لا شك أن توقيف قادة الأجهزة الأمنية، مَن استقال منهم ومَن وُضع في التصرّف ومن استمرّ في الخدمة حتى "اللحظة الأخيرة"، يعدّ إنجازاً كبيراً للجنة التحقيق الدولية ورئيسها ديتليف ميليس، كونه يتضمّن الكثير من الإشارات بشأن الاقتراب من الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
بينَ التوقيفات والتقرير النهائي
أولاً ـ أن يأتيَ التوقيفُ بعد أيام قليلة من التقرير الإجرائي وقبل أيام من التقرير النهائي، يعني أن القاضي ميليس توصّل الى أدلّة وقرائن تتعلق بدور كل واحد من الذين جرى توقيفهم، أي المشتبه بعلاقتهم بالجريمة، ويعني أن ميليس في ضوء ما توصّل إليه لم يجد حاجةً لتأخير هذا الإجراء الى ما بعد التقرير النهائي. وأكثر من ذلك يبدو واضحاً أن التوقيفات ستمكّنه من استكمال التحقيقات التي ستعينُه على صوغ التقرير النهائي.
ثانياً ـ وأن تأتي التوقيفات على مسافة أيام من التقرير النهائي، فذلك يعني أن ميليس إنما شاء أن يستكمل فحوى تقريره الإجرائي الذي تضمّن إشارة واضحة الى انعدام الثقة بالأجهزة الأمنية وخوف الشهود إمّا من الإدلاء بإفادتهم أو من توقيعها أو من وصولها الى أيدي أجهزة لبنانية. وبذلك تكون التوقيفات جزءاً لا يتجزأ من عملية حماية الشهود وتأمين المرحلة الأخيرة من التحقيقات في آن.
ثالثاً ـ وأن تأتيَ التوقيفات على مسافة أيام من التقرير النهائي، فذلك يعني محاولة شلّ قدرة النظام الأمني على القيام بعمليات أمنية، اغتيالات وتفجيرات وغيرها، قبلَ صدور التقرير، أي شلّ القدرة على التهويل بالويل والثبور وعظائم الأمور، وشلّ القدرة على ممارسة أي ضغوط على سير التحقيق.
رابعاً ـ وتعني التوقيفاتُ أن القاضي ميليس بحاجة الى معلومات مَنْ جرى توقيفهم لـ"توثيقها" في تقرير إعلان الحقيقة، وأنه بحاجة الى توثيق هرميّة النظام الأمني اللبناني ـ السوري وتحديد آليّات القرار ليبني على اعترافاتهم ما يمكّنه من تعيين المسؤوليات وتوجيه الاتهامات... الأمر الذي يؤكد أن التوقيفات جزء مهمّ من الحقيقة ويبقى الجزء الآخر منها الذي سيبرز في الأيام القليلة المقبلة، وسيدفع برؤوس كبيرة في لبنان وخارجه الى العدالة، علماً ان موقوفي الأمس يشكّلون الحلقة الأمنية الأقرب إلى العميد السوري رستم غزالي.
خامساً ـ وتعني التوقيفات قطعَ الشكّ باليقين لجهة أن ميليس سيقول الحقيقة كما هي ولا شيء غيرها، الأمر الذي يُفترض أن يحرّر الحياة السياسية اللبنانية، وأن يعطيَ قوّة دفع للحكومة في سعيها الى إقرار التعيينات الأمنية والقضائية للشروع في إعادة هيكلتها.
تتمّة 14 آذار
على أن هذا الإنجاز الكبير المتحقق للجنة الدولية، منظوراً إليه من زاوية أنه يسدّد ضربة "استراتيجية" للنظام الأمني الذي كان قد استعادَ بعض أنفاسه في الآونة الأخيرة وكرّس ثنائية على مستوى السلطة الإجرائية، إنما هو إنجاز سياسي فوق كونه إنجازاً قضائياً لمصلحة الحقيقة والعدالة.
1 ـ إذا كانت انتفاضة الاستقلال في 14 آذار قد حملت عنوان "إقالة" قادة الأجهزة الأمنية بما يؤدّي الى تفكيك النظام الأمني، فإن إنجاز ميليس يوصل مطلب انتفاضة 14 آذار الى نهاياته المنطقيّة مِن مدخل قضائي، الى توجيه ضربة للنظام الأمني بما يؤدّي الى انهياره "الأخير".
حلقة مفصليّة في إنهاء "النظام الأمني"
2 ـ وإذا كان السير نحو الحقيقة أدى حتى الآن في الجانب المعلن منه الى كشف حقيقة النظام الأمني بـ"تابعه" اللبناني ومِن المستبعد ألاّ يصل الى رأسه المدبّر خارج الحدود، فمن الواضح أن ذلك يمثّل أيضاً استكمالاً لانتفاضة 14 آذار. فبكلّ "بساطة" أن كشف الحقيقة استكمالاً لـ14 آذار، هو الحلقة المفصليّة في مسار استعادة النظام الديموقراطي من جهة وتوكيد السيادة من جهة ثانية ونقل البلاد الى مرحلة من الاستقرار السياسي والأمني من جهة ثالثة.
3 ـ ولمّا كانت الغالبية الجديدة ـ المعارضة السابقة ـ بحاجة ماسّة الى استعادة روح 14 آذار بعدَ كلّ ما جرى، بما في ذلك الاصطفافات الطائفية، ولمّا كان كشف الحقيقة بشأن الجريمة الإرهابية التي أودت بحياة الرئيس الحريري والوزير باسل فليحان ورفاقهما، يتمّ متدرّجاً لكن بخطى ثابتة ويشكّل رافعةً لـ"نضال" قوى 14 آذار، وبما أن ما ينبغي أن يحصل الآن وفي الأسابيع المقبلة ليس أقلّ من معركة سياسية ثانية تكمل انتفاضة 14 آذار، وبما أن الموضوع هو في جوهره صراع على النظام لتحريره.. فإن الظرف يقتضي تجديد مشهد 14 آذار وتجديد تحالف 14 آذار.
لا خلافات بين الحلفاء
وفي هذا المجال، مجال إعادة تكوين مشهد 14 آذار وإنتاجه ثانية، تؤكد مصادر سياسية مطّلعة على مجرى النقاشات التي تدور بين قوى الانتفاضة وفي صفوفها، أن ثمة قناعةً جماعية بتجديد المشهد، وذلك انطلاقاً من المعطيات الرئيسية الآتية:
أ ـ ثمة قناعة مشتركة بأهمية الكشف عن الحقيقة في ما يتّصل بجريمة اغتيال الرئيس الحريري، وبضرورة سوق المجرمين أياً كانوا الى العدالة، وقناعةٌ مشتركة بأن هذه المسألة لا تخصّ آل الحريري وحدهم بل تعني البلد كله.
ب ـ وثمة قناعةٌ مشتركة بأن إنجاز 14 آذار هو إنجاز جماعي حققه المسلمون والمسيحيون معاً بثمن غالٍ هو دماء الرئيس الحريري، وبأن إنكار الشراكة الوطنية في تحقيق الاستقلال أو بداياته من بوابة الانسحاب السوري من لبنان هو ـ أي الإنكار ـ مناقضٌ لروح 14 آذار، وكانَ هذا الإنكار أحد المداخل التي حاول النظام الأمني السوري ـ اللبناني العودة عبره الى "الساحة".
سعد الحريري
ج ـ وفي استعراض واضح لقوى 14 آذار، يمكن القول بدايةً أن رئيس "تيّار المستقبل" النائب سعد الحريري ليس فقط ذا مصلحة في كشف الحقيقة بشأن جريمة اغتيال والده، لكنه ذو مصلحة أكيدة في خوض معركة تصحيح مسار النظام اللبناني تحت سقف الطائف الذي يمثّل أحد إنجازات والده أيضاً. وهو شديد الإدراك لحقيقة أن الأمر تلزمه شراكة وطنية معزّزة.
جنبلاط
د ـ أما بالنسبة الى رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط، وعلى الرغم من محاولات البعض إحاطة مواقفه بالتباسات مفتعلة، فهو في غاية الوضوح:
* فهو ما فتئ يؤكد على أهمية معرفة الحقيقة التي يرى فيها رادعاً للجريمة السياسية بشكل عام.
* وهو لم يتراجع يوماً عن اتهامه للنظام الأمني اللبناني ـ السوري المشترك في اغتيال الحريري، لا بل إن مصطلح "النظام الأمني اللبناني السوري المشترك" هو من اختراعه.
* وعندما يقول جنبلاط في تصريحاته الأخيرة أن كشف الحقيقة ينبغي ألاّ يؤدي الى عودة الانعزال في لبنان ويتطلّب المضيّ في "المشروع العربي"، فإنه يقول عملياً أن الحقيقة هي أن مَن اغتال الحريري هم شركاء سوريون ولبنانيون، ليستدرك وهو يحدّد المسؤولية بالتحذير من أن يؤدي انكشاف دور هؤلاء الشركاء الى نزعة "أنتي عروبيّة" في لبنان، وهذا تحذير محقّ لأن حلفاء 14 آذار لم يقاتلوا ضدّ "العروبة" وهم الداعون الى العروبة الديموقراطية الحديثة، بل قاتلوا ضدّ "عروبة قهريّة اجتياحية" للبنان. أما الذين أرادوا أن يفهموا من تصريحات جنبلاط الأخيرة أنه ينحّي المسؤولية عن سوريا ليحصرها بـ"الفرع اللبناني" ممثلاً بالرئيس إميل لحود، فهم إنّما يفعلون بغاية التحريض على جنبلاط في البيئة المسيحية بادعاء أنه يركّز على "الرئيس المسيحي".. وهذه لعبة مكشوفة الغايات ومعروفة المصالح التي يخدمها هذا التحريض.
* وليس خافياً أن جنبلاط حريصٌ وهو يُقبِل على تتمّة المعركة، على أن يخوضها من موقع مستقلّ عن التجاذبات الدولية، وهذا أمر لا يدعو الى أي "نقزة"، ذلك أن الاعتراف بـ"واقع" التأثير الدولي والمساعدة الدولية لا يحتّم الاندراج في سياق دولي ـ غربي معيّن فضلاً عن حرصه على العلاقة بحزب الله وهو ما يؤيّده كل فرقاء 14 آذار.
مسيحيّو الشراكة
هـ ـ وفي الانتقال الى الوضع المسيحي، لا تخفى حقيقة أن المسيحيين الذين دفعوا ثمن "الثورة المضادّة" التي قامت بعدَ الانسحاب السوري وكانت ذروتُها في الانتخابات النيابية في المناطق المسيحية، والذين دفعوا ثمن أخطاء ارتكبتها المعارضة آنذاك، أن هؤلاء وفي ضوء التطوّرات الجارية التي تسقط استراتيجية التحالف بين دمشق ولحود من جهة وبعض من كان في المعارضة، وفي ضوء الحقيقة، إنّما يمكنهم "العودة" بقوة الى الساحة السياسية وساحة التمثيل السياسي المسيحي.
جعجع: لا تغطية لأحد
و ـ في هذه الأثناء، ينقلُ مطّلعون عن قائد "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع موقفاً لافتاً. فهو يؤكد على الشراكة الوطنية مع الحلفاء ويذهب الى تأكيد ما مفاده أن "أمن المجتمع المسيحي لا تضمنه إلاّ الشراكة الوطنية"، ويرفض الدخول في أي "جبهة مسيحية" تحت أي عنوان كان، كما يرفض تغطية أي مسيحيّ ضالع بصورة أو بأخرى في جريمة اغتيال الرئيس الحريري.
في ضوء ما تقدّم، يتّضح أن ما يجمع حلفاء 14 آذار كبير جداً وأن الكلام عن خلافات مستعصية تارةً بين الحريري وجنبلاط وتارة أخرى بين جنبلاط والوضع المسيحيّ إنما هو ـ أي الكلام عن خلافات ـ عمل "دكتيلو"، وأن القدرة على تجديد صورة 14 آذار والعمل بروحيّته متوفّرة. وحتى بالنسبة الى العماد ميشال عون، وانطلاقاً من موقفه الرافض تغطية أحد في ما يتعلّق بجريمة اغتيال الرئيس الحريري، وهو موقفٌ إيجابي، يمكن اعتبار أنه يتوقّف عليه أمر المساهمة في إعادة إنتاج 14 آذار إذا أدرك أن "التقاطعات" التي حصلت بينه وبين سوريا وحلفائها في لبنان إنما كانت جزءاً من "الثورة المضادّة" التي استخدمت أوراقاً عدّة للانقلاب على 14 آذار.
إن إنجاز ميليس كبير جداً. وإذا كان لا شكّ أنه يشكّل رافعة سياسية، فمن المهمّ مع ذلك عدم الاسترخاء لأن المعركة لم تنتهِ كلّها بعد... وهذا أمرٌ يتوازى مع الحرص على الوحدة الوطنيّة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.