اهتمّ الوسط السياسيّ خلال الأيّام القليلة الماضية بالمواقف التي أطلقها "حزب الله" على ألسنة عدد من قيادييه ونوابه، من المؤتمر الدوليّ لدعم لبنان الذي عقدت "المجموعة التأسيسيّة" اجتماعاً تمهيديّاً له في نيويورك أوّل من أمس من جهة ومن مسألة سلاح المقاومة من جهة أخرى. وتوقّف الوسط السياسيّ مليّاً أمام التشكيك الذي أبداه الحزب بالمؤتمر تحت عنوان الشروط السياسيّة "المدفوعة" في مقابل المساعدات، وأمام الحديث عن نيّة المقاومة خلق الظروف المؤاتية لـ"نقررّ ما يناسبنا وما يناسب وطننا في ما يتعلّق بسلاح المقاومة"، بعيداً من الضغوط الدوليّة، كما ورد بشكل خاص على لسان رئيس المجلس السياسيّ في الحزب السيّد ابراهيم أمين السيّد.
وفي حلقة نقاش ضمّت سياسيين من "14 آذار"، سُجلت نقاط رئيسيّة يتمّ عرضها هنا بأقصى أمانة، علّها تكون مادة حوار هادئ مع الحزب:
المؤتمر الدولي والبيان الوزاري
أوّلاً ـ بالنسبة إلى المؤتمر الدوليّ لدعم لبنان، يستغرب السياسيّون الحاضرون في حلقة النقاش هذه أن يشكّك "حزب الله" ولو بصيغة تساؤل بوجود دفتر شروط سياسيّة للدعم الاقتصادي وذلك من منطلق انّ هذا المؤتمر أو التحرّك باتجاهه كان مرصوداً في البيان الوزاري لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي يشارك الحزب فيها بوزيرين ويتشارك مع "أمل" في وزير ثالث. وأكثر من ذلك عقد أكثر من اجتماع دولي تحت عنوان مساعدة لبنان على زمن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي كان الحزب مشاركاً فيها بوزير. ولم يسمع أحد انّ "حزب الله" سجّل اعتراضاً على انعقاد اجتماع دوليّ من أجل لبنان او تحفظاً عنه لا عبر وزرائه ولا عبر قيادته، وإن كانوا قدّموا "ملاحظات".
1559 ليس جديداً.. وموقف السنيورة منه
ثانياً ـ وبالنسبة إلى المؤتمر الدوليّ أيضاً، يعرف "حزب الله" كما يعرف الجميع ان القرار الدولي 1559 موجود قبل الآن، لا بل مضى على صدوره أكثر من عام، وأنّ حكومة الرئيس السنيورة اتخذت حياله موقفاً يقول عمليّاً بتحويله إلى حوار وطنيّ داخليّ يقرّر بشأنه ما يتفق عليه اللبنانيّون مع الحرص ـ في النهاية ـ على عدم التصادم مع الشرعيّة الدوليّة. وبكلام آخر، إذا كان الحزب "يلطّش" حول "شروط سياسيّة للدعم الاقتصادي"، فانّه يعلم ان الـ1559 قرار مطلوب من لبنان تنفيذه وليس شرطاً سياسياً مستجداً، كما يعلم الوجهة المقرّرة رسمياً للتعاطي معه وبمشاركة من الحزب عبر وزرائه أيضاً.
ثالثاً ـ وأكثر من ذلك، يعرف "حزب الله" انّ الرئيس السنيورة أكدّ أنّ الحكومة لن ترضخ لشروط سياسيّة إذا كانت تأتي بمساعدات إلى لبنان فإنّها قد تعرض الوحدة الوطنيّة والاستقرار، كما أنّه أكدّ أنّ الأولويّة لدى الحكومة هي للقرار 1595 المتعلّق بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ليس هذا فقط، فقد نجح السنيورة في جعل "الدول المانحة" ومن بينها الولايات المتحدة تعلن "تفهمها" للموقف اللبناني.
وعلى أيّة حال فإنّ ما أعلنته وزيرة الخارجيّة الأميركيّة كوندوليزا رايس في ختام اجتماع "المجموعة التأسيسيّة لدعم لبنان" في نيويورك أوّل من أمس، يثبت أنّ أميركا أخذت بحيثيّات الموقف اللبناني واعتبرت انّ ثمّة "عملية سياسيّة لبنانيّة داخلية" لتطبيق الـ1559، ما يعني عملياً أنّ مؤتمر دعم لبنان الذي ينعقد في بيروت أواخر العام الجاري ليس مسبوقاً بشرط تنفيذ القرار 1559 قبل حصوله.
"على المكشوف"
رابعاً ـ لا يقول أحد بطبيعة الحال إنّ أميركا والمجتمع الدولي تخلّيا عن مطلب تنفيذ الـ1559، لكنّ "حزب الله" معنيّ بأن يوافق على اعتبار أن إحالة الـ1559 على آليّة داخليّة هي نجاح أسّس له التضامن بين اللبنانيين، وبأن يوافق على أن ليس ثمّة نظريّة مؤامراتيّة أو مؤامرات تحت الطاولة، في وقت تجري كلّ الأمور على "المكشوف".. فلا أميركا والمجتمع الدولي يخفيان ما يريدان ولا الحكومة ـ التي يشارك فيها حزب الله ـ تخفي ما عندها أيضاً.. خاصة أنّ كلّ الأمور مع السنيورة توضع على الطاولة ويناقشها الجميع.
خامساً ـ إنّ في العودة إلى التشكيك بـ"ظاهر من البراءة"، تذكيراً بسنوات من التشكيك حول الخطّة الاقتصاديّة ـ الماليّة للرئيس الشهيد رفيق الحريري. بيد أنّ هذا التشكيك لا يستوي مع ما قاله الحزب في الرئيس الحريري وأدواره ومواقفه و"مفاوضاته" مع الأمين العام السيد حسن نصر الله بعد استشهاده. فهل يكون الرئيس السنيورة موضع تشكيك وشكّ هذه المرة؟ ولماذا؟
سادساً ـ وإذا كان تشكيك الحزب موضع استغراب بالصلة مع ما تقدّم، لا بل إنّ تشكيكه يدعو هو نفسه إلى الشكّ بأن يكون "وراء الأكمة ما وراءها" أو بأن يكون ثمّة استهداف سياسيّ ما لن يتأخر الحزب في كشفه خاصّة اذا ما رُبط بـ "الإشادة" المفاجئة بكلمة الرئيس اميل لحود في الامم المتحدة .. فإنّ السياسيين الحاضرين في حلقة النقاش، إذ ينتقلون إلى الموضوع المتعلّق بسلاح المقاومة، يسجّلون أنّ "حزب الله" لا يزال يتحدّث عن "خلق ظروف مؤاتية ليقرّر اللبنانيّون ما يناسبهم" لكن تحت سقف محدّد سيجري تبيانه في النقاط التالية.
خطاب "حزب الله" في المقاومة
مِن "الإيديولوجيا" إلى "السياسة"
سابعاً ـ يجب القول أنّ خطاب "حزب الله" في موضوع المقاومة وسلاحها، وكما عبر عنه السيد نصر الله أكثر من مرة، لم يعد خطاباً "أيديولوجياً" بـ"الكامل" إذ بات يعيّن للمقاومة وظيفة دفاعيّة لبنانيّة. غير أنّ الخطاب في انتقاله من "الأيديولوجيا" إلى "السياسة المباشرة"، واذ يؤكدّ على السلاح تحت عنوان حماية لبنان، لا يزال أسيراً لفكرة واحدة عبّر عنها مسؤول العلاقات الدوليّة في الحزب السيد نواف الموسوي في أكثر من مقابلة تلفزيونيّة مؤخراً، تقول بما سمّاه الثنائيّة بين المقاومة والجيش، أي عملياً بقاء الوضع على ما هو عليه أو على ما "كان" عليه، ولو أنّ الموسوي لم يشرح مثلاً لماذا وتحت عنوان الثنائيّة هذه لا يطبق القرار 1614 المتعلّق بنشر الجيش في الجنوب.
ثامناً ـ وفيما يستمرّ خطاب "حزب الله" متراوحاً بين فكرة حماية لبنان ـ نظرياً ـ وبين ثنائيّة المقاومة والجيش ـ عملياً ـ تصدر بين الحين والآخر مواقف تطرح جعل المقاومة "لواء" عسكرياً في الجنوب تارة وتحويل المقاومة إلى مقاومة "لبنانيّة" ـ أي من كلّ الطوائف ـ وتشكيل قيادة مشتركة لها تارة أخرى، علماً أنّ "حزب الله" هو اكثر المقتنعين بفشل تجربة "سرايا المقاومة" التي لم تعمّر طويلاً أصلاً.
غير أنّ ما يلفتُ باستمرار هو عدم اقتراب خطاب الحزب من الدعوة إلى اعتماد لبنان لمشروع دفاعي في وجه اسرائيل من ضمن الدولة، وهذا أمر مختلف بطبيعة الحال عن بعض الدعوات إلى دمج المقاومة بالجيش أو إلى انضمام مجاهديها ومقاتليها إلى مؤسّسة الجيش.
المشروع الدفاعي
من ضمن الدولة
تاسعاً ـ تنطلقُ الإشارة إلى مشروع دفاعي لبناني من ضمن الدولة بحسب السياسيين المشاركين في حلقة النقاش من ملاحظة الآتي:
1 ـ إنّ الانسحاب السوري من لبنان، أعاد البلد في المبدأ إلى "المربّع الأوّل" أي إلى اتفاق الطائف قبل ان يتمّ إيكال رعايته إلى سوريّا. وبما أنّ الطائف في جوهره يحمل عناوين "مشروع الدولة"، فإنّ الفرصة قائمة اليوم لتجديد الحياة في "مشروع الدولة" هذا. وعلى أيّ حال، فإنّ "حزب الله" الذي قررّ الدخول إلى مركز القرار السياسي في السلطة الإجرائيّة ـ أي مجلس الوزراء ـ بالتزامن مع هذا التطور، إنّما قدّم قراره تحت عناوين عدّة أبرزها المساهمة في بناء الدولة.
2 ـ إنّ في القرارات الدوليّة حول لبنان بما في ذلك القرار 1559 أو القرار 1614، "وجهين". وجه يمكن اعتباره بحق وجهاً ضاغطاً ولا تخفى أبعاده السياسيّة الإقليميّة بالعلاقة مع المشروع الأميركي في المنطقة، ووجه ثان إيجابي بمعنى أنّه يدعم سيادة لبنان ويدعم الدولة الواحدة والسلطة الواحدة في لبنان. وبكلام آخر، فإنّ "مؤامرة" الـ 1559 يمكن تحويلها بموقف لبناني واحد، أي "الالتفاف" عليها بأن يقرّر اللبنانيّون ما يناسبهم فعلاً، وهو قرار كانت ثمّة عوامل عديدة تفرض اتخاذه بمعزل عن الـ 1559، وهي عوامل تتصل بالتطورات وأبرزها اثنان: انسحاب سوريّا من لبنان، ومسار الوضع الفلسطيني الراهن، فضلاً عن مقتضيات الوضع اللبناني نفسه.
3 ـ واذا كان غنيّاً عن القول أنّ الكلام عن مشروع دفاعيّ لبناني عام ضمن الدولة، ذو معنى فعليّ في وقت يتوجّب على لبنان حماية نفسه من الاعتداءات الإسرائيليّة، ويتوجّب عليه مواصلة نهج "الصمود" في وجه إسرائيل، فإنّ ما ينبغي الإشارة إليه هو أنّ مشروعاً دفاعياً لبنانيّاً عاماً يصنعه اتفاق لبناني عام ويشكّل ضمانة للبنان ولكلّ اللبنانيين.. لا بل أكثر من ذلك أنّ سلاح المقاومة "الآن" يمكنه ان يشكّل عاملاً مؤثراً في صنع هذا المشروع وإنتاجه طالما أنّ أحداً من اللبنانيين لا يقبل بعنوان "تجريد السلاح"، وطالما أنّ ثمّة ظروفاً لإجماع وطني حول سيادة لبنان "مِن" سوريّا وسيادته "ضد" إسرائيل.
فرصة "مشروع الدولة" بعدَ التطورات
4 ـ المستجدّ "الحاسم" إذاً هو تحرير "مشروع الدولة"، أو الظروف المؤاتية للشروع في بناء الدولة إذا أراد اللبنانيّون اغتنام هذه الفرصة وعواملها، وهذا أمرٌ لا يمكن القول أنّ المقاومة أو أيّاً من القوى اللبنانيّة وجدت نفسها أمامه منذ الطائف.
عاشراً ـ إنّ النقاش الذي دار في حلقة السياسيين انتهى إلى طرح عنوان رئيسي: إذا كان سلاح المقاومة مطروحاً تحت عنوان دفاعيّ، فأيّ وظيفة للسلاح خارج مشروع دفاعيّ للدولة إذا كان ذلك احتمالاً حقيقياً؟... أي أنّ سلاح المقاومة لا "تصريف" له إلاّ من ضمن هكذا مشروع.. والاّ غدا هذا السلاح مسألة "خاصة"، فيما هو بالفعل مسألة عامة عندما يكون الأمر من ضمن الدولة التي يتشارك الجميع في بنائها لتشكّل ضمانة للجميع. أما ما هي تفاصيل هذا المشروع الدفاعيّ وما هي "خارطة الطريق" إليه، فالجواب عند "حزب الله" ـ إذا وافق ـ وعند المتحاورين حوله.. على أساس أنّ إسرائيل عدوّ لبنان.
إذاً، بينَ التشكيك بوجود شروط سياسيّة لمؤتمر دعم لبنان وبين الكلام عن سلاح المقاومة تحت سقف "ثنائيّة المقاومة ـ الجيش"، رابطٌ واحد هو وضع "حاجز" سياسيّ أمام النقاش ليس له ما يبرّره.. وما كان همّ حلقة النقاش إلاّ تقديم معطيات تساعد عليه.. أمّا التساؤلات الضمنيّة و"غير المباحة" فعديدة. ولذا كانت الوسيلة الفضلى تقديم هذا "المحضر" بصيغة أقرب إلى الرسالة الموجّهة إلى قيادة "حزب الله" علّ في ذلك فتحاً للنقاش والحوار.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.