ثمة في الوسط السياسي اللبناني اقتناع بأن "النداءات" التي يصدرها مجلس المطارنة الموارنة في شهر أيلول من كل عام بدءاً من النداء الأول في أيلول من العام 2000، انما يشكّل كل منها إعلاناً عن مرحلة جديدة. وإذا كان من الطبيعي ألا تتساوى النداءات في "الأهمية" بالمعنى "الاستراتيجي" للكلمة، فإن النداءين الأول الذي أطلق دينامية سيادية ـ استقلالية في البلاد والخامس (أيلول 2004) الذي صدر محذراً من تداعيات التمديد للرئيس إميل لحود و"شاحناً" إرادة الاستقلال عند اللبنانيين، انما يمثلان نداءين بـ"نكهة" سياسية مميزة.
وكان الدور أول من أمس للنداء السادس الذي وصفه عديدون بأنه أشبه بـ"برنامج حكم" مطروح على المجتمع السياسي، والذي اعتبره الكثيرون في المقابل بمثابة تموضع جديد للكنيسة في ظل الظروف القائمة والتطورات الحاصلة. وفي هذا الإطار يرى من يجدون في النداء السادس تموضعاً جديداً، أن يسجّلوا انطلاقاً من نصّه النقاط الرئيسية الآتية:
دعم التحقيق الدولي من دون "إذا الشرطيّة"
أولاً ـ من نافل القول ان مجلس المطارنة لا يتحدث في النداء عن التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري باستخدام "إذا الشرطيّة"، بل يتناول نتائجَه بوصفها معطيات أدت إلى إرساء "الشبهة" على بعض "المتهمين"، واعتبر ان ذلك "مخجل ومخزٍ". ولا شك هنا ان مجلس المطارنة يعلن دعم التحقيق الدولي والنتائج التي توصل اليها.
الرئيس.. والرئاسة
ثانياً ـ وإذ يُضيف النداء ان ذلك "ما جعل مقام الرئاسة الأولى عرضة لانتقادات كثيرة تطال ما يجب أن يكون لها من هالة احترام ووقار"، فإنه في واقع الأمر يرى "علاقة سببيّة" بين اتهام الفريق الأمني بالمشاركة في التخطيط للجريمة وبين الحملة على رئيس الجمهورية، ويعتبر ان "وقار الرئاسة" قد اهتزّ، ويفصل عملياً بين الرئيس والرئاسة داعياً بصورة غير مباشرة إلى المحافظة على عوامل قوة الرئاسة التي لا تستقيم ـ أي قوة الرئاسة ـ في ظل مسؤولية الرئيس الحالي عن فريقه المتهم. وإذا كان النداء لا ينتهي إلى المطالبة بتنحّي الرئيس، ومن المفهوم ألا يفعل في المباشر على الأقل، فإن صياغة النداء تعني دعوة لحود إلى استخلاص النتائج، وتعني ان الكنيسة ليست على استعداد، حرصاً على مقام الرئاسة، لتغطية لحود. وبكلام آخر، فإن الكنيسة المارونية "تسمح" بموقفها هذا ببحث مصير رئاسة لحود في اللحظة التي تكتمل فيها عوامل السير بإنهاء ولايته. هذا مع العلم ان النداء ولدى استعادته المرحلة السابقة من أيلول 2004 إلى أيلول 2005، انما أعاد التذكير ـ بمفعول رجعي ـ بالظروف التي أحاطت بالتمديد للحود، والتي هي ظروف انعدام السيادة واستقلال القرار اللبناني.
المسافة المتساوية بين التيارات المسيحية
ثالثاً ـ وفي موازاة الدعم المطلق للتحقيق الدولي ونتائجه من جهة و"السماح" بإطلاق عملية المحافظة على مقام الرئاسة من جهة ثانية، يبدو ان أكثر ما يلفتُ في النداء السادس، هو ان الكنيسة وعلى رأسها البطريرك نصرالله بطرس صفير، تعيد الاعتبار لـ"توازن" تعاطيها مع الساحة السياسية المارونية.
ففي الحديث عن العماد ميشال عون يقول النداء ان "عون عاد من المنفى بعد خمسة عشر عاماً ليرأس تياره المعروف وخاض الانتخابات النيابية وأصبح لتياره وجود في الحياة السياسية عبر من فاز من مرشحيه لمقاعد نيابية". وإذ يتحدث عن "القوات" يذكر النداء ان "الدكتور سمير جعجع عاد ليستأنف تدبير شؤون محازبيه، وقد أصبح له أيضاً وجود في الحياة السياسية عبر وزير ونواب ينتمون إليه". وفي مجال تقويم نتائج الانتخابات الأخيرة وما أحاط بها قانوناً وظروفاً سياسية، يلفت النداء إلى ان كل الثغرات كان لها تأثيرها على نتيجة الانتخابات "التي سقط بموجبها عدد من فرسان المجلس".
ان قراءة "هادئة" لمضمون النداء السادس في هذا الموضوع، تقود إلى عدة استنتاجات. فالبطريرك ـ أي مجلس المطارنة مجتمعاً برئاسته ـ يعلن الوقوف على مسافة متساوية من جميع تيارات التمثيل المسيحي. وكي يبدو الأمر واضحاً تماماً في هذا الاتجاه، كان لا بد ـ على ما يبدو ـ من خفض "رتبة" العماد عون من "زعيم للمسيحيين" إلى قائد لتيار ذي حضور. كذلك كان لا بدّ من "إعادة الاعتبار" لمن سمّاهم النداء "فرسان المجلس" حيث لا يُخفي إشارته إلى نواب سابقين لم يحالفهم الحظ في الانتخابات بسبب "ثغرات" تحدث عنها النداء، وهؤلاء "الفرسان" هم من أركان "لقاء قرنة شهوان".
وغنيّ عن القول ان هذا التقويم المتضمن في النداء السادس، هو الأول من نوعه للكنيسة وعلى رأسها البطريرك منذ أيار الماضي، قبل الانتخابات وبعدها، حيث كانت للبطريرك في تلك الفترة مواقف مختلفة حكمتها الظروف التي كانت قائمة.
رفض الاصطفاف الطائفي =
الشراكة الوطنية
رابعاً ـ على ان ما يكمّل إعلان الوقوف على مسافة متساوية من جميع تيارات التمثيل السياسي المسيحي، هو الفقرة من النداء السادس التي تعلن ان "الاصطفاف الطائفي على ما يبدو لنا اليوم، ليس بدليل صحة وعافية".
ففي هذه الفترة "عودة" من قبل البطريرك والكنيسة إلى خطاب السنوات الماضية، والذي لم ينقطع إلا فترة في مناخ الانتخابات الأخيرة وفي ظروف هذه الانتخابات، وهو خطاب العيش المشترك والدعوة إلى الذهاب نحو التكتلات السياسية المختلطة. فالبطريرك الذي يؤكد أمام من يلتقيهم ان إنجاز الاستقلال هو إنجاز مشترك مسيحي ـ إسلامي ولم يكن ليحصل لولا التلاقي الإسلامي ـ المسيحي، يشدّد على التشكّل المختلط للواقع السياسي اللبناني.
وإذا كان غير مقبول "الجور" على نصّ النداء السادس لهذه الجهة، فإن ما يطرحه في هذا المجال يمكن أن ينسحب على الاستحقاقات المقبلة لا سيما استحقاق الرئاسة الآتي حثيثاً، أي أن يكون اختيار الرئيس المقبل فعلَ شراكة حقيقية بين أطراف الاستقلال اللبناني، حيث الشراكة تقتضي تفاهماً على صيغة الاختيار و"مضمونه".
سلاح المقاومة: معادلات غير حادة وحوار
خامساً ـ وفي تناوله لمسألة المقاومة تحت عنوان "القرار 1559"، ينبغي ملاحظة ان النداء صاغ الموقف في إطار معادلات "غير حادة". "فإذ سجل ان اللبنانيين مدينون للمقاومة بتحرير الجنوب"، تحدث عن "التناقض بين الاشتراك في السلطة الرسمية وبين حمل السلاح خارج القوى المسلّحة الرسمية"، لكنه تحدث أيضاً عن "عدم خروج لبنان على الشرعية الدولية من ناحية وعدم إهمال ما له حق فيه من الدفاع عن أراضيه بما يتيسّر من وسائل من ناحية ثانية".
ولا بد من القول هنا انه بصرف النظر عمّا يمكن أن ينتج عن هذه المعادلات المصاغة بأسلوب "غير حاد"، فإن انطلاق النداء منها نحو الدعوة إلى "حوار داخلي صادق وصريح"، يعني ان البطريرك والكنيسة لا يطرحان ما يسمّى "نزع سلاح المقاومة" أولاً، ويعني ثانياً انهما مع "لبننة" القرار 1559 أو "لبننة" تنفيذه، مع كل ما تقتضيه هذه "اللبننة" من حوار عاقل ومتّزن وموضوعي، والأهم انهما لا يطرحان الأمر في إطار "تواجهٍ" لبناني ـ لبناني.
انعطافة وتموضع جديدان في المشهد السياسي
انّ في النداء السادس ما يؤشر إذاً إلى انعطافة سياسية تعيد الوصل مع النداءات الخمسة السابقة، وما يؤشر إلى انّ المشهد السياسي يعود، للمرة الأولى بعد الانتخابات إلى "صورة" سليمة، حيث لا اصطفافات حادة. والأهم هو انّ أحداً لا يمكنه افتعال تناقضات بين أطراف الشراكة الوطنية والعيش على تلك التناقضات، ذلك انه لا يخفى انّ لحود كان أول المستفيدين منها في معرض سعيه إلى تأمين حماية له، قبل أن توضح تطورات التحقيق ما أوضحته من معطيات.
ان النداء السادس ووفقاً للمقدّمات الآنفة سيزعج لحود بالتأكيد وسيُزعج حلفاء سوريا الذين انتعشوا لفترة فحاولوا الانقلاب على 14 آذار في "ثورتهم المضادة" التي لم يكتب لها أن تعيش سوى بضعة أسابيع. لكنه في المقابل، لا بدّ أن يريح قوى الشراكة الوطنية، بالضبط لأنّه يعلن انّ الأساس الموضوعي للتفاهم الوطني موجود وانّ الاستحقاقات الآتية غير مرشحة لأن تكون مصحوبةً بـ"انقسام" من أي نوع.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.