8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

جنبلاط يحذّر من مشاريع لتحييد لبنان ويخشى الخلل في التوازن الداخلي

ما فتئ رئيس الحزب التقدمّي الاشتراكي وليد جنبلاط يكرّر منذ فترة غير قصيرة أنّ المطلوب أياً تكن التطورّات الجارية والمرتقبة الحفاظ على العروبة أو "المشروع العربي" في لبنان.
ولا ينطلقُ وليد جنبلاط في إصراره هذا من اعتبار "مبدئي" أي من قناعةٍ بعروبة لبنان فحسب، بل من اعتبار سياسيّ "مركزيّ" مستمدّ من دروس التجربة اللبنانية التي تفيد أنّ أيّ اختلال في التوازنات حول لبنان ينتج اختلالاً في توازن البلد، وأنّ العروبة الداخليّة في لبنان هي عامل رئيسيّ مِن عوامل التوازن السياسيّ اللبناني.
بيدَ أنّ ما يطرحه الزعيم الاشتراكي تشديداً على العروبة لا يُخفي قلقاً من الظروف التي تجعل من العروبة بوصفها مكوناً أساسيّاً من مقومّات الكيان اللبناني، مسألة إشكاليّة الآن.
العروبة الداخليّة وارتكازها الخارجي
أوّلاً ـ للمرّة الأولى منذ استقلال لبنان ومنذ قيام دولة إسرائيل في المنطقة العربيّة، يبدو لبنان وحيداً من بين سائر العرب وجهاً لوجه أمام إسرائيل وفاقداً أيّ حماية أو مظلّة عربيّة، وتبدو العروبة الداخليّة فاقدة ارتكازها العربي الخارجي.
ولا داعي للتذكير هنا بأنّ قوى العروبة الداخليّة في لبنان ارتكزت في حقبات تاريخيّة متتالية إلى عروبة خارجيّة كان مركزها مصر الزعيم الراحل جمال عبد الناصر (في العام 1958)، ثمّ كان المركز ممثلاً بالثورة الفلسطينيّة (في الفترة بين عامي 1975 و1977)، ثمّ جاء دور سوريّا الذي استمرّ من العام 1978 وحتّى الأمس القريب.
ثانياً ـ وإذا كان الوجه الأوّل لـ"الإشكالية" يتمثّل في أنّ التشديد على العروبة الداخلية يفتقد إلى قوة الإسناد العربية الخارجيّة المتعاقبة على لبنان، والفوارق الكبرى بين موجة وأخرى في تعاطيها مع لبنان والنتائج التي ترتّبت على كل تعاطٍ، فإن أحداً لا يستطيع إنكار واقع أنّ البلد يقف للمرة الأولى منذ عقود طويلة أمام حقيقة أن لا مظلة عربيّة فوق لبنان.
الطائف كمظلة عربية ـ دولية
ثالثاً ـ وإذا كان الوجه الأوّل لـ"الإشكاليّة" يتمثل في أنّ التشديد على العروبة الداخلية يفتقد إلى قوة الاسناد العربيّة الخارجيّة، فإنّ الوجه الآخر لهذه "الإشكاليّة" هو أنّ لبنان الذي عاش في السنوات الـ15 الماضية في ظلّ تسوية الطائف بصرف النظر عن تطبيقاتها في مرحلة الوصاية السوريّة، إنّما كان خلالَ هذه السنوات تحت مظلة عربيّة ـ دولية، سعوديّة ـ سوريّة ـ اميركيّة ـ غربيّة لأن الطائف نفسه كان تسويةً عربيةً ـ دوليّة، قبل أن تصبح المظلّة سوريّة بحتة منذ العام 1991 وتتطور (المظلّة السوريّة) على النحو الذي بات ما انتهت إليه معروفاً.
.. بعد هزيمة سوريا في لبنان
رابعاً ـ والطرح المشدّد على العروبة، يصطدم بواقع ليس فقط أنّ العلاقات بين أطراف المظلة العربيّة ـ الدوليّة فوق لبنان، هي علاقات مأزومة تنتج خللاً فادحاً، بل بواقع أنّ النفوذ السوريّ في لبنان هُزم وأنّ مصير النظام السوريّ نفسه مهتزّ خاصةً إذا وصلت مضاعفات التحقيق الدوليّ في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى "القمم" السوريّة.. الأمر الذي يعني أنّ لبنان سيكون بلا شكّ أمام وضع لم يعرفه من قبل مِن حوله.
العنوان الذي يطرحه وليد جنبلاط واضح تماماً: العروبة في لبنان يحميها توازن سياسي داخلي وخارجي مركّب، وإذا اختلّ أحدهما، أصيبت، والعروبة في لبنان يحميها تحالفٌ بين فريق عربي لبناني في الداخل وفريق عربي في الخارج، وفي حالات مثل الطائف، ان ما حمى العروبة في لبنان كان انضمام البلد ككلّ الى محصلة الوضع العربي أي الى تسوية ضمن "النظام العربي".
الخشية
من الاختلال الداخلي
وسطَ هذه المعادلات التي تفيد أن قوى العروبة الداخلية ضمرت، وأن الوضع العربي "الخارجي" لا ينتج حماية للبنان، وأن التوازن العربي ـ الدولي الذي أنتج الطائف لم يعد قائماً والخلل يسير حثيثاً لمصلحة الجانب الدولي ـ الأميركي ـ الغربي، وأن ثمة مفارقةً كبرى تتمثّل في أن من يساعد لبنان على معرفة الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ومَن يساعده على التخلّص من النظام الأمني الذي أنتجته الوصاية السورية، هو الطرف الدولي الذي يتبنّى القرار 1559 عنواناً للضغط على العروبة الداخلية... وسطَ هذه المعادلات جميعاً لا يخفى أن جنبلاط يخشى اختلالاً داخلياً وهو القائل دائماً أنه عندما يزول الغطاء العربي عن لبنان يصبح البلد فلكاً ضمن السياسة الغربية. وأكثر من ذلك، لا تخفى خشيةُ جنبلاط من تنامي مشاريع "أنتي عروبية" في لبنان إما تستعيد نظرية الأحلاف مع الغرب وإما تستعيد نظرية تحييد لبنان، فتقوى بذلك جهات داخلية تتبنى مشاريع من هذا النوع.
وإذا كان الزعيم اللبناني لا يعلنُ حتى الآن اشتباهه بفريق من الفرقاء في لبنان بشكل محسوم، فإنه يستحضر من التاريخ اللبناني حقيقة أن الصراع على الهوية والانتماء وبين العروبة الداخلية من جهة و"اللبنانية" المتناقضة مع العروبة من جهة ثانية، كان صراعاً دائماً.. أي أن جنبلاط لا "يفتعل" عنواناً خلافياً في البلد بقدر ما يؤشر الى "احتمال" يبقى قائماً الى أن يثبت العكس.
"ما بعد الأسد"
إشكالية العروبة في لبنان في ظل التطورات حوله ستكون إشكالية مضاعفة. وفي هذا المجال تؤكد مصادر ديبلوماسية عربية وغربية أن تطورات التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، إن هي وصلت نحو التأشير الى مسؤولية للنظام السوري عن الجريمة، ستؤدي (تطورات التحقيق) الى طرح مصير هذا النظام، لا بل يرى عدد من هذه المصادر أن "مرحلة ما بعد الرئيس بشار الأسد في سوريا" قد فتحت منذ الآن.
لا شك هنا أن جنبلاط على بيّنة من هذا الأمر، أي أنه على معرفة بما تقوله المصادر الديبلوماسية ولو أنه لا يصرّح بذلك ولا يعلنه. والمعنى المباشر لهذا التطوّر أن "سوريا الأسد" في طريقها الى أن تُشطب من احتساب "العروبة الخارجية" التي جرى الاعتماد عليها في مرحلة سابقة خصوصاً بين 1978 و1991 عندما حصل اتفاق بين العروبة الداخلية ودمشق على رفض التقسيم في لبنان بعدَ خلاف بين 1975 و1977 حول "الثورة الفلسطينية" انتهى بـ"إلغاء" الزعيم اللبناني العربي كمال جنبلاط، وفي المرحلة بين 1991 و1998 عشية انتقال سوريا إلى دعم النظام الأمني بقيادة إميل لحود، وتخلّيها عن سائر الحلفاء لمصلحة لحود، الأمر الذي توّج بكارثة التمديد تحت عنوان أن "إميل لحود هو بشار الأسد"، وتواصل بالاغتيالات ومشاريع الاغتيالات.
سوريا شطبت نفسها عملياً في لبنان وهي في طريقها الى أن تُشطب انطلاقاً من دورها السيئ في لبنان خلال السنوات الأخيرة. وهذا الأمر لا بد أنه حاضر في تفكير وليد جنبلاط ولا يستطيع حياله شيئاً.
غير أن جنبلاط يبدو مصراً على الرغم من هذه التطورات على حماية العروبة الداخلية مدركاً أمرين متلازمين، الأول هو أن الضمانة أو الحماية الخارجية ليست قائمة في الأمد "المنظور"، والثاني هو أن إعادة تشكيل قوى العروبة الداخلية ليس يسيراً بعد "التعهير" الذي حصل للعروبة في مرحلة الوصاية السورية، إضافة بالطبع الى أن ليس ثمة يمينٌ لبناني غربي في الصورة العلنية الآن وإن كان من غير المستبعد احتمال بروزه في مرحلة لاحقة.
جنبلاط وضمانة المقاومة
وفي هذا الإطار، يعتبر وليد جنبلاط أن الضمانة الوحيدة التي تملكها عروبة لبنان والعروبة في لبنان، هي المقاومة، ويتمسّك بوجودها واستمرارها من هذا المنطلق، ولا يتردّد في الدعوة إلى قيام حلف عربي لبناني مع المقاومة وحولها، فاصلاً بين القرار 1595 المتعلّق بالجريمة الإرهابية التي طاولت الرئيس الحريري ورفاقه حيث يصرّ على إنتاج الحقيقة أيّاً تكن، وبين القرار 1559 الذي يعتبر أنّه وسيلة الضغط على عروبة لبنان واستدراجه إلى فلك السياسة الأميركيّة، وتغذية مشاريع أنعزال جديدة باسم تحييد لبنان.
وإذ يرى في تحييد لبنان ليس فقط ضربة لعروبته، فإنه يعتبر أنّ التحييد يجعل قدرة لبنان على منع التوطين معطلّة ومستحيلة، ولا يخفى أنّ الزعيم اللبناني يتخوّف من تجدّد الصراع الداخلي ومن خلل كبير في التوازن السياسي الضامن لعروبة لبنان ونظامه الديموقراطي الحرّ في آن معاً.
1595 و1559
أن تكون سوريّا دخلت في مرحلة "ما بعد بشّار الأسد" أمر يتحمّل النظام السوريّ مسؤوليّته بالدرجة الأولى بفعل سياساته، لكن أن تسفر التطورّات عمّا يؤدّي إلى هزّ التوازن الكياني والسياسيّ في لبنان، فهذا ما يجعل جنبلاط في حالة استنفار: فلا يمكن مواجهة التطورّات بما في ذلك على صعيد النظام السوريّ نفسه الاّ بعروبة داخليّة، ولا يمكن ضبط الانعكاسات على لبنان إلاّ بتحالف عربي لبناني من كل الطوائف.
ومن نافل القول أنّ جنبلاط يعي تماماً كل الاشكاليّات المحيطة بـ"المشروع العربي اللبناني" في زمن انهيار النظام العربي، بيدَ أنّ ثمّة أملاً موجوداً الآن يتمثل في واقع أنّ معظم الاجتماع السياسيّ اللبناني يفصل مثل جنبلاط بين الـ 1595 والـ1559، وأنّه بالنسبة إلى الـ 1559 ثمّة اتفاق على "لبننته"، وإن كانت "اللبننة" تحتمل أراء ووجهات نظر مختلفة، يبقى الأهم خلال نقاشها أن يبحث المتحاورون عن ضمانات لهويّة لبنان، وعن ضمانات متبادلة في ما بينهم في ظل الميثاق والدستور. وما يطرحه جنبلاط يجدر بالجميع عدم تفسيره من خارج ما يعلنه الزعيم الاشتراكي بنفسه: حذار الخلل في التوازن الوطني ـ السياسي في لبنان.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00