إذاً، انتهى الأسبوع المنصرم وقد انتقل أركان النظام الأمني من مشتبه بهم بالضلوع في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الى متهمين رسمياً ـ قضائياً ـ بالتخطيط لهذه الجريمة الإرهابية.
"النظام الداخلي" للفريق الأمني
رئيس الجمهورية الممدد له من قبل النظام الأمني السوري ـ اللبناني إميل لحود بات بوصفه رئيساً للنظام الأمني في لبنان، في حكم المتهم هو أيضاً ـ ولو اقتضى اتهامه "نهائياً" انتظار أسابيع قليلة حتى صدور التقرير النهائي لديتليف ميليس ـ وذلك بوصفه مسؤولاً عن هذا النظام بتراتبيته المعروفة وبصفته غطى أركانه حتى اللحظة الأخيرة، علماً ان ميليس سيستكمل تحقيقاته واستجواباته في دمشق فيعرف اللبنانيون عندئذ مَنْ في سوريا في موضع الاتهام، ومَنْ مِن "السياسيين" اللبنانيين على علاقة بالجريمة. ذلك أنه كان للنظام الأمني سياسيّوه أيضاً وقد لعبوا خلال السنوات الماضية أدواراً قذرة.
رئيس الجمهورية في حكم المتّهم إذاً على أساس "النظام الداخلي" للفريق الأمني الذي حكم البلد، طالما أن هذا "النظام الداخلي" حل مكان الدستور الذي أمعن لحود في نقضه وتجاوزه وتمزيقه. واذا كان البعض يرى انتظار التقرير النهائي لميليس المتضمن "قراره الظني"، فلا بد من ان يؤخذ في الاعتبار أن ميليس يعتمد على ما يبدو "خطة" إصدار التقرير النهائي بالتدرّج.
وبما أنه في حكم المتهم، فإن مسألة انتهاء رئاسته أو إنهائها، باتت مسألة مطروحة، أي أن الوقائع المتكونة خلال الأسبوع الماضي أدّت الى تسريع الأمر موضوعياً وان كان التسريع لا يجعل احداً يظن ان حسم مصير رئاسة لحود مسألة أيام معدودة. وفي هذا المجال، تلفت أوساط سياسية متابعة الى مجموعة معطيات رئيسية:
جنبلاط أعطى المعنى السياسي
أولاً ـ صحيح أن رئيس "اللقاء الديموقراطي" كان أول من ذهب الى الاستنتاج السياسي، أي أول من بنى على الوقائع التي أودت بالقادة الأمنيين الى قفص الاتهام، إستنتاج أن لحود يجب أن يغادر بعبدا، وذلك في امتداد اعتباره أن سقوط المعادلات التي تحكّمت بالتمديد يحتّم سقوط التمديد نفسه.. مع انه عاد بعد لقائه السيد حسن نصرالله امس الى ربط الامر بحصول الاتهام رسمياً من جانب ميليس.
وسيكون من الخطأ على أي حال قراءة تصريح جنبلاط مساء أمس من مقرّ الأمانة العامة لحزب الله والذي لفت فيه إلى ان لحود "ليس متهماً حتى الآن" على أنه ينطوي على "تراجع" عن اتهام رئيس الجمهورية. وتعرب الأوساط عن اعتقادها هنا ان جنبلاط سعى في هذا التصريح إلى "حماية" موقفه مسيحياً، فهو من جهة يردّ على اتهامه الدائم مسيحياً بأنه والفرقاء المسلمين يريدون اختيار الرئيس بمعزل عن المسيحيين ومن جهة أخرى يدعو المسيحيين إلى تقديم اسم الرئيس على أن يكون له حق الموافقة.
هل تسّرع وليد جنبلاط في اعتبار مصير لحود مطروحاً للبحث؟
عن هذا السؤال، تجيب الأوساط المتابعة أن ليس ثمة تسرُّع في موقف جنبلاط. وتوضح بالقول أن الأهمية الرئيسية لموقفه هي أنه بـ"تظهيره" مصير لحود فرض عليه أن ينتقل من "الهجوم" الذي اعتمده دفاعاً عن أركانه و"براءتهم" ومحاولة للتأثير في التحقيق إلى الدفاع.. وتحسّس عنقِه. كذلك، فإن موقف جنبلاط أعطى للمجتمع السياسي إشارة واضحة الى المعنى السياسي لاتهام أركان لحود، بما هو إيذان بالعد العكسي للولاية الممددة ولو استغرق العد العكسي بضعة أسابيع.
ما العمل بالنسبة الى مجلس الوزراء؟
ثانياً ـ بيد أن كون لحود في حكم المتهم يطرح على جميع الفرقاء في الحكومة، وبالدرجة الأولى رئيس الحكومة فؤاد السنيورة و"تيار المستقبل" سؤالاً مركزياً حول كيفية التصرف بشأن جلسات مجلس الوزراء التي كان ثمة "توافق" على انعقادها دورياً بين بعبدا والسرايا.
وإذا كانت جلسة مجلس الوزراء اليوم لا تطرح مشكلة كونها مقررة في السرايا في الأصل، فإن ما بعد اليوم واعتباراً من الجلسة المقبلة ستُطرح هذه المشكلة التي يُفترض أن تكون موضع تشاور بين الشركاء في الحكومة.
الخيارات المتدرجة.. واختبار جلسة اليوم
ثالثاً ـ وبما أن مسألة الحضور إلى بعبدا بعد الآن ستكون مطروحة، فإن السؤال الذي تطرحه الأوساط هو: ما العمل خاصة إذا لم "يبادر" لحود إلى الاستقالة وإذا لم يقرر من تلقاء نفسه التوقف عن حضور جلسات مجلس الوزراء وهذا الأرجح؟
وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال، ترى الأوساط أن الخيارات هنا ليست كثيرة وسيحين أوانها قريباً: فإما أن يدعو رئيس الحكومة مجلس الوزراء الى الانعقاد في السرايا باستمرار وهذا خيار لا يلغي "المفاجآت" على أنواعها، وإما أن تبدأ الحكومة عندئذ بممارسة تصريف الأعمال عملياً، وإما أن تستقيل "في وجهه" كجزء من الضغط عليه طالما أن الغالبية النيابية تستطيع التحكم بواقع عدم القدرة على قيام حكومة لا توافق بين الغالبية وشركائها في الحكومة.
على أن ما تنصح به الأوساط، هو أن يجري في جلسة مجلس الوزراء اليوم "اختبار" إمكان التوصل الى استنتاج سياسي مشترك انطلاقاً من الوقائع التي تكونت الأسبوع الماضي، بحيث تتضح صورة الخيار الحقيقي للمرحلة المباشرة المقبلة.
رابعاً ـ وإذا كان سؤال ما العمل يقتحم تفكير كل المعنيين، وإذا كان يبدو ان الجواب عن هذا السؤال يحتمل "التدرّج" في الخيارات، فإن البلد الذي لا يحتمل بقاء رئيس للجمهورية في حكم المتهم طويلاً في موقعه، لا يحتمل في المقابل أزمة حكم مفتوحة يصنعها هذا الرئيس. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تقتضي بأسرع ما يمكن قيام حركة سياسية ضاغطة تمهيداً للوصول الى استقالة لحود أو إقالته. وعلى كل الفرقاء عدم استبعاد اللجوء في مرحلة معينة الى الاجراءات الدستورية للإقالة بما في ذلك الذهاب نحو اتهامه تأسيساً على ما تكون التحقيقات قد بلغته.
"الجبهة المسيحية" الفارطة
خامساً ـ وإذ تعتبر ان المرحلة المباشرة المقبلة حساسة جداً ولا تحتمل أخطاء في الأداء والتنسيق بين فرقاء الغالبية النيابية والحكومية، تشير الأوساط المتابعة نفسها الى أمر ترى أنه في غاية الأهمية. وتقول هنا أن التطور الحاصل في التحقيقات والذي أفضى الى اتهام أركان لحود بالضلوع في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، وكذلك التطوّر المرتقب في الأيام الآتية، من شأنه ـ التطوّر ـ أن يؤكد التوجه المسيحي الى عدم تغطية رئيس خاصة اذا تكرّس اتهامه.
وفي وقت تلفت الى المواقف المسيحية المؤكدة لهذا التوجه في المبدأ بدءاً من رأس الكنيسة البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير، تكشف الأوساط ان ثمة مشروعاً لتشكيل "جبهة مسيحية" بعنوانَين: حماية لحود وتقديم رئيس الجمهورية المقبل، انفرط مؤخراً. وكان الساعون وراء هذا المشروع، يطمحون إلى "جبهة" تضم البطريرك و"التيار الوطني الحر" وقائده العماد ميشال عون و"القوات اللبنانية" وقائدها سمير جعجع وبعض رموز المرحلة السابقة وفي مقدمهم الوزير والنائب السابق سليمان فرنجية وبعض جماعة لحود.
إنفرط مشروع "الجبهة المسيحية" قبل التطورات الأخيرة المتعلقة بالتحقيقات، إذ لم تبد الكنيسة حماساً ولم تقبل "القوات" به. وإذ تعتبر أن ذلك يعني أن الوضع المسيحي لم يذهب الى ما يشبه الوضع الشيعي حيث توحّد طرفا التمثيل السياسي الشيعي، تؤكد أن المعادلة التي يجب أن تحكم البحث في رئيس الجمهورية ما بعد لحود هي الآتية: لا يعيّن الموارنة رئيس الجمهورية لكن المسلمين لا يفرضونه، ويكون الاختيار بالتفاهم. وتشير الأوساط الآنفة الى أن "أوساط" لحود تُشيع في هذه الأيام أن ثمة اتفاقاً ناجزاً على رئيس الجمهورية المقبل بين "تيار المستقبل" و"اللقاء الديموقراطي" والثنائية الشيعية سيجري فرضه على المسيحيين، وذلك بهدف إستثارة البيئة المسيحية ضد الآخرين وتصعيب مسار استبدال لحود. لكنها تؤكد أن هذه شائعات ولا أساس لها من الصحة.. وهذا على أي حال ما ردّ عليه جنبلاط أمس بطلبه إلى المسيحيين "أن يعطونا اسم الرئيس الجديد فنقبله أو نرفضه".
نصر الله وخطاب "الوحدتين"
سادساً ـ ولما كان الوضع السياسي دخل في صميم مرحلة "تصحيح" ما انتهت اليه الحقبة الماضية، لا سيما التمديد المشؤوم للرئيس لحود، ولما كانت المرحلة تقتضي عملاً جماعياً لاستكمال تشكيل السلطة، فان الأوساط المتابعة تشدد على الأهمية القصوى للعلاقة بين الغالبية من جهة وكل من "حزب الله" و"أمل" من جهة أخرى.
وتؤكد في هذا المجال انها تقرأ خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله ايجاباً في شتى مضامينه. وهي إذ تؤيد ما دعا اليه لجهة عدم الأخذ بالشائعات، وموقفه المتمسك بالوحدة الإسلامية والوحدة الوطنية، تعتبر أن دعوته الى ما سمّاه عدم استعجال التوظيف السياسي لا تعني رفض الاستنتاجات السياسية من التحقيقات بالمطلق، إنما توجّه الأنظار الى ضرورة التفاهم الوطني على المرحلة وعناوينها، أي أن يكون ثمة حوار وتوافق بين كل القوى الرئيسية. وترى ان عبارة عدم استعجال التوظيف السياسي تعني والحالة هذه "عدم الانفراد السياسي"، إضافة الى كونها "تذكّر" المجتمع السياسي بالتداعيات على الأصعدة كافة مقروءةً في إطاريها المحلي والاقليمي من زاوية نظر "حزب الله". وتعرب عن اعتقادها ان "حزب الله" أكثر من غيره يعلم ما هي الاحتمالات ويتطلع الى التعامل معها بـ"رويّة".
ممنوع في نيويورك
سابعاً ـ وأخيراً، تلفت الأوساط المتابعة الى أمر ينبغي من وجهة نظرها أن يحفّز على الدخول منذ الآن في نقاش مرحلة ما بعد لحود. فرئيس الجمهورية الذي بات في حكم المتهم والذي يُبحث مصيره في لبنان، قد لا يتأخر عن أن يصبح في نظر العالم متهماً بتغطية جريمة وصفها العالم بأنها إرهابية، وهذا ما من شأنه أن يلغي التعاطي الدولي معه حتى في حدود "التعامل الواقعي" بحيث يغدو "ممنوعاً" من زيارة نيويورك.
ان العناوين السابقة كلها، تقفز دفعة واحدة الى واجهة البحث السياسي. والمهم أن تبقى الغالبية السياسية في موقع المبادرة، وأساس المبادرة تنسيق الرؤية والأهداف.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.