8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

البطريرك يستعيد المبادرة السياسية ويتمسّك بـ"فتح" التعددية المسيحية

بعد أسبوع على لقائهما، يبدو واضحاً من مجريات الأحداث ان ما اتفق عليه رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط والأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله بالنسبة إلى التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري كما بالنسبة إلى النتائج السياسية لهذا التحقيق، انما يسير ـ الاتفاق ـ سيراً حثيثاً. وللتذكير فإن جنبلاط ونصرالله اتفقا على انتظار النتائج النهائية للتحقيق وما ستتضمنه من تحديد للمسؤوليات في هذه الجريمة الإرهابية كي يُبنى على ذلك المقتضى السياسي، واتفقا على ترك الأولوية لـ"القول الماروني" في مسألة مصير ما تبقى من ولاية الرئيس إميل لحود من جهة وفي اقتراح الأسماء المرشحة للرئاسة من جهة ثانية. والشق الثاني من الاتفاق ـ أي مصير لحود وبديله ـ يُستنتج من تصريح جنبلاط بعد اجتماعه ونصرالله.
في "الدائرة المسيحية"، حصلت تطورات رئيسية خلال الأيام الماضية، تسمح بالقول ان قوى الساحة المسيحية وفاعلياتها ومرجعياتها تتفاعل مع تطورات التحقيق الدولي بالاتجاه الصحيح.
النداء السادس: استعادة المبادرة
فالنداء السادس لمجلس المطارنة الموارنة الأربعاء الفائت، لا تكمن أهميته فقط في كونه أعطى إشارة دعم قوي لمجريات التحقيق توصلاً إلى الحقيقة، ولا في كونه اعتبر ان "مقام الرئاسة" بات في موقع حرِج جراء ما يلحق برئيس الجمهورية من شظايا بفعل الاتهامات الموجهة إلى أركان الفريق الأمني الذي حكم بواسطته خلال السنوات الماضية وحسب، بل تكمن أهمية النداء السادس في انه إعلان عن عودة البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير إلى موقع المبادرة السياسية والوطنية.
وفي إطار "القبض" على المبادرة من جديد، في الساحة المسيحية، وفي مجال التأكيد على ضرورة حفظ موقع الرئاسة، لم يكن خافياً ان الكنيسة وعلى رأسها البطريرك صفير، وفي ضوء ما يمكن أن يؤدي إلى مزيد من "شرشحة" لموقع الرئاسة على الصعيد الخارجي ـ الدولي، لا ترى ان سفر لحود إلى نيويورك مرغوب، وثمة من ذكر ان نصيحة بطريركية أسديت إلى لحود بعدم السفر.
عون في بكركي فريقاً لا زعيماً أوحد
أما الأهم في ما بدا انه عودة للكنيسة ورأسها إلى موقع المبادرة، ان النداء السادس "فرض" على قائد "التيار الوطني الحر" العماد ميشال الذهاب إلى بكركي في اليوم التالي للنداء الذي أحرجه لكونه قال كلاماً واضحاً لا يحتمل أي التباس أو تأويل في مسألتي الرئيس والرئاسة.
بيد ان عون توجه إلى بكركي في أعقاب نداءٍ أعاد صوغ رؤية البطريرك إلى التوازنات على الساحة المسيحية بحيث أعاد الاعتبار لكافة تيارات التمثيل المسيحي، ولم يحصر التمثيل المسيحي بالعماد عون وتيّاره. وليس من تفسيرٍ للصياغة البطريركية المتجددة للنظرة إلى التيارات المسيحية في هذه اللحظة بالذات، سوى ان البطريرك وبأفق انتخابات رئاسية مفتوحة لا محالة في أمد منظور، يريد أن تكون هذه التيارات جميعاً متشاركة في تقرير مصير الرئيس، ومتشاركة في اختيار الرئيس المقبل، ويريد أن يقدم للشركاء الآخرين في الوطن "اللوحة" المتعددة للساحة المسيحية، وأن لا يقفل باب الاختيارات، خصوصاً ان النداء يُعلن بلا لبس اعتراضه على الاصطفاف الطائفي ويدعو صراحة إلى الشراكة الوطنية العامة.
المرجعية الثنائية: عكس المناخ
إذاً، ان عون في بكركي في لحظة استعادة بكركي للمبادرة. وبهذا المعنى، فإن ما اقترحه الجنرال على البطريرك بشأن تشكيل مرجعية مارونية ترتكز إلى ثنائية "التيار" و"القوات اللبنانية" برعاية البطريرك، انما هو في وجه رئيسي منه محاولة للالتفاف على استعادة بكركي للمبادرة.
صحيح ان عون انضم إلى مطالعة بكركي حول واقع الرئيس ومقام الرئاسة. وصحيح أيضاً انه شارك من بكركي في رفع الغطاء عن لحود. وصحيح كذلك انه "رمى" مشروع "الجبهة المسيحية" التي كان البعض يطرحها بحيث تضم "التيار" و"القوات" ورموز "مسيحيي سوريا ولحود"، وذلك لـ"مصلحة" المرجعية التي اقترحها... لكن المرجعية المؤسسة على ثنائية ترعاها بكركي تنطوي على خطورة تتمثل في الآتي: ان هذا "المشروع" يهدف لو تحقق إلى جعل مشروع الرئيس المقبل مسألة حصرية في يد هذه المرجعية، أي أن يكون لهذه المرجعية الحق الحصري في تسمية الرئيس المقبل للجمهورية، تحت عنوان ان رئيس الجمهورية ماروني وللموارنة وحدهم أن يقرروا من يكون.. لكن ليس كل الموارنة الذين يتمثلون في تيارات شتّى.
تناقضات الفكرة.. وظروف الحقل الشيعي مختلطة
بطبيعة الحال، ان اقتراح عون ينطوي على تناقضات كثيرة. فهو يقدم اقتراحه في لحظة من الواضح ان "مناخ" بكركي متعاكس تماماً وليس مناخ تشكيل جبهة مسيحية ما، وفي لحظة ما فتئت "القوات" تكرر انها لن تذهب إلى "جبهة مسيحية" من أي نوع وان تحالفاتها لا تزال قائمة.. وفي لحظة "افتراض" من عون بأن قائد "القوات" سمير جعجع يمكن أن يساند وصوله إلى رئاسة الجمهورية، لا سيما ان لمشروع المرجعية المقترحة من قبل قائد "التيار" هدفاً أساسياً هو "تسكير" الخيارات الرئاسية الاخرى في مقابل "فتح" الأفق أمام عون وحده.
ولا يخفى أيضاً ان "الفكرة" التي اقترحها الجنرال "مستعارة" من "حقل" الطائفة الشيعية حيث ثمة ثنائية بين "أمل" و"حزب الله"، وحيث فرضت هذه الثنائية الشيعية الرئيس نبيه بري خياراً وحيداً لرئاسة المجلس النيابي بعد الانتخابات الأخيرة. بيد ان عون لا يُعطي بالاً في هذا المجال لاعتبارات عدة: ان فرض طرفي التمثيل الشيعي رئيساً للمجلس النيابي منهما في ظرف محدد سياسياً لا يعني ان هذا "المنطق" ينبغي أن يتكرّس شيعياً وأن تحذو كل الطوائف الحذو نفسه، ثم ان التمثيل الشيعي في المجلس الحالي انحصر على نحو اجمالي في طرفي الثنائية بحيث تعذّر اختيار شيعي من خارجها لرئاسة المجلس. وإلى ذلك تضاف "حقيقة" ان طرفي الثنائية كانا حليفين لأطراف من المعارضة ـ السابقة ـ في الانتخابات الأخيرة.. وان المسألة ليست مسألة طائفة سمّت رئيساً للمجلس. بقدر ما هي مسألة علاقة بفريق يستطيع أن "يحجز" الوفاق الوطني وكان يجب عدم تسويغ "الحجز" هذا.
على أي حال، ليس النقاش هنا في عون رئيساً للجمهورية أو لا، ولا هو في تسمية الرئيس "الآن". ذلك ان النقاش يرمي إلى إبراز حقيقة ان لحود بات مطوّقاً مسيحياً، باستعادة بكركي المبادرة بعنوان رئيسي هو المحافظة على موقع الرئاسة، وبتأثير المبادرة على الجميع بما في ذلك عون نفسه الذي لا يستقيم اقتراحه مع المعادلة التي تقول ان اختيار الرئيس المقبل "أمر ماروني" لكنه أمر وفاقي أيضاً وأساساً، أي ان يقدّم الموارنة الرئيس الذي يمكن تحقيق أوسع وفاق ممكن حوله في هذه المرحلة بالذات.
تفاعل "حزب الله" في كلام نعيم قاسم
إذاً، بدأت الساحة المسيحية تتفاعل مع التطورات الذاهبة في اتجاه طرح مصير رئاسة لحود، وهي تطورات قضائية وسياسية محلية ودولية. وهذا ما عناه الاتفاق بين نصرالله وجنبلاط.
غير ان التفاعل مع التطورات لا يقتصر على الساحة المسيحية وحدها. وفي هذا المجال توقف المراقبون باهتمام شديد أمام ما أعلنه "حزب الله" قبل يومين على لسان نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم الذي أكد "اهتمام حزب الله الكبير بأن يصل التحقيق إلى النتيجة المرجوّة أي كشف الجناة الحقيقيين ومحاكمتهم ووضع حدّ لهذه المرحلة الخطيرة من تاريخ لبنان لنؤسس معاً لمرحلة جديدة بعد كشف الحقيقة". وأضاف قاسم ان "قضية اغتيال الرئيس الحريري ليست قضية جنائية محصورة انما هي قضية لبنان وكل لبناني"، مشدّداً على ان "كشف الحقيقة يؤسس لمرحلة جديدة مشرقة في تاريخ لبنان".
طبعاً قال الشيخ نعيم قاسم كلاماً كثيراً آخر عن ظروف لبنان والضغوط الأميركية والقرار 1559 وأخطار الوصاية الأجنبية، لكن كلامه استوقف المراقبين في مسألة محدّدة من زوايا عدة:
1 ـ إذا كان مما لا شك فيه ان كلام نائب الأمين العام يقع في امتداد كلام الأمين العام الذي كان اعتبر في خطبته في مجلس العزاء عن أرواح ضحايا جسر الأئمة في بغداد ان ثمة نتائج سياسية كبيرة ستنجم عن التحقيق في اغتيال الرئيس الحريري، فإن الشيخ نعيم قاسم الذي طالب بـ"إنجاز التحقيق الدولي" بدا مستعجلاً بحقّ لأهمية "وضع حدّ للمرحلة الخطيرة"، ولضرورة "تأسيس مرحلة جديدة".
2 ـ ولا يخفى ان قاسم "المنضبط" بدعوة السيّد نصرالله إلى "عدم استعجال التوظيف السياسي"، يطلقُ إشارة "أعلى" بعدَ السيّد إلى توجه "حزب الله" نحو الانضمام إلى الآخرين في صنع "مرحلة مشرقة معاً"، وإشارة إضافية إلى ان الحزب لن يقف في وجه ما يسفر عنه التحقيق بـ"الأدلة القضائية" من نتائج.
3 ـ وإذا كان من حقّ "حزب الله" بعد دعوة أمينه العام إلى عدم الاستعجال السياسي، أن يكون مرتاحاً إلى التجاوب "المتفاوت" مع هذه الدعوة، فمن الواضح ان كلام نائب الأمين العام الذي يعلن ان جريمة اغتيال الرئيس الحريري ليست "جنائية محصورة"، يعلن في الوقت نفسه الاستعداد الصريح للاستنتاج السياسي "اللازم" بنتيجة التحقيق.
الحزب "وعدم حماية" لحود
وبكلام آخر، يعربُ المراقبون عن اعتقادهم ان "حزب الله" الذي رفض الاستعجال في الاتهامات قبل انتهاء التحقيق وهو الذي لم يسجّل اعتراضاً على التوقيفات التي حصلت في إطار التحقيق، لا يدافع الآن عن أي موقع بما في ذلك رئيس الجمهورية ولن يدافع عن أي موقع بما في ذلك رئيس الجمهورية إذا جرى اتهامه رسمياً وإذا كشف التحقيق دوراً له في الجريمة. والتطور هنا هو بالضبط ان لحود المطوّق مسيحياً لا يمكنه المراهنة على موقف من "حزب الله" يحميه في حال الاتهام بالتورط، لان الحزب يؤكد انّه أحد المكونات الرئيسية للوحدة الوطنية.. وإن كان الحزب سيناقش بـ"قوة" طبيعة المرحلة المقبلة ومقتضياتها.
باختصار، ان التفاعل مع التطورات يحصل في البيئتين اللتين كان لحود يعقد مصيره عليهما: البيئة المارونية والبيئة الشيعية، فهل يستنتج بأسرع وقت أم ينتظر "القرار الظني الدولي"؟. هذا مع العلم ان الموقف الدولي السياسي وبعيداً من مجريات التحقيق، يفتح "ملف" لحود الرئاسي من زاوية لا شرعية التمديد الذي جرى قبل عام وبالعلاقة مع توازن القوى المختلف في لبنان.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00