8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

جنبلاط يطلقُ النقاش في مواصفات الرئيس المقبل ونصرالله يأخذ وقته "الضروري"

بعد يومين من المواقف التي أعلنها إثر لقائه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، كان الوسط السياسي لا يزال منشغلاً في قراءة ما ذهب رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط إليه، وافترض البعض ان ثمة تراجعاً جنبلاطياً في ما أدلى به عن مواقف سابقة له سواء في ما يتعلق بالتحقيقات في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري و"الحقيقة" التي يُفترض بالتحقيقات أن تكشفها أو ما يتعلق بمصير رئيس الجمهورية إميل لحود في ما تبقى من ولايته الممدّدة.
غير ان أوساطاً مواكبة لتفكير الزعيم الاشتراكي، في معرض إثبات أن ليس ثمة تراجع من قبله، تورد الملاحظات والاعتبارات الآتية:
الحقيقة.. و"سوريا أياً يكن حاكمها"
أولاً ـ منذ فترة غير وجيزة، ومع اقتراب موعد إصدار رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس تقريره الإجرائي الذي أحيط مجلس الأمن الدولي قبل أسبوعين علماً بمضمونه، سارع جنبلاط إلى التحذير من عودة الانعزال ومن الانقلاب على عروبة لبنان بنتيجة التحقيق.
وتوضح الأوساط المواكبة لجنبلاط هنا انه لم يكن في أي لحظة يقيم تناقضاً بين "الحقيقة" و"الثوابت" التي يراها وانه لم يكن في أي لحظة يطعن مسبقاً بالتحقيق ونتائجه أو يفترض ان مسار التحقيق جزء من مؤامرة أميركية ـ غربية.
وتقول ان موقف جنبلاط لا بدّ أن يُقرأ على أساس كونه "مركّباً"، بمعنى ان لديه حدساً بأن الاتهام بالجريمة الإرهابية التي أودت بالرئيس الحريري ورفاقه لن يقف عند حدود مسؤولين أمنيين في لبنان بل سيتجاوز هؤلاء باتجاه مسؤولين في سوريا.
وتضيف ان ذلك ليس بغريب على جنبلاط الذي كان في مقدّم السياسيين الذين وصفوا نظام الوصاية السابق بأنه نظام أمني لبناني ـ سوري مشترك بهرمية واحدة، وفي مقدّم السياسيين الذين سلّطوا الضوء على الجانب المافيوي من هذا "النظام" عندما كان يتحدث عن انحدار العلاقات اللبنانية ـ السورية إلى ما دون السياسي.
جنبلاط إذاً لم يتراجع عن اتهامه لـ"النظام المشترك" بارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الحريري، وأكثر من ذلك هو يقدّر ان سوريا تتحمل المسؤولية وهو عندما يدعو إلى الحذر من الانعزال بنتيجة التحقيق ويؤكد على "الثوابت" الوطنية والعربية، يُلفت في كلامه انه يتحدث عن علاقة مميزة مع سوريا "أياً يكن الحاكم فيها". وهذه الجملة المُضافة "مفتاحية"، ولا يحاكي بواسطتها أحد دروس العلاقة اللبنانية بسوريا تاريخياً، وهي علاقة شائكة وإشكالية "أياً يكن الحاكم في دمشق" وحسب، انما يشيرُ إلى احتمال حصول تغيير في سوريا في المستقبل أيضاً. أما خوفه من الانعزال، فهو "تاريخي"، أيضاً، وتحذيره منه إنمّا ينطلق من احتمال أن تؤدي التطورات إلى تنامي مشاريع "أنتي عربية" في لبنان بما يعيدُ الوضع فيه إلى "المربع الأول"، أي الصراع على هوية البلد، المفتوح على صراع حول وحدته ودوره.
اتهام لحود قائم
ثانياً ـ وإذا كان ما تقدّم يعني بالنسبة إلى الأوساط المواكبة لجنبلاط انه يحدّد الاحتمال الأرجح ـ أي مسؤولية سوريا ـ ليستنتج منه التمسك بـ"العروبة" من أجل أن يحمي البلد، فإنه في حديثه عن التداعيات السياسية لاتهام الأمنيين الأربعة في لبنان، لا يتراجع أيضاً عن اتهام رئيس الجمهورية.
لا يتراجع جنبلاط ويستحيل أن يتراجع في قراءته لمسؤولية لحود، وهو الذي بادر فور إعلان توقيف قادة الأجهزة الأمنية الذين شكّلوا فريق لحود خلال السنوات الماضية، إلى القول ان لحود لم يعد يمكن أن يبقى في بعبدا. وقوله بعد لقائه نصرالله ان لحود "غير متّهم حتى الآن" إنما كان في سياق ضبط الموقف على ايقاع ما توصل اليه ميليس. وهنا تقول الأوساط انه إذا كان صحيحاً أن ليس من عادة جنبلاط التخلف زمنياً في الاستنتاجات السياسية، الأمر الذي قد يكون أثار التباساً، فإن الأصح هو ان جنبلاط "أبطأ" الدعوة إلى استقالة لحود أو إقالته. لماذا؟
إبطاء على طلب نصرالله
1 ـ من الطبيعي التذكير هنا بأن رئيس "التقدمي" كان يتحدث بعد لقائه ونصرالله الذي كان قبل يومين من هذا اللقاء دعا إلى انتظار اكتمال التحقيق وإلى عدم استعجال التوظيف السياسي كما قال يوم الجمعة الفائت خلال مجلس العزاء بضحايا جسر الأئمة في بغداد. ولذلك، فإن إبطاء جنبلاط الدعوة إلى تنحية رئيس الجمهورية، هو استجابة منه لمحاوره، وتقدير منه لأهمية إعطاء "حزب الله" فرصة زمنية مناسبة لتكوّن اقتناع متكامل حول مرحلة ما بعد صدور الاتهامات "الكاملة".
الاستنتاج الماروني
أولاً
2 ـ ومن الطبيعي أيضاً التذكير بأن جنبلاط واجه عاصفة مسيحية في فترة سابقة بعد 14 آذار عندما طرح إقالة لحود قبل الانتخابات النيابية الأخيرة، وبأنه "متّهم" من المسيحيين أو بعضهم بمحاولة "السطوة" على موقع الرئاسة وانه لذلك يريد الإتيان برئيس ماروني "سُكّر خفيف"، لا بل ذهب البعض إلى اتهامه ورئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري بالسعي إلى فرض رئيس جديد على الموارنة. ومن هنا فإن إبطاء الدعوة إلى تنحية لحود، يهدف إلى ترك قوى التمثيل الماروني على اختلافها تصلُ إلى استنتاج ان بقاء لحود في رئاسة الجمهورية لم يعد ممكناً، أي لتكوّن استنتاج ماروني أولاً.
"حزب الله" والموارنة ولحود
3 ـ ولا يخفى على المتابعين ان من حمى بقاء لحود في رئاسة الجمهورية في الفترة السابقة طرفان رئيسيان: "حزب الله" (الشيعي) من ناحية والوضع الماروني بين الكنيسة والعماد ميشال عون من ناحية ثانية. ولذلك كان طبيعياً أن يدرك جنبلاط أهمية العاملين الماروني والشيعي وأن يُفسح في المجال لتشكّل قناعة مشتركة عند الجميع، طالما ان التطورات المرتقبة ومن دون تدخل منه ستفرض نفسها على الجميع.
وفي التطورات المرتقبة، ثمة ما سوف يُذهل الجميع. ذلك ان التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري وقد انتقل إلى الجانب المصرفي ـ المالي للجريمة، والذي بدأ برفع السرية المصرفية عن حسابات الضباط الموقوفين، لا بدّ أن يؤدي إلى اكتشاف الشبكة المافياوية ـ المالية التي أرساها النظام الأمني اللبناني ـ السوري المشترك والتي لم يكن "بنك المدينة" سوى عنوان "صغير" من عناوينها، وكل ذلك بما يشكّل إدانة لمرحلة الوصاية الأمنية ـ المافياوية.
ثالثاً ـ أعطى جنبلاط إذاً في تصريحه في مقر الأمانة العامة لحزب الله والذي قرأه بعضهم على غير ما هو عليه، إشارات واضحة سواء بالنسبة إلى سوريا أو بالنسبة إلى ترييح "حزب الله" عبر الاستجابة لمطلب الإبطاء، أو بالنسبة إلى المسيحيين الذين خاطبهم بأن المبادرة في يدهم والموقف ينطلق منهم أولاً.
دفتر الشروط أو المواصفات
رابعاً ـ على ان ما يجب أن يلفت القارئين في مواقف جنبلاط من وجهة نظر الأوساط المواكبة له، هو ان الزعيم اللبناني فتح بموازاة إبطاء الدعوة إلى تنحية لحود البحث في الرئيس البديل، ما يعني انه لم يتراجع في هذا العنوان، وانه يتوقع أن يصبح هذا العنوان داهماً في وقت قريب.
وهنا تتضح العلاقة بين المقدّمات والنتائج في كلام جنبلاط. فعندما حذّر من عودة الانعزال بنتيجة التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، كان جنبلاط يمهّد لطرح "دفتر شروط" الرئيس المقبل أو مواصفاته. فهو بلا جدال مع تغيير لحود، لكنه مع مواصفات حدّدها للرئيس المقبل تتعلق بإرث الرئيس الشهيد والطائف ورفض الـ1559 وحماية المقاومة والعلاقة مع سوريا "أياً يكن الحاكم فيها". وفي هذا الإطار يريد جنبلاط أن يقول بوضوح ان الرئيس المقبل الذي يقبل به ليس الرئيس المؤيّد للقرار 1559، وهو عملياً بذلك يستبعد من دون أن يذكر أحداً بالاسم عدداً من المرشحين الموارنة المحتملين، والعماد ميشال عون بالدرجة الأولى.
المعادلة: حق التسمية للموارنة
وحق الموافقة للآخرين
خامساً ـ ولأن الموضوع بالغ الأهمية، تلفت الأوساط المواكبة لجنبلاط إلى انه وفي ما يتعلق بالرئيس المقبل، إنما أراد عندما دعا من سمّاهم ""أصحاب الشأن" في إشارة إلى المسيحيين إلى "أن يعطونا أسماء من يقترحون لرئاسة الجمهورية بعد اتهام لحود"، أراد أن يؤكد المعادلة الآتية: تسمية الرئيس المقبل أي اقتراح الأسماء حقّ للمسيحيين والموافقة حقّ للآخرين في المقابل، أي عملياً أن لا يفرض أحد على أحد الرئيس المقبل. وفي ذهن جنبلاط ان إعلان المواصفات من شأنه أن يساعد المسيحيين لا سيما وبالدرجة الأولى البطريرك بطرس صفير على اختيار أسماء من بين الذين يمكن للآخرين أن يقبلوا بهم، وبذلك يكون الجميع قد التقوا في "منتصف الطريق".
"حزب الله"
هذا من جانب جنبلاط. ماذا عن الجانب الآخر من "الصورة" أي "حزب الله" بالتحديد؟
عندما سُئل مسؤول في "حزب الله" بعد لقاء نصرالله ـ جنبلاط عن فحوى ما دار في هذا اللقاء، أجاب ان تصريح رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" يعكسُ ما جرى تداوله "حرفياً"، وأكد الطرف "الاشتراكي" الأمر نفسه. وهذا يعني بالنسبة إلى أوساط معنية غير الأوساط السابقة المواكبة لجنبلاط، ان "استشفاف" موقف "حزب الله" يستدعي قراءة في "نصّ" جنبلاط بعد اللقاء. وفي هذا السياق تلفتُ إلى بضع نقاط تعتبرها الأوساط بمثابة "مؤشرات" مهمة.
..والتقدّم "الواقعي"
أ ـ لا شكّ ان نصّ جنبلاط بما هو مواقف سياسية محدّدة يعكسُ اتفاقاً سياسياً "عميقاً" بينه وبين السيد نصرالله.
ب ـ ان كلام جنبلاط عن أهمية العلاقة بسوريا "أياً يكن الحاكم فيها" إذا نُسب إلى نصرالله أيضاً، أي إذا اعتُبر الأمين العام لحزب الله موافقاً عليه، فإن المسألة من وجهة نظر الأوساط المعنية ليست في هذه الحالة مجرد موقف "مبدئي" حيال سوريا في "الجيوسياسة" بالنسبة إلى لبنان، بل تعني عندئذٍ أن الحزب يقرأ كل الاحتمالات بما في ذلك احتمالات تطور ما في سوريا نفسها، وتعني ـ عندئذٍ أيضاً ـ ان الحزب الذي لا يُسقط من حسابه أي احتمال، إنما رغب على لسان أمينه العام عندما دعا إلى عدم الاستعجال في التوظيف السياسي، ليس فقط في تسليط الضوء على احتمالات استراتيجية ممكنة حول لبنان، إنما مطالبة اللبنانيين بالتروّي لأن الموضوع لا يعني لبنان وحده، ودعوتهم ضمناً إلى استيعاب تطورات كبيرة في حجمها.. وإقناع اللبنانيين أيضاً بأن "حزب الله" يريد من ناحيته أن يضع كل الاحتمالات في الحسبان ليُبنى على كل احتمال الاستنتاج المناسب بعد أخذ الوقت الضروري.
ج ـ ان كلام جنبلاط في موضوع الرئيس الحالي ومواصفات الرئيس المقبل ومعادلة إنتاجه، يعني ان هذا الأمر جرى التداول فيه خلال اللقاء في حارة حريك، ويعني ان نصرالله ليس ضد تنحية لحود بعد اتهامه، وانه دخل مع رئيس "التقدمي" في ما بعد لحود.
د ـ وإذا كان لا يخفى وجود مقاربات لبنانية مختلفة للقرار 1559، علماً ان ثمة شبه إجماع على "لبننة" مضمونه، فإن ثمة إجماعاً في المقابل حول القرار 1595 المتعلق بالحقيقة حول جريمة اغتيال الرئيس الحريري والنتائج السياسية "اللبنانية" للحقيقة.
خلاصةُ القول إذاً أن لا تراجعَ من قبل جنبلاط بل "تطويع" للأداء السياسي بما يؤدي إلى إعطاء الحوار اللبناني فرصة ليأخذ مداه حماية للتحقيق ونتائجه، وإن "حزب الله" يتقدّم باتجاه الاقتراب من التعاطي بـ"واقعية" مع التطورات تحت العنوانَين اللذين حدّدهما أي الوحدة الإسلامية والوحدة الوطنية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00