لم يعد ثمّة مجال لتضييع الوقت. فالفريق الأمنيّ الذي حكمَ الرئيس إميل لحّود بواسطته ومن خلاله في السنوات الماضية انتقل من صفته مشتبهاً به في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى اعتباره متّهماً في التخطيط لهذه الجريمة، بنتيجة التحقيقات التي أجراها رئيس فريق التحقيق الدوليّ القاضي ديتليف ميليس.
لحود والخوف.. وتهاوي دفاعاته
ومع انتقال فريقه إلى وضعيّة المتهم، يعيش لحود حالاً من القلق والخوف كما يروي عديدون التقوه في الأيّام الأخيرة. ومردّ خوفه إلى أمرين: خوف من أن يعترف أركان الفريق الأمني "عليه" وضده أولاً وخوف من أن يستنتج ميليس في تقريره النهائي انّ التحقيقات الأخيرة ـ أي الجارية حالياً ـ تجعل من رئيس الجمهوريّة مشتبهاً به ومتهماً... ثانياً.
يدرك لحود انه مطوّق بإحدى حقيقتين: إما أن الجريمة الإرهابيّة التي زلزلت لبنان هي من صنع الفريق الأمنيّ الموقوف، بمعرفته أو بتغطية منه طالما أنّه كان رأس النظام الأمنيّ ورئيسه، وإما ان هذه الجريمة هي من صنع الفريق المشترك اللبناني ـ السوري بقرار من خارج الحدود مرّ من خلف لحود في البداية ثم أبلغ به لاحقاً. وفي الحالتين، فهو متهم إما بتلقيّ الأوامر من خارج الحدود وإما باعطائها في الداخل.
غير انّ لحود الذي يعيش حالاً من الخوف، يلجأ إلى مواقف "غريبة". فهو اعتبر ان قول ميليس انه لم يستجوبه وانه ليس مشتبهاً به حتى الآن، إنما هو تبرئة له. وانطلاقاً من ذلك، حاول تبرير بقائه في رئاسة الجمهوريّة، وانبرى مقربون منه بمصطلحات "قانونية" لتأكيد أن الاتهام لا يصبح نهائياً إلا متى اقترن بحكم قضائي مبرم... والمعنى أن لحود سيبقى في الرئاسة إلى حين انتهاء المحاكمة، وسيبقى مراهناً على عامل الوقت.
يبدو لحود اذاً في حالة هجوم. لكن الواقع هو أنه في حالة دفاع متخبّطٍ عن نفسه، في لحظة يحقّ له توقّع شتى أنواع "الخيانات" خلال التحقيقات. والخلاصة التي يسلط ما تقدّم الضوء عليها هي أن مصير لحود قد فُتح على مصراعيه، خلافاً لما يمكن أن يعتقده في لحظة قلق وارتباك. ذلك انّ وجوده في موقع "الشك" أو "الاشتباه" أو "الاتهام" يجعل من بقائه في الرئاسة إساءة إلى مقام الرئاسة وإلى العمل الدستوريّ.
هذه الحقيقة، أي كون مصير رئاسة لحود قد فُتح على مصراعيه، هي الآن بين أيدي الفرقاء اللبنانيين جميعاً، وعلى هؤلاء أن يأخذوا في الاعتبار انّ "التعايش" الذي كان ممكناً لظروف وملابسات معيّنة خلال فترة انتقالية، لم يعُد ممكناً ولا محتملاً في ظرف يتهم فيه فريق لحود بـ"التخطيط" لجريمة اغتيال الرئيس الحريري.
سعد الحريري: الثمن المنتظر
وفي هذا المجال، ترصد أوساط متابعة حركة التموضع السياسي للفرقاء حيال تحقيقات ميليس وتداعياتها السياسيّة، وذلك على النحو الآتي:
أولاً ـ من نافل القول أنّ رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري المعنيّ الأول ـ وليس الوحيد ـ بمعرفة الحقيقة في جريمة اغتيال والده الرئيس الشهيد، كان ولا يزال في مقدّم الداعين إلى الانتقال من الحقيقة إلى العدالة قضائياً، لكنّه في مقدم الداعين إلى استخلاص النتائج السياسيّة من "الحقيقة العدليّة".
يعلم سعد الحريري الأبعاد السياسيّة المتداخلة لنتائج الحقيقة محلياً وإقليمياً، ويعلم أن لا مجال لـ"تسويات" سياسيّة مع قتلة رفيق الحريري خاصة عندما يثبت ان القتل تمّ بأمر من مستوى سياسي، وهو إذ يعي أنّ للتداعيات السياسيّة للحقيقة جزءاً يتعلق بالمجتمع الدولي وكيفيّة تعاطيه مع النتائج، يتمسك بأن يدفع المشاركون في الجريمة مقرّرين ومحرّضين ومخططين ومنفذين الثمن. والثمن هنا لا يمكن أن يكون أقل من استكمال انهاء "النظام الأمني" في لبنان. ويعلم الجميع أنّ واحداً من أسباب عدم تقدم سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة بعد الانتخابات، هو أنّه رفض "التعايش" مع لحود في رئاسة الجمهوريّة في مرحلة "الشك" بعلاقة لحود بالجريمة فكيف ولم يعد ثمة شك وصار ثمة يقين بأن فريقه ضالع فيها؟.
المسيحيّون: لا تغطية لمرتكب
ثانياً ـ وفي رصد المواقف على الساحة المسيحيّة لا سيّما في الآونة الأخيرة، يتضح أنّ ثمة إجماعاً على اعتبار أن الجريمة لا طائفة لها، وعلى عدم تغطية من يُظهره التحقيق الدولي متهماً بالاشتراك في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، وعلى أنّ الوضع المسيحي ينتظر تقريرميليس النهائي ليبني على الشيء مقتضاه. وهذا هو موقف الكنيسة وعلى رأسها البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير، وموقف "التيار الوطني الحر" وقائده العماد ميشال عون، و"القوات اللبنانيّة" وقائدها سمير جعجع، والقيادات المسيحيّة الأخرى.
بكلام آخر، إذا كان لحود لا يستطيع ان "يحلم" بجعل سعد الحريري ينسى، فإنه لا يستطيع أن يراهن على موقف مسيحي يغطي استمراره في الرئاسة. ذلك أنّ المسألة لا تعني بالنسبة إلى المسيحيين في هذه الحالة موقعاً للموارنة أو استهدافاً لدور الطائفة في الحياة الدستوريّة والوطنيّة للبلاد.
جنبلاط: تغيير لحود مطلب ثابت
ثالثاً ـ أما بالنسبة إلى رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط، فإن الأمر محسوم منذ مدة. ولا داعي من وجهة نظر الأوساط المتابعة للتذكير بموقفه المطالب باستقالة لحود أو إقالته في امتداد انتفاضة 14 آذار، ولا للتذكير بدعوته إلى توافق وطني لانتخاب رئيس آخر قبل الانتخابات النيابيّة، ولا للتذكير بتعليقه على توقيف القادة الأمنيين الأربعة مطلع الأسبوع الجاري، اذ أكد أن لا مجال أمام لحود للبقاء في منصبه.
"حزب الله" و"أمل": الوضع الحالي بقراءة إسترجاعيّة
رابعاً ـ يبقى موقف الثنائيّة الشيعيّة ممثلة بحركة "أمل" و"حزب الله". وفي هذا الاطار تسجل الأوساط المتابعة المعطيات الرئيسيّة الآتية:
1 ـ لم يتوقّف كل من "أمل" و "حزب الله" عن الدعوة إلى الحقيقة والمطالبة بكشفها ومعرفتها، والحقيقة كانت عنواناً رئيسياً من عناوين مسيرة 8 آذار الماضي، وآخر الكلام في هذا الموضوع جاء على لسان الرئيس نبيه بري قبل يومين في مهرجان ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر وكلام السيد حسن نصرالله امس الذي وإن بدا على قدر من التحفظ تحت عنوان "عدم استعجال التوظيف السياسي" فانه لم يخرج عن ثابتة الحقيقة من جهة والحرص على الوحدتين الاسلامية والوطنية من جهة اخرى.
2 ـ عندما تموضع الطرفان في موقع "وسطي" في آذار الماضي، لم يكن ذلك حيال الوضع الداخلي بشكل أساسي، بل كان ذلك تحت عنوانَين: الأول هو تقديم غطاء شعبي للانسحاب السوريّ من لبنان، أي لما سمّياه حينذاك الانسحاب "المشرّف"، والثاني هو منع انزلاق الوضع اللبناني في ظلّ التطورات المتسارعة إلى فتنة داخلية.
وتذكّر الأوساط هنا بأن "المفاوضات" التي جرت في تلك الفترة بين المعارضة والطرفين الشيعيين، أظهرت أنّهما لا يمانعان بتغيير رئيس الجمهوريّة وقد كانت لهما انتقادات قاسية على أدائه، وأنهما لا يمانعان بـ"التضحية" برؤوس أمنية، مع الاصرار من قبلهما آنذاك على أن تكون ثمة "نهاية" محددة لمطالب المعارضة أي على أن يكون ثمة قعر مرئي لهذه المطالب. وكذلك، تذكّر الأوساط بأنّ "حزب الله" قام بنوع من "الوساطة" بشأن موقف جنبلاط الذي دعا في تلك الفترة إلى انتخاب رئيس جديد قبل الانتخابات النيابية. وتوضح أن هذا "المسعى" أعاقه موقف سوريّ آنذاك كان لا يزال يراهن على تسوية مع واشنطن، وأعاقه موقف مسيحي "إجمالي" ارتأى أن يُرحّل هذا الموضوع إلى مرحلة ما بعد الانتخابات.
والحقّ يقال، إنّ "حزب الله" علق هذا التوجه بعد أن تبيّن له أن ليس من أفق سياسيّ إقليمي ومحلي لتغيير الرئيس من جهة وأن ليس ثمة آليّة دستوريّة تسمح بإقالة الرئيس في تلك الظروف من جهة ثانية.
3 ـ وتعيد الأوساط نفسها إلى الأذهان، ليس فقط التحالف بين طرفي الثنائيّة الشيعيّة والمعارضة في الانتخابات النيابيّة، ولا المشاركة في الحكومة الجديدة أيضاً، بل إصرار الطرفين ـ "أمل" و "حزب الله" ـ على متانة العلاقات الإسلاميّة ـ الإسلاميّة، والشيعيّة ـ السنيّة بنوع خاص، وحرصهما على العلاقة بسعد الحريري و"تيار المستقبل" وبوليد جنبلاط و"الحزب التقدمي الاشتراكي". وذلك ما يعكس من وجهة نظر الأوساط قناعة الثنائيّة الشيعيّة بعدم التواجد في موقع "متقابل" مع الحريري وجنبلاط بالنسبة إلى الحقيقة وإحدى أبرز نتائجها.
الكلام عن حرج شيعي حيال سوريّا؟
4 ـ وتشير الأوساطُ إلى أن ثمّة من يقدّر أن "مهمة" كل من "حزب الله" و "أمل" ستكون صعبة و"محرجة" إذا تبيّن أن لسوريّا علاقة باغتيال الرئيس الحريري. لكنها إذ "تعترف" بذلك، وفيما تلفت إلى أن بروز علاقة ما لدمشق بالجريمة يجعل الوضع اللبناني برمته أمام ظرف معقّد، وأن التعقيد لن يعني "حزب الله" و"أمل" وحدهما، تؤكد أن الثنائيّة الشيعيّة "ربما" مارست "الوسطية"، من زاوية السعي إلى معالجة التداعيات بين لبنان وسوريّا لكنّها لا يمكن ان تكون وسطيّة في المسألة الداخليّة. وتعتبر ان ليس مطروحاً أن ينقسم الوضع اللبنانيّ بين "مدافع" عن سوريّا و"مصارع" ضدّها، وأن مصلحة الثنائيّة الشيعيّة تقضي بتكوين محصلة لبنانيّة يندرج الجميع ضمنها.
5 ـ وتشدّد الأوساط على أنّ التضامن الذي أظهره الجميع مع "حزب الله"، والموقف الإجمالي المتمسك باعتبار سلاح المقاومة مسألة لبنانيّة، من شأنهما أن يشكّلا حافزاً للحزب للمساهمة في تشكيل التضامن الوطنيّ حول العناوين اللبنانيّة الداخليّة.
الاتفاق على رئيس جديد ودور جنبلاط
خامساً ـ في ضوء هذا الرصد السياسي، ومن ضمنه تأكيد الرئيس بري على "وحدة آذار"، تعتبر الأوساط أنّ دور الزعيم اللبنانيّ وليد جنبلاط سيزداد أهميّة في الأيّام المقبلة. وترى انّ أهميّة دوره متأتية من قدرته على "الوصل" بين مكونات الغالبيّة الجديدة ـ المعارضة السابقة ـ من جهة وكلّ من "حزب الله" و "أمل" من جهة أخرى، وتبدي اعتقادها أنّ جنبلاط يستعد لحركة "وصل" وصل لا بدّ منها في هذه المرحلة، علماً أن لا مجال لـ"دفاع" شيعيّ عن لحود.
وإذا كان لا جدال في أنّ مصير رئاسة لحود قد فتح فعلاً، وأنّ انهاء رئاسته يغدو مطلباً إجماعياً، فإن الاتفاق على رئيس جديد أمرمطروح بقوة هو أيضاً، وسط معادلة "شائكة" في ظاهرها لكنّها غير مستحيلة في الواقع: حرص المسيحيين على أن تكون لهم كلمتهم فيمن يكون الرئيس الجديد، وحرص الآخرين على أن يكون الرئيس الجديد مناسباً للجميع.
إنّ استكمال انتفاضة 14 آذار بإنهاء النظام الأمنيّ ورأسه لا يمكن ان يكون موضع انقسام داخليّ، ولن يكون فرز بين متعاطفين مع سوريا (اذا كانت ضالعة في الاغتيال) وغير متعاطفين مع سوريّا، كما تقول الأوساط التي تؤكد على ضرورة ان يفرز اللبنانيون بين ما يعنيهم من الحقيقة وما يعني المجتمع الدوليّ منها، وأن يحسنوا إدارة أوضاعهم بما لا يترك تداعيات عليها.
وتختم بتأكيد أن لا تفسّخ على مستوى الحكم، وأنّ ما يجري اليوم لاسيما بالنسبة إلى مجلس الوزراء، أمر تأخر لظروف معلومة لكنّه طبيعي ويُفترض ألاّ يطول إذ لا يُعقل أن يجتمع مجلس الوزراء برئاسة رئيس للجمهوريّة يتأخر في استخلاص دروس اتهام فريق حكمه. وتشدد في المقابل على ضرورة تماسك الحكومة في الظرف السياسيّ الراهن.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.