8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

البطريرك: التحقيق ونتائجه فوق الجميع ولا نستطيع شيئاً لأحد

إذا نجح التحقيق الدولي الذي يقوده ديتليف ميليس في تحويل "المشتبه بهم" الى متهمين رسمياً بالضلوع في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وهو الأمر الذي يمكن توقعه لاسيما بعد إطلاق تسمية "مشتبه بهم" على من تم جلبهم الى التحقيق أول من أمس، كيف يعقُل أن يبقى الرئيس إميل لحود مقتنعاً بإمكانية بقائه في الرئاسة حتى انتهاء ولايته الممددة قسراً... وهل يجوز أن يبقى أصلاً؟
لحود رأس النظام الأمني ورئيسه
في الإجابة عن هذا السؤال، وفي مجال استهجان تمسّك لحود بالموقع، تعدد الأوساط السياسية المتابعة مجموعة من الأسباب الموجبة لرحيل لحود:
أولاً ـ إن الأمنيين الذين جرى اعتبارهم مشتبهين، هم أركان النظام الأمني الذي حكم البلد فعلياً خلال سنوات طويلة من حقبة الوصاية السورية، ورئيس هذا النظام الأمني هو إميل لحود نفسه. وبالرغم من "التناقضات" التي كانت سوريا تديرها بين هؤلاء الأركان لتأمين استمرار ولائهم لها، فإنه من المستحيل ألا يكون لحود متورطاً إذا كان هؤلاء متورطين، ومن المستحيل أيضاً تصوّر ألا يكون على معرفة بالجريمة عندما يكون أركان النظام الأمني مشاركين في الجريمة بمختلف أنواع الاشتراك.
.. يغطي مصطفى حمدان ويخاف منه
ثانياً ـ وإذا كان ما سبق يستند إلى توصيف واقع كان قائماً.. حتى الآن، فان مواقف لحود ومن ضمنها دفاعه أول من أمس عن رئيس لواء الحرس الجمهوري مصطفى حمدان، تضعه في دائرة الاتهام بـ"تغطية" مشتبه بهم. وبطبيعة الحال فإن دفاع لحود عن حمدان لا يبرره مجرد "رد جميل" على إنقاذ حمدان حياة الرئيس قبل اثنين وعشرين عاماً، وإن كانت هذه الجملة التي وردت في حديث رئيس الجمهورية أمام وفد الكونغرس الأميركي، مفتاحية في حد ذاتها لجهة وصف العلاقة بين الرئيس وقائد حرسه على أنها علاقة "مدين" بـ"دائن". ولا تجد الأوساط المتابعة تفسيراً مقنعاً لهذه التغطية التي يمنحها لحود لمصطفى حمدان سوى أن الثاني يعرف الكثير مما يمكن أن يقوله توريطاً لرئيسه أو هدماً للهيكل على الرأسين معاً، وأن الأول يخاف من الثاني إلى حد أنه بات أسيراً عنده.
رسالة دمشق: لا تُزح المسؤولية نحونا!
ثالثاً ـ في ضوء هذه المقدمة التي تعني أنه من غير المعقول أن يكون النظام الأمني متهماً ورئيسه بريئاً بالمطلق، علماً أن لرأس النظام مسؤولية أخلاقية وسياسية، يمكن أن يضاف أن رئيساً مُدّدت ولايته في ظروف معروفة لا يستطيع أن يستمر مع تغيّر الظروف وتبدّلها على نحو "جذري". وأكثر من ذلك، تلفت الأوساط نفسها إلى حقيقة أن سوريا التي خربت لبنان من أجل التمديد، أعطت إشارات عدة إلى استعدادها لـ"بيع" رأس لحود في سبيل الحؤول دون وصول التحقيق الى تحديد مسؤولية سورية. وقيل في هذا المجال أن محاولة إغتيال صهر الرئيس لحود الوزير الياس المر كانت بمثابة رسالة تحذير للحود من أن "يزيح" المسؤولية عنه باتجاه دمشق.
صفير والشراكة الوطنية
رابعاً ـ لكل هذه الاعتبارات السابقة يجب أن يرحل لحود. غير أن ثمة ما ينبغي أخذه في الاعتبار إضافة إلى كل ذلك. وفي طليعة ما يجب أخذه في الحسبان موقف البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير.
صحيح أن البطريرك اعترض خلال انتفاضة الاستقلال على إسقاط رئيس الجمهورية، وصحيح أيضاً أنه عارض توجه إحدى مسيرات المعارضة باتجاه القصر الجمهوري، وصحيح كذلك أنه حمى "موقع الرئاسة" ورفض أن يقتصر التغيير على رئاسة الجمهورية فقط. بيد أن الصحيح بعد هذا وذاك، هو أن البطريرك عبّر قبل أيام قليلة عن القلق الذي يساوره وسائر اللبنانيين من المرحلة الآتية على "ظهر" التحقيق الدولي ونتائجه، وأبدى خشيته من انكشاف ضلوع أي لبناني في جريمة اغتيال الرئيس الحريري.
وفي هذا الإطار، ينقل زوار البطريرك عنه قوله أن "التحقيق ونتائجه فوق الجميع ولا نستطيع أن نعمل شيئاً لأحد". أي أن سيد بكركي يرى أنه أياً كان الفاعل لا يمكن تغطيته. وهو وإن كان لا يقصد رئيس الجمهورية بالتحديد على افتراض منه أنه قد لا يكون ضالعاً، فإنه بقوله أن التحقيق ونتائجه فوق الجميع يشمل الجميع من دون استثناء. كذلك فإن البطريرك يعتبر أن الأولوية المطلقة خاصة في هذه المرحلة هي للشراكة الوطنية الإسلامية ـ المسيحية، وأن العلاقة مع الشريك المسلم هي حاجة قصوى للعبور بلبنان إلى برّ الاستقرار، لا بل إنه يبدي اهتماماً بالعلاقات الإسلامية ـ الإسلامية، والعنوان الرئيسي لديه هو أن يحافظ كل شريك على شريكه.
عون وما بعد لحود
خامساً ـ واذا كان موقف البطريرك صفير على هذا القدر من الوضوح، بما يفيد أنه سيأخذ بنتائج التحقيق الدولي أيّاً كان المتهمون، فإن عاملاً آخر يدخل في الحساب هو موقف قائد "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون. فبموازاة إعلانه صراحة أنه لن يغطي أحداً في ضوء نتائج التحقيق، انتقل تفكير عون إلى مرحلة ما بعد لحود أي أنه بات في حكم من يسلّم بعدم استمرار لحود في بعبدا. وهذا هو موقف مختلف التيارات السياسية المسيحية أيضاً.
إن ما تقدم يشكل الأسباب الموجبة لرحيل لحود. ويبقى الطريق "الأشرف" و"الأسهل" أن يبادر لحود اليوم قبل الغد إلى الاستقالة، علماً أن إثبات التحقيق لتورّط أركان "النظام الأمني" أو لتورّطه هو بطريقة ما، من شأنه أن يجعل المسار الدستوري لإقالته أقل تعقيداً، لأن المجلس النيابي يمكنه عندئذ اتهامه تأسيساً على نتائج التحقيق الدولي.
المشتبه بهم... وسوريا
غير أن ثمة جانباً آخر للموضوع لا يغير من هذه النتيجة. فالمشتبه بهم أمنيين وسياسيين كانوا على الدوام يمثلون الحلقة المؤتمرة بمركز المخابرات السورية في عنجر وبالمسؤول المخابراتي السوري لا سيما العميد رستم غزالي في السنوات الثلاث الأخيرة. وإذا كان لحود رأس النظام الأمني في لبنان، فإن مرجعيته سورية، أي أن هرمية النظام الأمني تصل إلى دمشق.
بهذا المعنى، تعرب الأوساط المتابعة عن اعتقادها أن الحلقات المتصلة في إطار النظام الأمني اللبناني ـ السوري المشترك، تجعل من غير الممكن عدم وصول المسؤولية الى العاصمة السورية في ظل ما هو معروف عن علاقة الحلقة الأمنية اللبنانية المشتبه بها بالمخابرات السورية التي كانت لها الأمرة على الأمن اللبناني، وفي ظل ما هو معروف عن التقارير المنتظمة التي كان الأمنيون اللبنانيون ينهونها بـ"تأمُر سيدنا".
المداهمات في بيروت.. وعدم تعاون دمشق في نيويورك
وفي هذا السياق، تلفت الأوساط نفسها إلى التزامن الذي ظهر أول من أمس بين المداهمات في بيروت لجلب المشتبه بهم إلى التحقيق وبين متابعة مجلس الأمن الدولي في نيويورك لهذا التطور، حيث انتهى الاجتماع المغلق للمجلس إلى أخذ العلم تكراراً بعدم تعاون سوريا مع التحقيق الدولي. وبكلام آخر، إن مواكبة مجلس الأمن لـ"التقدم" في لبنان بالإشارة إلى أن "التتمّة السورية" لا تتقدم، يعني من وجهة نظر الأوساط أن التحقيق ذاهب بنتائجه إلى دمشق على قاعدة أن النظام الأمني السوري هو "الآمر الناهي" ضمن النظام الأمني المشترك.
استقالة لحود أو إقالته
ليس معروفاً، ولا يمكن أن يُعرف حتى الآن مَن باع مَن في التحقيق، وكيف حصل تقاذف المسؤوليات، وما إذا كانت سوريا قدمت "وجبة" الحلقة الأمنية اللبنانية الى المحقق ميليس على أمل أن تكون هذه "الوجبة" كافية... لكن في مطلق الأحوال، إن لحود لن يستطيع الإفلات من "حبل الحقيقة" سواء تمت الجريمة من فوق إلى تحت (من الأمن السوري إلى الأمن اللبناني) أو من تحت إلى فوق (بالعكس)، أو مرت بمراكز سياسية رئيسية في الجانبين.
الحقيقة تقترب جداً... أيام وتظهر. لسوريا أن تقرر كيفية التعاطي معها، وعلى ما سوف تقرره دمشق تتوقّف وجهة التعامل اللبناني ورؤيته الى المرحلة المقبلة. لكن المسألة في لبنان لم تعد تحتمل، واستكمال إسقاط النظام الأمني سياسياً والذي من الواضح أنه يمر عبر الحقيقة، شرطٌ لا بد منه لـ"تحرير" النظام السياسي، نظام الطائف من معوّقاته، ولتأكيد السيادة والاستقلال. ولَكَم هي ثمينة في هذه الأيام خاصة حكمة البطريرك صفير: الشراكة الوطنية بين كل مكوّنات الاجتماع اللبناني.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00