كلّما اقترب الإعلان عن الحقيقة بشأن جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وهو الإعلان الذي يبدو انه لن يتجاوز نهاية شهر أيلول المقبل في وقت لم يطلب رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس تمديد المهلة المعطاة له في القرار 1595 لإنجاز مهمته، ازداد القلق لدى اللبنانيين من أن تكون للحقيقة تداعيات أمنية معيّنة وذلك لسببين رئيسيين أولهما ان الأمن لا يزال غير ممسوك من قبل الحكومة التي تمثل غالبية نيابية ـ سياسية جديدة ولا يزال غير خاضع لـ"سلطتها"، والثاني ان ثمة استخبارات سورية لا تزال تملك إمكانية التحرك "فوق" الساحة اللبنانية ومعها شبكات مرتبطة بها.
وإذا كان الحديث عن الأجهزة الأمنية اللبنانية الرسمية أمراً قائماً في ذاته تعييناتٍ وإصلاحاً وإعادة هيكلة، فإن الحديث عن "الشبكات" شأن يجب أن يشغل اهتمام الجميع لا سيما المعنيين بـ"السياسة" وبالأمن في مرحلة ذات طبيعة سياسية ـ أمنية بامتياز. وهذه "الشبكات" أنيطت بها "مهام" انتقامية ـ اغتيالية من جهة وتخريبية عامة تشمل محاولة إثارة فتن مذهبية أخطرها الفتنة السنية ـ الشيعية.. من جهة اخرى.
تطورات "أمنية" على الساحة الإسلامية
وفي هذا المجال، تلفت أوساط إسلامية مطلعة ومتابعة إلى عدد من التطورات الرئيسية على "الساحة الإسلامية" حصلت قبيل الانسحاب العسكري السوري الرسمي من لبنان وبعده، وهي تطورات على درجة عالية من الخطورة على قاعدة انها قابلة لـ"الصرف" أمنياً في أي لحظة.
أولاً ـ عودة مجموعات من اللبنانيين الذين ذهبوا إلى العراق تحت عنوان "الجهاد" فيه، وهم من اللبنانيين "المتديّنين" الذين ساهمت سوريا في تمكينهم من دخول العراق عبر حدودها في فترات مختلفة من الحرب في بلاد الرافدين. وإذا كان من بين هؤلاء من ضاقت بهم السبل في العراق فقرروا العودة إلى وطنهم مصطحبين معهم الخيبة من التجربة هناك، فإن من بينهم في المقابل من يعود حاملاً نوايا العمل في لبنان.
ثانياً ـ على ان ثمة ظاهرة اخرى تتزامن مع هذا الأمر، تتمثل في "تسرّب" عرب قاتلوا في العراق، إلى لبنان عبر الحدود السورية في ظل غضّ نظر سوري على أقل تقدير، وهؤلاء يتعاملون مع لبنان بوصفه محطة من محطات "الجهاد" المزعوم.
مجموعات سلفية تُعبّأ ضد الشيعة وتُسلّح
ثالثاً ـ وثمة ما هو أخطر من ذلك يتمثل في مجموعات سلفية في عدد من المناطق اللبنانية، تشكلت بداية على أساس "الدعوة والعمل الاجتماعي"، وحظيت خلال السنوات الماضية بـ"رعاية" سورية. بيد ان الجديد على هذا الصعيد هو ان المخابرات السورية وعشية الانسحاب الرسمي من لبنان عرضت تسليح هذه المجموعات فقبل بعضها هذا العرض وتسلح فيما لم يستجب بعضها الآخر، وتقول المعلومات ان المجموعات التي قبلت عرض التسلح تتركز في شمال لبنان بشكل رئيسي.
رابعاً ـ وتروي المعلومات أيضاً ان التسليح ترافق مع "تعبئة" ساعدت في نقل هذه التشكيلات السلفية من الصعيد "الفكري" إلى الصعيد "العملي"، وقامت تلك "التعبئة" على طرح "سؤال" يستبطن التحريض: لماذا تُعتبر البندقية في يد الشيعي مقاومة بينما إذا كانت في يد السني تعتبر إرهاباً؟، حتى ان هذا السؤال تكرّر طرحه من قبل سلفيين خلال حفل تكريمي للمفرج عنهم من الضنية أخيراً وذلك على تفاجؤ من المفرج عنهم.
"القيادة العامة"
خامساً ـ وتفيد المعلومات أيضاً ان كميات من السلاح تسلمتها "الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة" في منطقة البقاع، وان قسماً من السلاح نقل إلى مخيمات فلسطينية، وان قسماً آخر جرى توزيعه، وان قسماً أخيراً تحتفظ به "الجبهة" في معسكرات لها لا تزال قائمة.
ليست "قاعدة" ولا زرقاوي بل شبكات استخباراتية
ان هذه المعلومات ـ وغيرها ـ تشير إلى خطر حقيقي يواجهه الوضع السياسي اللبناني. وهنا تسارع الأوساط الإسلامية المطلعة إلى توضيح عدد من الأمور على النحو الآتي:
1 ـ ان المجموعات السلفية "اللبنانية" ليست امتداداً لـ"تنظيم القاعدة" في العراق، وتلفت إلى ان "الضخّ" الأساسي لأبي مصعب الزرقاوي هو باتجاه الأردن حيث يجري استقطاب العناصر ويتم إعدادهم هناك من جهة ويتم "تصديرهم" إلى هذا البلد العربي أيضاً.
2 ـ وتشير إلى ان "الرعاية" السورية الاستخباراتية للمجموعات السلفية "اللبنانية" والتي بقيت لفترة في الإطار "الدعوي الاجتماعي"، لا تنفك عن رعاية السلطات السورية في سوريا لتيارات دينية معادية لحركة "الاخوان المسلمين" السورية، وقد اتخذت هذه الرعاية أشكالاً شتّى بما في ذلك "تصريف" هذه التيارات إلى العراق. و"الغريب" هنا ان السلطات السورية تقيم الدنيا ولا تقعدها بشأن اجتماع "غير حقيقي" لجماعة "الاخوان المسلمين" السوريين في لبنان، بينما تتغاضى عن "التسرّب" السلفي عبر الحدود.
3 ـ وتقول ان هذه المجموعات السلفية "اللبنانية" التي ربما لا تزال في مرحلة "الكمون"، لا يمكن التعاطي معها بوصفها حالة دينية معينة أو بوصفها تياراً دينياً ـ سياسياً أو على انها مجموعات مترابطة، بل يجب التعاطي معها على أساس كونها جزءاً لا يتجزأ من البنية الاستخباراتية السورية في لبنان. وتضيف ان "مصادفة" هذه المجموعات في أي عمل أمني سابق أو لاحق لا تعني انها تمثل حالة "مستقلة"، أو ظاهرة إرهابية قائمة بذاتها، بل تعني ان ثمة استخداماً استخباراتياً لها، وان هذه المجموعات تحاول أن تستقطب اليها أفراداً يجري غسل أدمغتهم على نحو يمكّن من تأطيرهم ودفعهم إلى أعمال أمنية.
4 ـ وتؤكد في السياق نفسه ان البيانَين، الذي وزع باسم "قاعدة الجهاد في بلاد الشام" ويهدّد مرجعيات دينية وسياسية شيعية، وذاك الذي لم يوزع ووصلت نسخة منه إلى "المعنيين" سياسياً وأمنياً باسم "الجهاد الشيعي" والذي يتوعد مرجعيات دينية وسياسية سنية، هما من صنع استخباراتي واحد يعزف على وتر الفتنة السنية ـ الشيعية، أي الدائرة نفسها التي جرى وضع جريمة اغتيال الرئيس الحريري ضمنها.
5 ـ وتلفت إلى ان هذه المجموعات السلفية "اللبنانية" ليست سوى جزء من المنظومة الاستخباراتية التي تضم "شبكات" اخرى يمكن التطرق اليها في وقت "مناسب".
إعادة بناء الأمن الشرعي وملاحقة الشبكات معاً
يُستنتج من هذه المقدمات ان على الحكومة اللبنانية ليس فقط أن تحثّ خطى التعيينات الأمنية ـ والقضائية ـ بحيث يتم ضبط الأمن الرسمي ـ الشرعي تحت سقف الدستور والقانون، وبحيث يُصار إلى هيكلة الأجهزة وتحديثها لتنتج أمناً فعّالاً، بل ان على الحكومة بمؤسستَيها العسكرية والأمنية أن تجعل "الشبكات" في دائرة المطاردة الأمنية والقانونية، على ألا تكون هذه المطاردة "عشوائية" فتطاول أشخاصاً لمجرد كونهم إسلاميين أو متدينين أو ملتحين. ولعل هذه المهمة ـ أي المطاردة ـ تقع على نفس المستوى من أهمية التعيينات وإعادة الهيكلة. ذلك ان شرط سيادة الأمن الشرعي اللبناني هو تفكيك مقومات "الأمن المضادّ".
لا خوف من فتن مذهبية ولا "حرب" في امتداد تقرير ميليس
على ان أوساطاً سياسية أخذت علماً بالمعلومات الآنفة، تعتبر ان الخطر الذي تمثله الشبكات الاستخباراتية ومن ضمنها المجموعات التي تمتّ الإشارة اليها ويُحكى عن وجود نحو عشر مجموعات منها، من شأنه ـ أي الخطر ـ أن يبرز أكثر فأكثر في المرحلة المقبلة بالتزامن مع إعلان الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري في التقرير النهائي لميليس. غير انها تسارع إلى القول ان هذا الخطر الأمني "المحتمل" لا يرقى إلى مستوى القدرة على إشعال فتنة أهلية في لبنان.
وفي هذا الإطار، تؤكد ان وعي القيادات الإسلامية الفاعلة بأهمية الوحدة الإسلامية كفيل بأن يُحبط أي فتنة، وان وعي القوى والتيارات السياسية اللبنانية الحية بأهمية الحقيقة والعدالة أياً يكن الفاعل والمحرض والمنفذ في الجريمة الإرهابية التي أودت بحياة الركن اللبناني الأبرز ورفاقه، كفيل هو أيضاً بمنع تحول الحقيقة إلى سبب لأزمة في البلد وبعدم وضع الحقيقة في مقابل الاستقرار وضده، وكفيل بحماية العيش المشترك وبتشديد إرادة بناء الدولة وتوكيد الاستقلال لأن أحداً لا مصلحة له في عدم كشف الحقيقة. وتختم بتأكيد ان الاضطراب اللبناني الذي يتزامن مع تقرير ميليس ينبغي أن يعزز التمسك بالسلم الأهلي والاستقلال وبمشروع الدولة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.