتبار أن المقاومة قضية لبنانية لا تخضع لتدخّل خارجي وتحصينها تالياً، وتشير الى أن تزامن نعي الحكومة مع الإشادة بكلمة "فارغة" للحّود، يعني ما يعنيه في السياسة.
أسئلة الى برّي
لكن برّي في المقابل، الذي "لحظ" لحّود في انتقاداته، اختار عنوانين رئيسيّين لحملته على السنيورة والحكومة: الأمن والخصخصة، فتحدّث عن تفليت الحكومة للأمن من ناحية وعن بيع البلد من ناحية ثانية.
وهنا توجّه المصادر الوزارية الى رئيس المجلس مجموعةً من الأسئلة تأملُ منه أن يجيب عنها:
1 ـ هل صحيح أن الرئيس برّي مقتنع بأن الحكومة ضمن المعطيات الراهنة قادرة على الإمساك بناصية الأمن إمساكاً مطلقاً؟
2 ـ هل يستطيع أن يؤكد للبنانيين بأن استتباب الأمن في البلد لا تنقصه سوى همّة الحكومة؟
3 ـ هل يستطيع القول للبنانيين أن ليس ثمّة شبكات مخابراتية سورية وغيرها لا تزال تعمل على الأراضي اللبنانية؟
4 ـ هل يستطيع أن يؤكد أن ليس ثمّة حركة تسلّح، من قبل مجموعات فلسطينية موالية لسوريا، وبعضها يقيم مستودعات للسلاح في غير منطقة من لبنان وأن أحد أكبر المستودعات موجود في مخيّم في "الضواحي" كما تقول معلومات؟
5 ـ هل يستطيع أن يطمئن البلد الى أن ليس ثمّة مخيّمات تدريب على السلاح في أمكنة متفرّقة كما "يشاع"؟
6 ـ هل لدى الرئيس برّي مشروع لهيكلة الأمن بعد إعادة تحديد وظائفه؟
7 ـ وما هي المشكلة الفعليّة في التعيينات الأمنية وهل يمكن تحديد مصدرها؟
8 ـ وهل ثمّة عودة الى الموقف "القديم" من الخصخصة؟ وهل ثمّة اعادة نظر من قِبَل برّي بما أقرّه مجلس النواب من تشريعات وآليات وأصول في هذا المجال؟
9 ـ هل نسيَ برّي ما قاله بنفسه في حديث صحافي من أنه هو من أدار الورشة القانونية التمهيدية لباريس 2 وهل كانت هذه الورشة شيئاً آخر غير قوانين الخصخصة والتسنيد وسواهما؟
10 ­ أليس منطقياً أن يحوّل الرئيس برّي مجلس النواب خلال الأشهر الثلاثة المقبلة الى ورشة حول كلّ مشروع بمشروعه، كما فعل بالنسبة الى باريس1 وباريس2 بشهادة الرئيس الشهيد نفسه؟
السنيورة بـ"النظام": فصل السلطات
إذاً، وفي انتظار أجوبة برّي عن هذه الأسئلة وغيرها الكثير ممّا يمكن طرحه، تعتبر المصادر الوزاريّة الآنفة ليس فقط ان ثمّة افتعالاً لأزمة حول اجتماع نيويورك، بل ان ثمّة مشروعاً سياسياً قد يكون هادفاً إلى الانقلاب على نتائج الانتخابات بسرعة هذه المرّة، أو "الحدّ" منها بالضبط لأنّ هذه النتائج، أي توازن القوى الذي عبّرت عنه سيكون قابلاً لـ"الصرف" استحقاقات غير بعيدة.
وهنا، كان الرئيس السنيورة محقاً برأي المصادر الوزاريّة في طلب الكلام بـ"النظام": فهو من جهة لفت الجميع إلى ان الحملة عليه من مدخلَي الأمن واجتماع نيويورك خارج الموضوع وفكّك عناصر الحملة، ومن جهة أخرى لفتَ رئيس المجلس، بتهذيبه المعروف إلى ان ما بعد 14 آذار غير ما قبله لجهة صلاحيّات رئاسة المجلس، إذ ان من صلاحيّاته كلّ ما يعود إلى التشريع والمراقبة والمحاسبة وليس من بينها المشاركة كرئيس للمجلس في القرار التنفيذي، وذكّر في مجال آخر بنيّته اعتماد التصويت الأكثري في مجلس الوزراء.
خربطة سياسيّة؟
بيدَ أن "نقطتي النظام" اللتين استخدمهما رئيس الحكومة، لا تكفيان مِن وجهة نظر المصادر الوزاريّة لاكتمال "الصورة". ذلك ان ثمّة خشيةً حقيقيّة من وجود نيّة لـ"خربطة" سياسيّة على أبواب صدور تقرير رئيس لجنة التحقيق الدوليّة ديتليف ميليس المتضمن النتائج النهائيّة لهذا التحقيق. و"الخربطة" هنا تعني خلق وضع حكومي مرتبك من جهة وأخذ المبادرة السياسيّة من فرقاء الغالبيّة النيابيّة من جهة أخرى، وتعطيل قدرة من يجري التحامل عليهم اليوم على إطلاق حركة سياسية "آمنة" في المرحلة المقبلة. هذا في "أقصى تقدير". أمّا "أدناه" فان هذه الحملات قد تكون صراخاً في "الملعب" يقول أصحابه أعلمونا بما يجري.. أشركونا الخ... وإذا كان ذلك هو المقصود فإنّه "طبيعي". لكنّ الأمر لا يحتاجُ إلى كلّ هذا الصراخ لأن ليس ثمّة ما هو "مطبوخ" لدى سعد الحريري وليس ثمّة "مخطّط" عنده، وهو سيكون حتماً على تواصل مع جميع الفرقاء بالتزامن مع كشف الحقيقة عن جريمة اغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لأنه يعلم علم اليقين أنّ مرحلة ما بعدَ التحقيق تتطلّب تعاون الجميع من دون استثناء. وحرامٌ اغتيال الرئيس الحريري مرة ثانية، ومحاولة اغتيال سعد الحريري وفؤاد السنيورة... ومحاولة اغتيال الحقيقة قبل ظهورها.
جنبلاط.. أمرٌ آخر
وإذ تلاحظ المصادر الوزاريّة أنّ كلامها عن حملات طاولت السنيورة والحريري و"تيار المستقبل"، اقتصر على حملتي بري و"حزب الله"، تسارع إلى القول أن للمواقف التي أعلنها رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط ومجلس قيادة الحزب في بيانه "المسحوب" ووزير الإعلام غازي العريضي سياقاً آخر.
ذلك أنّ العلاقة بين الجانبين هي علاقة تحالف راسخ، والفارق بين المواقف هنا ومواقف الآخرين هو أنّ جنبلاط الذي يتطلّع إلى كشف الحقيقة يعمل من أجل حمايتها وتحصينها، وفي تقديره أنّ هذه المهمة ـ أي حماية الحقيقة ـ لا تحتمل أيّ ثغر، وتتطلّب الانتباه إلى ضرورة عدم الإفساح في المجال أمام أيّ خرق يمكن استخدامه، وفي قناعته أن حماية الحقيقة تقتضي التحصن بخطّ سياسيّ عربيّ استقلاليّ يجعل المعركة السياسية الآتية "مأمونة". وبهذا المعنى، تعرب المصادر الوزارية عن اعتقادها أن موقف جنبلاط وفريقه ولو كان انتقادياً مباشراً، يهدف إلى تشكيل نوع من "الحاجز الدفاعي" عن الحكومة وعن التحالف مع الحريري.. طبعاً من غير أن يعني ذلك ان مواقف جنبلاط "تكتيكية" وأن لا مبدئيّة فيها، فهذا غير صحيح لأنه يعبّر عن قناعات عربيّة يرغبُ في أن تصبح قناعات عامة. ولذلك تعتبر المصادر أن خشية جنبلاط من مشروع شلل سياسيّ في موازاة الحقيقة، هي التي تدفعه إلى رفع الصوت عالياً وربما أعلى ممّا يلزم..
هل يعي الجميع تحذير سعد الحريري من أنّه لن يقبل بأن يكون في موقع الدفاع، ونقطتي السنيورة بـ"النظام"؟ سؤالٌ برسم الأيّام القليلة المقبلة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00