لم يفاجئ قائد "التيار الوطنيّ الحر" العماد ميشال عون أحداً في إعلان ترشّحه إلى رئاسة الجمهوريّة. ذلك أنّ كلّ المعارك التي خاضها منذ ما قبل عودته إلى بيروت من المنفى القسريّ، كانت تصبّ في هذا الاتجاه، مع أنّه كان يردّ باستمرار على من ينسبُ إليه توجهه إلى هذه الأولويّة بأن هناك من يُحاكم نواياه لا أقواله وأفعاله.
لكن بعيداً من الحق الطبيعيّ للجنرال في أن يكون مرشحاً إلى الرئاسة، وطموحه المشروع إلى هذا الموقع الدستوري، تعتبرُ أوساط سياسيّة متابعة أنّ الظروف التي يعلن عون فيها هذا الترشّح، إنّما هي ظروف تعاكسه على طول الخطّ. وفي هذا المجال تسلّط الأوساط الأضواء على العناوين الآتية:
العلاقة بـ"الساحة الإسلاميّة" متأزمة أو فاترة
أولاً ـ ليس خافياً أنّ علاقة عون إمّا متوترة وإمّا غير قائمة بينه وبين قوى رئيسيّة على "الساحة الإسلاميّة"، وهي قوى لا تمثّل فقط في بيئاتها ولا تشكّل شرطاً ضرورياً لاكتمال عقد الوفاق الوطنيّ أو الشراكة الوطنيّة فحسب، إنّما هي قوى لها دورها في "صناعة" رئيس الجمهوريّة.
فالعلاقة بينه وبين رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط تشهدُ على تأزمّها المواقف المتبادلة. والعلاقة بينه وبين "حزب الله" هي اليوم ما دون العلاقة الطبيعيّة بعد تعثّر اللقاء القياديّ بين الجانبين لأسباب سياسيّة خصوصاً منذ جلسة الثقة بالحكومة حيث بلغَ الخلاف ذروته في ما يتصل بعنوان الفارّين إلى إسرائيل فضلاً عن القرار 1559 وغيره. والعلاقة مع حركة "أمل" لا تبدو قائمة أصلاً.. على السطح في أقلّ تقدير.
أمّا العلاقة بـ"تيّار المستقبل" ورئيسه سعد الحريري، فبالرغم من "التواصل" بين الجانبين، فإنّ هذه العلاقة لا تزال ما دون التنسيق في قضايا رئيسيّة، خصوصاً أنّ عون ما فتئ يبدي مشاعر "باردة" حيال الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، إذ يعتبرها نصف الحقيقة، مشيراً إلى أنّ النصف الآخر يتعلق بالحقيقة حول ديون البلد، واضعاً "النصفين" على قدم المساواة، مع علمه اليقينيّ أنّ الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ستكشف الحقيقة حول كلّ شيء.
المعطيات المسيحيّة المتغيّرة ..
بين بكركي وجعجع
ثانياً ـ أمّا في ما يتعلق بوضع عون وتيّاره على "الساحة المسيحيّة"، فان الأوساط تعتبر أنّ ثمة متغيرات محرجة للجنرال. فمن جهة أتى النداء السادس لمجلس المطارنة الموارنة قبل أيّام يعلن استعادة الكنيسة والبطريرك نصر الله بطرس صفير زمام المبادرة على أساس رفض الاصطفاف الطائفي أي باتجاه تفعيل الشراكة الوطنيّة من دون تحفظ على التحقيق في جريمة الاغتيال ونتائجه، ومن جهة ثانية كانت الكلمة التي وجّهها قائد "القوات اللبنانيّة" سمير جعجع قبل ثلاثة أيّام إلى المناصرين واللبنانيين، واتسمت بـ"الاتزان" وتضمنت تشديداً من قبله على التمسّك بـ"روح" 14 آذار، والتحالفات التي صاغتها "القوات" مع "الحزب التقدمي الاشتراكي" و "تيار المستقبل"، وتضمنت تعييناً لطبيعة المرحلة.
طبعاً، ليس ثمّة نقاش هنا في من يكون الأكثر تمثيلاً في الدائرة المسيحيّة، لكن النقاش هو في المتغيّرات التي طرأت بعد الانتخابات، وهي متغيّرات لا تُقاربُ رقميّاً كما قال جعجع بل سياسيّاً، وفي هذا المجال يجب أن يكون واضحاً أنّ ثمة ما يكشف عون، وأنّ ثمة ما يضايق حركته عندما يكون بين فكّي الكماشة: الكنيسة من جهة و"القوات" من جهة ثانية.
التحقيقات:
النظام الأمنيّ... والحلفاء
ثالثاً ـ وفي الظروف المعاكسة لإعلان الجنرال ترشّحه إلى رئاسة الجمهوريّة، تقعُ التطورات على مستوى التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري وذلك من زاويتين رئيسيتيّن. الأولى أنّ التحقيقات التي انتهت إلى اتهام قادة الأجهزة الأمنيّة السابقين بالمشاركة في التخطيط لهذه الجريمة الإرهابية، لن تتأخّر في كشف الأموال الطائلة التي نهبها النظام الأمنيّ الذي كان جزءاً من مافيا مشتركة لبنانيّة ـ سوريّة، ولن تتأخّر في كشف الآليات الماليّة التي كانت قائمة. وهنا، تذكّر الأوساط بأنّ العماد عون بادر انطلاقاً من المؤتمر الصحافيّ الذي عقده المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيّد وحمل فيه مدعياً "العفّة" على الطبقة السياسيّة وفسادها، إلى مطالبة المعارضة آنذاك بالردّ على السيّد، مفترضاً انّ الأخير قال الحقيقة وأنّ اتهامه لـ"الطبقة السياسيّة" ومن ضمنها المعارضة حقيقةٌ هو الآخر.
أمّا الزاوية الثانية، فهي أنّ النتائج السياسيّة للتحقيقات انطلاقاً ممّا هو معروف منها حتّى الآن، لا تضع رئيس الجمهوريّة إميل لحود وحده في دائرة المسؤوليّة السياسيّة، إنّما تضعُ الأركان السياسيين للنظام الأمنيّ في الدائرة نفسها، وهؤلاء ليسوا سوى حلفاء العماد عون في الانتخابات النيابيّة الأخيرة، ومحاوريه لتشكيل "الجبهة الوطنيّة العريضة" التي لم يكلف عون نفسه عناء نعيها في مقابلات تلفزيونيّة أخيرة له عندما سئل عن هذا الموضوع.
مواصفات فيلتمان للرئيس المقبل
رابعاً ـ وإلى الاعتبارات المحليّة التي تجعل الظروف القائمة معاكسة لترشحه إلى رئاسة الجمهوريّة، يضاف الموقف الذي عبّر عنه السفير الاميركي جيفري فيلتمان في مقابلة مع برنامج "الحدث" على شاشة "ال.بي.سي". فإذ سئل عن مواصفات الرئيس المقبل، أشار فيلتمان إلى ضرورة مراعاته لـ"روح" 14 آذار، وإلى ضرورة أن يكون الرئيس المقبل من اختيار كلّ اللبنانيين ملبيّاً طموحاتهم. وعندما سئل عن العماد عون إسميّاً، قال السفير إنّه يتمتع بموقع مسيحيّ مهمّ. وهذه المعادلة التي صاغها فيلتمان لا تؤشّر إلى دعم أميركي لعون رئيساً للجمهوريّة. فإذا كان ثمة في محيط عون من راهن على تسوية أميركيّة ـ سوريّة حول رئاسة الجمهوريّة في لبنان، فهذا الأمر يبدو اليوم وأكثر من أيّ يوم مضى من "سابع المستحيلات". أمّا إذا كان ثمّة رهانٌ على دعم أميركي، فمن الواضح أنّ واشنطن على لسان سفيرها تنظرُ إلى الرئيس المقبل بوصفه محصّلة توافق وطني لبناني.
خطأ الترشّح
لكلّ الأسباب الآنفة، تعربُ الأوساط المتابعة عن اعتقادها أنّ عون أخطأ في استعجال ترشيحه في وقت يبدو هذا الترشيح "ضد" الكلّ، ولو طُرح تحت عنوان "أنا الحلّ". ولا يكفي أن يقول الجنرال أنّ الكلمة الرئيسية حول من يكون الرئيس المقبل ستكون كلمة مسيحيّة، ذلك أنّ من مسؤوليّة المسيحيين وتيّاراتهم ومرجعيّاتهم أن يسمّوا للرئاسة من يمكن ان يتحقّق حوله توافق لبناني عام، وليست المسألة أنّ الرئيس الماروني القويّ مرفوض إسلامياً كما يقول هو. فالرئيس الماروني القويّ على كلّ حال هو الذي يحظى بدعم بيئته وبدعم الآخرين سواء بسواء.
أخطأ الجنرال في تقدير الأوساط لأنّه أعلن ترشيحه في ظروف تعاكس هذا الترشيح. لكنّه أخطأ أيضاً لأنّه استعجل وبكّر. ذلك انّ ما يجري تداوله في هذه الأيّام ليس إسم الرئيس المقبل، بل ملامح المرحلة التي يدخلها لبنان في ضوء التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ونتائجه قضائياً وسياسياً.
التفاوض الوطنيّ الجاري
وبكلام آخر، تقول الأوساط أنّ ثمّة تفاوضاً وطنياً يدور يهدف إلى بلورة رؤية حول لبنان الجديد بعد التحقيق، وحول استكمال عمليّة تشكيل السلطة فيه، وتندرج مواصفات الرئيس المقبل ضمن نتائج الاتفاق على طبيعة المرحلة وإسمه أيضاً، أي أنّ إسم الرئيس هو الآن تفصيل قياساً إلى المسائل السياسيّة الأساسيّة، ولن يغدو شأناً مهمّاً إلاّ في ضوء البحث الشامل.
أخطأ عون في المسارعة إلى الترشح، وفي تقديره ربّما أنّه بذلك يحجّم سائر الترشيحات أو أنّه يفرض "عياراً" ثقيلاً. لكنّ المسألة من وجهة نظر الأوساط نفسها، تتعلّق بمدى استعداد العماد عون لأن يكون جزءاً فاعلاً في التفاوض الوطنيّ حول المرحلة ومقتضياتها من الجوانب كافّة، ولا يقتصر الأمر على كلام في الإصلاح على أهميّته لأنّ الإصلاح لا يعدو كونه بنداً من بنود المرحلة.
لذلك، فإنّ على عون الخيار بين أن "يلعب" ترشيحه في مواجهة "الجميع" تحت عنوان مواجهة "الطبقة السياسيّة" وبين أن يدخل شريكاً في التفاوض أو الحوار الوطني، من موقع المساهمة في تأسيس المرحلة الجديدة. وذلك كلّه يقتضي منه ليس أن يقول إنّه "الحلّ" إمّا يكون أو لا يكون، وليس أن يقول إنّ الموضوع لا يهمّه إلاّ من هذه الزاوية مع أنّه شديد الاهتمام بالرئاسة، بل يقتضي منه ان ينتقل من موقع الخصومة لـ"الجميع" أو "الفتور" حيالهم إلى موقع التشارك مع الجميع، ممّا يتطلّب منه مبادرات سياسيّة في الاتجاه الصحيح. ولا بدّ أن يدرك أنّ أحداً لا "يشتري" خصومة مجانيّة معه، بل الكلّ يحترم ما يمثّل ومن يمثّل ويريده شريكاً في خيارات سياسيّة "استراتيجيّة" وليس "أنا أو لا أحد".
وتأمل الأوساط السياسيّة المتابعة ألاّ يرى العماد عون في كلّ نقاش له ومعه استفزازاً أو استهدافاً، وتأمل في الوقت نفسه ألاّ يواصل نهج "الهروب إلى الأمام"، تماماً لأن المرحلة تتطلب مساهمة كلّ من يستطيع أن يقدّم للمرحلة التأسيسيّة رؤية لبنانيّة متكاملة تنقلُ لبنان من حالٍ إلى حال.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.