من البديهي القول ان نتائج التحقيق الدولي في جريمة إغتيال الشهيد رفيق الحريري ستطرح على بساط البحث مصير نظامين معاً: النظام الأمني أي ما تبقى منه من جهة والنظام السوري من جهة ثانية.
النظام الأمني اللبناني اهتز بعد 14 شباط ثم استعاد أنفاسه نسبياً بعد 14 آذار الى أن وضع التحقيق الدولي أركان هذا النظام وقادته الفعليين في قفص الاتهام، ثم بدأ ينهار، مع دخول الفريق الأمني الى السجن مُتهماً.. وتبقى الحلقة الأخيرة المتصلة بالتقرير النهائي لديتليف ميليس في 25 تشرين الأول المقبل، أي ما يتعلق بمصير رأس النظام الأمني إميل لحود ورئاسته.
يمكن الحديث مطولاً عن المهمات اللبنانية التي سوف يفرضها التقرير بالنتائج النهائية للتحقيق في الجريمة الإرهابية، على اعتبار ان هذا الأمر شأن لبناني وفي يد اللبنانيين في المبدأ. لكن السؤال الذي يلح على النقاش اللبناني في هذه الأيام هو الآتي: إذا أشّرت نتائج التحقيق الى مسؤولية النظام السوري في جريمة إغتيال الرئيس الحريري وغدا مصير النظام في سوريا على بساط البحث لا سيما من الجانب الدولي، كيف سيتصرف اللبنانيون والمجتمع السياسي اللبناني بالأخص حيال هذا "المعطى" وبأي معنى سيعتبرون أنفسهم معنيين به وبأي معنى سيعتبرون أن لا دخل لهم فيه؟
استحالة عَونٍ لبناني للنظام السوري إذا اتهم
عن هذا السؤال تحاول أوساط سياسية متابِعة تحديد عدد من العناوين الرئيسية:
أولاً ـ إذا وجهت التهمة الى النظام السوري باغتيال الرئيس الحريري، بالاستناد الى قرائن طبعاً، من المفترض منطقياً أن يحصل تضامن لبناني حول "الحقيقة". وبكلام أوضح من غير الطبيعي تصور أن تؤدي نتيجة اتهام النظام السوري ـ أي طرح مصير هذا النظام عملياً ـ الى أي نوع من أنواع التضامن اللبناني مع سوريا ـ أي النظام في دمشق ـ تحت أي عنوان من العناوين، فلا عنوان ان سوريا مستهدفة من قبل الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ينفع، ولا عنوان ان سوريا "قلعة الممانعة" حيال المشروع الأميركي ـ الغربي ينفع هو أيضاً، وغير ذلك من العناوين لا ينفع كذلك.
لا يمكن اذاً في حالة نظام متهم ـ إذا اتهم ـ وبحجة انه نظام مستهدف بمصيره، أن يقدم لبنان أي عون لسوريا النظام، لأنه لا يستطيع أن يسامح في جريمة هزت لبنان وكانت استهدافاتها تصل الى وجود البلد ودوره، كما انه لا يستطيع الدفاع عن نظام أوصل سوريا الى ما أوصلها اليه، واعتمد سياسات ضربت الأخوّة بين اللبنانيين والسوريين.
ثانياً ـ وثمة سبب إضافي الى ما تقدم هو أن لبنان في المرحلة التي تلي صدور نتائج التحقيق، لا يستبعد أن يلجأ النظام السوري وقد ضاقت الخيارات أمامه، وهو في معرض الدفاع عن وجوده، الى استخدام سلاح الفوضى.. على أرض لبنان، وهو يملك إمكانات هذه الفوضى.
ثالثاً ـ بكلام آخر، ترى الأوساط السياسية أن ليس في وسع لبنان ـ أي مجتمعه السياسي بالدرجة الأولى ـ أن يفعل شيئاً ينقذ أو يساعد في إنقاذ النظام السوري من ورطة أوقع نفسه فيها، لا بل أن التضامن اللبناني سيكون ضرورياً جداً من أجل درء أي تداعيات للوضع السوري في لبنان.
المعادلة: الانحياز الى الحقيقة
والحياد حيال مصير نظام دمشق
لكن في المقابل، وإذ تعتبر الأوساط للأسباب الآنفة ان لبنان معني بموقف من النظام السوري اذا وجهت له التهمة، فانها ترى ان لبنان لا مصلحة له في التعاطي في "الشأن السوري" بما هو آت عليه من تطورات، لأن هذا "الشأن" سيتقرر بين عاملين أقوى من لبنان هما الوضع الدولي وعلاقته بسوريا وكيفية تعاطيه معها من ناحية والداخل السوري من ناحية أخرى. وبهذا المعنى تلفت الأوساط الى أن المعادلة التي ينبغي أن تحكم الموقف السياسي بعد تطورات التحقيق هي الآتية: الانحياز الى الحقيقة الكاملة بما في ذلك ما يتصل منها بالنظام السوري، في مقابل الحياد حيال مستقبل هذا النظام.
المستجد الخارجي حول لبنان
بيد أن الأوساط التي تطرح عناوين التعاطي تجاه النظام السوري في حال اتهامه من قبل التحقيق الدولي، تسارع فوراً الى القول أن ما طرح حتى الآن لا يجيب عن كل ما يجب أن يعني اللبنانيين في المرحلة المقبلة، أي أن ما قيل عن المعادلة المنتظرة للتعاطي اللبناني مع نتائج التحقيق سورياً لا يقفل النقاش بل يفتحه حول العناوين المباشرة الآتية:
1 ـ ان لبنان ـ أي مجتمعه السياسي ـ معني بأن يعي أن هزيمة النظام السوري في لبنان ابتداء ثم هزيمته عندما يصبح مصيره مطروحاً، تعني ان لبنان وللمرة الأولى في تاريخه الحديث أصبح أمام توازن خارجي مختل حوله، وغداً منكشفاً أمام خارج من "لون واحد"، أي أن الخارج الذي تشكل تاريخياً من عوامل متنافرة ومن معطيات معقدة بات الآن خارجاً صافياً يحكمه التوازن الدولي المعروف.
تحدي رفض الاستتباع للغرب
2 ـ ان هذا المستجد حول لبنان، ينطوي على مخاطر كثيرة، إذ لا يكفي أن يقول قائل أن اللبنانيين أسقطوا رهاناتهم على الخارج ـ كلّ خارج ـ ليكون ذلك مُطمئناً. وهنا تلفت الأوساط الى أن ثمة تحدياً كبيراً أمام اللبنانيين وقواهم الرئيسة هو تحدي إثبات القدرة على حفظ استقلال لبنان في ظل هذا المستجد الذي قد "يغري" البعض في الداخل والخارج بمشاريع تسقط استقلال لبنان ـ وربما وحدته ـ عبر استتباعه لـ "الغرب".
... وتحدي تجديد "معنى" العروبة
3 ـ واذا كانت العروبة هوية لبنان ـ ميثاقياً ودستورياً ـ بدت "لصيقة" في التاريخ اللبناني الحديث بموجات العروبة الخارجية التي تعاقبت على البلد، أي أن العروبة لم تبدُ فعلياً مكوناً أصلياً لهوية لبنان، وعاملاً رئيسياً في "الرابطة الوطنية"، واذا كانت هذه العروبة قد لحقتها تشويهات كبيرة خاصة في ظل الوصاية السورية طوال ثلاثة عقود حيث كانت العروبة الخارجية ـ السورية "إجتياحية" ومخابراتية بكل معنى الكلمة.. فان اللبنانيين ـ أي المجتمع السياسي اللبناني ـ أمام تحدّي صوغ "معنى" عروبتهم وتحديثها وتحدي تحديد إسهامهم في "الفكرة العربية" لتكون جزءاً من "الوطنية اللبنانية".
4 ـ وفيما يبدو كل شيء جديداً ومستجداً ولم يألفه "العقل السياسي" من قبل، على اعتبار أن "العقل السياسي" في لبنان ظل يعتبر أن التطورات التي بدأت في المنطقة منذ عقود وبلغت ذروتها في السنوات الأخيرة بعد العام 2000 خصوصاً، بعيدة عن البلد... يبدو أن الحرص الذي تبديه الأوساط المتابعة على صوغ معنى العروبة وتجديده ينطلق من واقع أنه للمرة الأولى لا يكون فيها التعبير عن العروبة مرتبطاً مباشرة بـ "قضية" عربية بذاتها أو بـ "القومية" التي تحولت على يد أنظمتها ومشاريعها الى معبر للاستبداد.
الدولة الحديثة
5 ـ غير ان لبنان في ظل المستجد من حوله ـ والمتصل بسوريا ـ هو اليوم أمام تحد آخر، تحدي القدرة على بناء الدولة الحديثة. وتشير الأوساط هنا الى ان فشل عملية بناء الدولة في لبنان تاريخياً كان بفعل عوامل ومعطيات متداخلة ولأن الدولة "المستقلة" لم تكن قائمة أصلاً، أي أن الاستقلال اللبناني لم يكن معطى قائماً ولأن معظم الأفرقاء اللبنانيين لم يتعاطوا مع الكيان اللبناني لا بوصفه معطىً ناجزاً ولا بصفته كياناً يستحق أن ينجز.
فرصة أم انتكاسة؟
6 ـ أن هذا المستجد الأول من "نوعه" حول لبنان يطرح تحديات عدة في آن واحد: حفظ استقلال لبنان وتجديد معنى عروبته كمكون أساسي ضمن الوطنية اللبنانية وبناء الدولة الحديثة، لكنه يفرض السؤال بداهة عن مدى وجود إرادة "لبنانية" جامعة لمواجهة هذه التحديات. ذلك أن الجواب عن هذا السؤال سيحدد الى حد كبير ما اذا كان هذا المستجد سيشكل "فرصة" أو ما اذا كان سيشكل "مناسبة" لمزيد من الانهيارات.
7 ـ وبعيداً من النقاش الدائر أو الذي يمكن أن يدور حول سلاح المقاومة، أو الكلام عن أن لبنان سيكون آخر الموقعين على "السلام" مع اسرائيل، فان المسألة التي تمثل تحدياً كبيراً للبنان واللبنانيين، هي تحدي اقتناع كل لبنان ـ أي كل طوائفه وتياراته ـ بأن الصراع مع اسرائيل لا قعر مرئياً له حتى في ظل "السلام" أو "التسوية" إذا حصلا، وان لهذا الصراع أشكالاً متعددة، ما يفترض معه أن للبنان دوراً في هذا الصراع.
"العقد الوطني".. نحو استكمال تشكيل السلطة
ان العناوين الآنفة التي تطرحها الأوساط المتابعة لمرحلة "ما بعد التحقيق" و"ما بعد النظام الأمني" و"ما بعد النظام السوري"، مطروحة في واقع الأمر كعناوين لـ "عقد وطني" جديد، غني عن القول انه مؤسس على الطائف لكنه يطوره من جوانب عدة. انه تحد بكل ما للكلمة من معنى، تحد من زاوية القدرة على إنجاز هذه المهام مجتمعة: الاستقلال والديموقراطية والعروبة المحدثة ضمن الوطنية اللبنانية وبناء الدولة.. أي وطن حقيقي وسط التطورات حول لبنان. وحقيقة الأمر أن أحداً لا يستطيع الجزم بأن التحولات ستشكل فرصة لأنها قد لا تكون كذلك اذا لم تتحقق قناعة بأن هذا "العقد" هو حاجة للجميع من دون استثناء.
ان "الحياد" حيال مستقبل النظام السوري إذا غدا متهماً يفتح النقاش اذاً في عناوين جوهرية هي عناوين نقاش في الكيان والنظام والدولة معاً.
وإذا كان النظام الأمني يتداعى وربما لم يعد يقتضي لإسقاطه سوى هز "غصنه" الأخير، فان الحوار حول هذه العناوين بما يفضي الى توافق عام، هو ـ أي الحوار ـ المعبر الأهم لاستكمال تشكيل السلطة، وهذا أمر سيجد اللبنانيون أنفسهم أمامه في غضون أسابيع قليلة جداً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.