8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الخياراتُ السياسيّة للمتضررين مسدودة.. والرهان على ديناميّة "وصل" داخليّة

مع تقدّم التحقيق الدوليّ في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وقد دخل في مرحلته النهائيّة الحاسمة، ومع اقتراب موعد الإعلان عن الحقيقة بشأن هذه الجريمة، يكثر التساؤل في الوسط السياسيّ وعلى المستوى الشعبيّ عن التداعيات الأمنيّة والسياسيّة التي يمكن أن تنتج عن كشف الحقيقة.
وقبل عرض محصلة الإجابات عن هذا التساول، تحرص الأوساط السياسيّة بداية على تأكيد أنّ المزاج الشعبيّ والسياسيّ حقق في الآونة الأخيرة انتقالاً مهماً نحو التمسك بمعرفة الحقيقة ونحو اعتبار هذه الحقيقة حمايةً للبنان واللبنانيين، الأمر الذي يعني وجود إرادة لبنانيّة بـ"مواجهة" كلّ الاحتمالات على قاعدة الحقيقة، وهذا تطور لبناني بالغ الأهميّة في موازاة تطورات التحقيق.
ولدى الانتقال في معرض الاجابة عن التساول حول تداعيات الحقيقة، إلى تحديد الأخطار المحتملة، تسارع الأوساط السياسيّة إلى تأكيد أنّ ثمة خطرين مستبعَديْن في "السياسة" في المرحلة المقبلة، وذلك في امتداد التطور الآخر المتمثل في تنامي الوعي سواء على مستوى المجتمع السياسي نفسه أو على المستوى الشعبي.
خطر الفتنة الأهلية في مواجهة وعيٍ لبنانيٍّ متنامٍ
أولاً ـ إنّ الخطر الأول الذي تستبعده الأوساط هو خطر "الفتنة الأهليّة" سواء ما يثار أحياناً بشأن فتنة إسلاميّة ـ إسلاميّة أي سنيّة ـ شيعيّة أو فتنة إسلاميّة ـ مسيحيّة. فهذه "الأنواع" من الفتن لا تُربة موضوعيّة لها بالرغم من "الشغل" الاستخباراتي عليها، لأن لا علاقة لأيّ من الجهات الطائفيّة التي "يعتدّ" بها أو لأي من القوى السياسيّة ذات التمثيل الطائفي باغتيال الرئيس الحريري. وإلى ذلك تضاف حقيقة أن لا قرار سياسياً لدى أيٍّ من الفرقاء المحليين بالسير نحو "خيار" الفتنة الأهليّة أو الصراع الأهليّ.
وهذا الوعي اللبنانيّ الحادّ بخطر الفتنة وتلك الحساسيّة اللبنانيّة "الفائقة" حيال الفتنة، عاملان مهمان جداً في "ردع" هذا الاحتمال.. فضلاً عن أن لا قرار خارجياً ـ دولياً يغطي هكذا "سيناريو" كما يتبيّن من مختلف المواقف الخارجيّة ـ الدوليّة، وكما أظهرت نتائج لقاءات رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري بقادة العالم في نيويورك الأسبوع الماضي.
وأحدث مثال على الوعي والحساسيّة اللبنانيّين، يتجسد في الإجماع على إدانة المواقف المشبوهة لجماعة "حراس الأرز"، بدءاً من البيئة المسيحيّة نفسها، الأمر الذي يعني أن لا "سوق" لأيّ مشروع فتنة في البلاد.. إضافةً طبعاً إلى رفض المرجعيّات الروحيّة والسياسيّة كافة لمشاريع "الفدراليّة" مثلاً.
الانقلاب لا يمتلك أدواته
ثانياً ـ أمّا الخطر الثاني الذي تستبعده الأوساط فهو خطر الانقلاب العسكريّ على النظام السياسيّ قيد التشكّل وإعادة التشكّل بعد الانتخابات الأخيرة.
وتنطلق الأوساط في استبعاد هذا الخطر ليس لأنّ فريق النظام الأمنيّ لم يفكر فيه في الفترة السابقة، بل تنطلق في استبعاده بالرغم من أنّ هذا الفريق فكّر به وربما يكون أعدّ له خططاً، من اعتبارات سياسيّة رئيسيّة:
1 ـ إنّ هذا "الخيار" معزول عزلة تامة على الصعيد السياسيّ والشعبيّ، وهو كان تاريخياً معزولاً في لبنان.
2 ـ إنّه "خيار" لا يملك الآن أدواته "المؤسساتية".
3 ـ إنّ هكذا "خيار" يجازف أصحابه بمزيد من العزلة على المستوى الخارجيّ، ويقودهم إلى مواجهة مع المجتمع الدوليّ خاسرة سلفاً.. هذا إذا كان أصحاب هذا "الخيار" إذا وجدوا الآن يملكون أدوات تنفيذه.
الجيش.. و14 آذار
ثالثاً ـ وفي تقدير الأوساط أنّ النقاش في خطر خيار الانقلاب لاستبعاده، لا بدّ أن يمرّ على نقاش حول المؤسسة العسكريّة. وفي هذا المجال تُطرح العناوين والأسئلة الآتية:
أ ـ لقد استطاع قائد الجيش العماد ميشال سليمان في الفترة التي تلت 14 شباط، وعلى الرغم من محاولات الفريق الأمنيّ ـ أي فريق الرئيس إميل لحود ـ توريط الجيش في مواجهة مع انتفاضة 14 آذار، أن يحيّد المؤسسة عن الصراع الحادّ الذي دار في البلاد، فأنقذ المؤسسة من ضربة "جهنميّة" كان يمكن ان تتلقاها.
نقطة القوة ونقطة الضعف
ب ـ بيد أنّ مؤسسة الجيش "عانت" في فترة سابقة من ثغرة رئيسيّة لا بل استراتيجية هي عدم سيطرتها على المخابرات التي كانت تخضع بالأمرة إلى المخابرات السوريّة ولحود. وإذا كان صحيحاً القول أنّ نقطة ضعف المؤسسّة ـ أي عدم السيطرة على المخابرات ـ كانت في المقابل نقطة قوتها في "السياسة"، بمعنى أنّ عدم السيطرة وضع الجيش خارج دائرة "الاتهام".. فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه اليوم يدور حول ما تمّ عمله في الآونة الأخيرة لإعادة تشكيل هذا الجهاز الذي يشكل حماية للجيش وللبلد في آن إذا انضبط ضمن الأصول القانونيّة طبعاً.
الأُمرة
ج ـ وإذ تسجّل الأوساط بارتياح واقع أنّ المؤسسة العسكريّة لم تهتزّ بالرغم ممّا أصاب أجهزة أمنية أخرى من اهتزاز نتيجة لأداء قادتها وبفعل الآلية التي كانت هذه الأجهزة تعتمدها لحساب قادتها ورؤسائهم في عنجر ودمشق، فإنها ـ أي الأوساط ـ وفي موازاة الارتياح حيال أداء قائد الجيش، تطرح تساؤلاً عمّا إذا كانت ثمة "مخلفات" لأمرة سابقة ضمن المؤسسّة.
د ـ وتسارع الأوساط إلى القول أنّ المقصود ممّا تقدم ليس التشكيك بواقع المؤسسّة بقدر ما هو الحثّ على تطوير قدرتها بحيث تستمر في كونها "فوق" الصراعات ومصدر حماية للبنان واللبنانيين، وبكلام أوضح تعرب الأوساط نفسها عن اعتقادها أنّ ما حمى الجيش في الفترة السابقة هو أساساً الثقة السياسيّة والشعبيّة به وبقائده العماد سليمان، أكثر من الثقة بأي شيء آخر ضمن الظروف المحيطة بهذه المؤسّسة الكبرى.
لا فراغَ أمنيّاً
رابعاً ـ إنّ الاستطراد في النقاش إلى تناول واقع المؤسسّة العسكريّة، إنّما هو استطراد هادف إلى القول أنّ الجيش لا يمكن أن يكون أداة من أدوات مشروع انقلابيّ في البلاد إذا أخذت في الاعتبار العوامل الآنفة، لكنّ الاستطراد يهدف أيضاً إلى تسليط الضوء على ضرورة تحصين الجيش وتطوير قدراته وتأكيد عدم وجود أيّ تشارك في الأمرة على الأمن.
وأكثر من ذلك، أنّ الاستطراد يهدف إلى تأكيد أنّ خطري الفتنة الأهليّة أو الانقلاب مستبعدان سياسياً، لأن ليس ثمة "فراغ أمني". فإذا أضيفت قوى الأمن الداخلي وقائدها اللواء أشرف ريفي إلى الجيش، وهي ـ أي قوى الأمن ـ التي تلعب دوراً أمنياً ملموساً وناشطاً في المدّة الأخيرة، يصبح من الضروري القول أن لا وجود لما يسمى فراغاً أمنياً.. وإن كان الجانب الاستخباريّ الرسميّ في الأشهر القليلة الماضية بحاجة إلى تطوير ـ ضمن القوانين ـ كي يشكّل مصدر اطمئنان إلى انّ ثمّة سيطرة لبنانيّة على هذا الجانب.. مع الإشارة طبعاً إلى أنّ الأمر برمّته بحاجة إلى قرار سياسيّ لا يكفي فيه موقف القوى السياسيّة بل يقتضي قرارات إجرائيّة على مستوى السلطة التنفيذيّة.
التفجيرات... والفوضى بلا أفق سياسيّ
إذاً، تستبعدُ الأوساط في "السياسة" وفي "المعطيات" خطرَي الفتنة والانقلاب. لكنّها لا تقول ذلك لـ "تنام على حرير"، بل هي تسلّط الضوء على خطر أمنيّ قائم ومستمر.
إنّ ما يجري من تفجيرات أمنيّة منذ 19 آذار الماضي وصولاً إلى تفجير الجعيتاوي منتصف ليل الجمعة ـ السبت الماضي، هو "نموذج" للخطر الأمنيّ الذي يواجهه اللبنانيّون. وليس خافياً على أحد أنّ هذه التفجيرات من صنع شبكات استخباراتيّة، قد تكون شبكات تابعة لقادة أمنيين لبنانيين سابقين وقد تكون تابعة للاستخبارات السوريّة، ويجب كلما اقتربت الحقيقة توقّع استخدام هذه التفجيرات أو تصعيد استخدامها وصولاً إلى محاولة خلق فوضى أمنيّة.
وهنا تدعو الأوساط إلى الانتباه للآتي:
1 ـ إذا كانت التفجيرات الأمنيّة بلا أفق سياسي، بمعنى أنّه لا يمكنها أن تكون مشروعاً سياسياً قائماً بذاته، فإنّها مع ذلك خطيرة وفي "مناخها" قد تحصل استهدافات سياسيّة: اغتيالات، اضطراب، ترويع وربّما انتشار حركات مسلحة الخ..
2 ـ وإذا كان من المؤكّد أن ليس ثمّة فراغ أمنيّ بوجود مؤسّستي الجيش وقوى الأمن، فمن المؤكّد في المقابل أنّ محاولة خلق فوضى أمنيّة هي "هدف" بذاته. ولذلك كانت الاشارات الاستطراديّة السابقة هادفة إلى التشديد على ضرورة ملاحقة "الشبكات" تعزيزاً للأمن. وبكلام آخر، إذا كان ليس ثمة أفق لفراغ أمنيّ ولمشروع سياسيّ ينطلق من فراغ أمنيّ، فإنّ خطر الفوضى الأمنيّة "خيار" يلجأ إليه المتضررون ويمكن أن يطوروه.
3 ـ ولما كان الخطر متأتياً من شبكات استخباراتيّة، فإن الإشارة ضروريّة إلى الأهميّة القصوى لمتابعة "حركة التسليح" التي يقال إنّها اتسعت في الآونة الأخيرة لتشمل شبكات إضافيّة من ضمنها مجموعات فلسطينيّة "موالية" للاستخبارات السوريّة.
الديناميّة الداخليّة
على أنّ لبنان المطمئنّ إلى الحقيقة والمرتاح إلى كشفها، والذي يشهد انحصار الأفق السياسيّ أمام المتضرّرين، بحاجة اليوم وأكثر من أي يوم مضى، تأسيساً على المعطيات التي تشير إلى أنّ رهان المتضررّين هو على فوضى أمنيّة "قد" تنتج مفاعيل سياسيّة بـ"التراكم" أو باللعب على عامل الوقت، إلى ديناميّة سياسيّة داخلية "إيجابيّة"، أي حركة لا "تتّكل" على ما هو ليس في مصلحة "الخصم" أو قدرته فقط، بل حركة تعيد تشكيل المظلّة السياسيّة لعمليّة الانتقال من مرحلة إلى أخرى.. "حركة وصل" بين قوى الوضع السياسيّ "الجديد" وفاعليّاته ومرجعيّاته، تستطيع أن تتفق على مشروع سياسيّ واحد للبنان وتستطيع أن تطمئن اللبنانيين وأن تحاصر إلى الحدّ الأقصى مفاعيل محاولات المتضررين اللعب باستقرار البلد فتفتح بذلك صفحة جديدة فعلاً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00