منذ الآن، يبدو شهرأيلول وتشرين الاول المقبلان مزدحمين باستحقاقات دولية مهمة بالنسبة الى لبنان، أهمها استحقاقان: التقرير النهائي لرئيس لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري القاضي الألماني ديتليف ميليس، والمراجعة الدورية لما تم تنفيذه من القرار 1559.
فرضيتان مستبعدتان في تقرير ميليس
وفي ما يتصل بالتقرير النهائي لميليس أولاً، تلفت مصادر ديبلوماسية مطلعة الى مجموعة نقاط رئيسية لا بد من أخذها في الاعبتار:
أولاً ـ اذا كان التقرير النهائي يخضع قبل صدوره لنقاشات عدة هنا في لبنان تطرح افتراضات بشأن مضمونه والخطوط التي يمكن أن يشير اليها، فإن المصادر الديبلوماسية تسارع فوراً الى استبعاد فرضيتين تعتبر أنهما ليستا واردتين في جميع الأحوال: الأولى أن يضمّن ميليس، لأسباب ما، تقريره النهائي استنتاجاً بعدم قدرته على التوصل الى أي نتيجة من التحقيقات التي قام بها، والثانية أن يكون التقرير متضمناً خلاصات مبهمة أو قابلة للتأويل أو "مائعة". وتدعو المصادر اللبنانيين الى أن يستبعدوا بدورهم هاتين الفرضيتين ـ الإستحالتين.
وتلفت الى أن تقريراً لا يقول شيئآً أو يقول شيئاً مبهماً، سيُعدّ فشلاً ذريعاً لا تحتمله منظمة الأمم المتحدة في المرحلة الدولية القائمة. وتوضح أنه كان يمكن تصور عدم القدرة على تشكيل لجنة التحقيق الدولية أصلاً أو التأخر طويلاً قبل تشكيلها، لكن لا يمكن تصور أن تُشكل اللجنة وتُمنح كل الدعم الدولي لتفشل لاحقاً نظراً الى ما للفشل في هذا المجال من انعكاسات على المنظمة الدولية ودورها.
التقرير سيقول كلاماً واضحاً
ثانياً ـ وإذ تؤكد أن تقرير ميليس النهائي سيقول كلاماً "واضحاً" بشأن الجريمة الإرهابية التي هزت لبنان، تشدد المصادر الديبلوماسية المطلعة على ان التقرير لن يكون خاضعاً لـ"حسابات" سياسية معينة، لأن مهمة ميليس لا تتضمن إعطاءه حق تقدير الحسابات السياسية، فهو سيقول كلمته ويمشي، لتبدأ الحسابات السياسية بعد ذلك من جانب القوى الدولية، لكن تأسيساً على تقرير واضح.
ثالثاً ـ وإذا كان يستفاد مما تقدم أن المرحلة حتى صدور التقرير النهائي لا تحتمل صفقات أو تسويات، فان المصادر نفسها تلفت الى أن "الشغل السياسي" يبدأ فعلياً بعد ورود هذا التقرير الى مجلس الأمن الذي ينظر في كيفية التعامل السياسي مع نتائج التحقيق "القضائي" الذي ليس من شأنه أن يقوم بـ"إستدراكات" سياسية مسبقة. وبكلام آخر، ليس من مهمة ميليس أن يقدّر تداعيات نتائج التحقيق مثلاً فيقوم بـ"التخفيف"، وذلك بمعزل عن قدرته السياسية الشخصية في التحليل وتقدير الموقف.
"الشغل السياسي" يلي إعلان النتائج
رابعاً ـ ويستفاد مما تقدم أيضاً أن أي تعامل سياسي تصعيداً ضد "الفاعل" أو "الفاعلين" أو تسوية في هذا المجال أو ذاك، سيلي التقرير النهائي، وستدخل في الاعتبار عندئذ فقط المصالح السياسية للدول الكبرى.
وفي جميع الأحوال، ترى المصادر الآنفة أن لبنان بالتقرير النهائي لميليس سيدخل في دائرة التدويل، إما عبر مراقبة دولية لكيفية تعامله مع النتائج وإما عبر آلية متابعة دولية لهذا الموضوع وإما عبر القضاء الدولي.. وهذا ما سيتم تحديده تبعاً للأداء اللبناني الرسمي.
1614 ورأي الأمم المتحدة
في وجود قواتها في الجنوب
وفي الانتقال الى القرار 1559، تتوقف المصادر الديبلوماسية عند القرار 1614 الذي أصدره مجلس الأمن في تموز الماضي بمناسبة التجديد لقوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان، والمتضمن تشديداً على نشر الجيش اللبناني في الجنوب، وتسجل في هذا المجال الملاحظات الآتية:
1 ـ تعتبر الأمم المتحدة ـ والدول الكبرى أساساً ـ أن مطلب نشر الجيش في الجنوب ليس جديداً، لا بل كان في صلب القرار 425 الذي كان يدعو الى انسحاب اسرائيل واستعادة لبنان سيادته على أراضيه، والمهم أن هذا المطلب تكرر التأكيد عليه منذ العام 2000 بعد التحرير وفي امتداد اعتبار الأمم المتحدة أن القرار 425 قد جرى تنفيذه.
2 ـ وتضيف المصادر ان القرار 1614 مع ذلك لا يجوز التعاطي معه بوصفه قديماً ـ جديداً، بل ينبغي التعامل مع سياقه السياسي ـ الدولي الراهن.
3 ـ وفي هذا السياق، تبدأ المصادر بالإشارة الى جانب "تقني". فالأمم المتحدة تسعى منذ مدة الى سحب القوات الدولية من المناطق التي تعتبر أنها لم تعد بحاجة الى قوات دولية، ومن المناطق التي ترى أن المشاكل فيها باتت منتهية، وذلك تخفيفاً للأعباء المالية من ناحية ومن أجل حسن إدارة التواجد العسكري الدولي في العالم من ناحية أخرى. والحال ان الأمم المتحدة تعتبر أن "المشكلة اللبنانية" انتهت.
.. ليس بديلاً من 1559
4 ـ وفي الجانب "السياسي"، تنبّه المصادر الديبلوماسية من اعتبار القرار 1614 بديلاً من القرار 1559. وتذهب الى حد اعتبار ان الأول هو بمثابة جانب تنفيذي للثاني، أي أن تنفيذ الـ1614 يُفترض أن يقود الى تنفيذ الـ 1559، أو أن الـ1614 مدخل الى تنفيذ الـ1559.
وتعتبر أن "الفرصة" التي أعطيت دولياً للبنان لتنفيذ القرار 1559 عبر عملية سياسية لبنانية داخلية، لا يناقضها الـ1614 المشدِّد على نشر الجيش اللبناني في الجنوب، لأن انتشار الجيش جنوباً هو أيضاً جزء من "لبننة" تنفيذ القرار 1559، بحيث يكون الأمر حثّاً على امساك الدولة بزمام الأمور في الجنوب من جهة وحثّاً على الحوار اللبناني بشأن هذه الخطوة وما يليها من جهة ثانية.
بيدرسون: صلاحيات أوسع
5 ـ وتلفت المصادر الى أمر تراه في غاية الأهمية، وهو أن الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة غير بيدرسون ليس فقط ممثله في جنوب لبنان، بل بات ممثلاً لكوفي أنان في مجالات سياسية وإنسانية تنشط الأمم المتحدة ضمنها في لبنان، بما في ذلك أن بيدرسون يشرف باسم الأمين العام على اللجنة المكلفة التقصي عن الانسحاب السوري من لبنان. وتوضح أن توسيع صلاحيات بيدرسون وشمولها ميادين شتى، يعني أن لمهمته علاقة بالقرار 1559 وان القرار 1614 ليس بديلاً من الـ1559 وإن كان ملف القرار الأخير لا يزال حتى الآن في يد ممثل أنان لمتابعة تطبيقه تيري رود ـ لارسن.
صلوخ والقرى السبع
6 ـ وإذ تدعو الى التعاطي اللبناني الرسمي مع القرار 1614 بـ"جدية" مشيرة الى أن تكليف بيدرسون يقضي بالحوار مع الدولة اللبنانية لمساعدتها على اتخاذ القرار، ولافتة الى أن لا خلاف أميركياً ـ فرنسياً حول مسألة الجنوب اللبناني والى تقلص الاختلاف بشأن القرار 1559، تبدي المصادر نفسها استغرابها للديبلوماسية التي يعتمدها وزير الخارجية اللبناني فوزي صلوخ الذي "يرد" على ما يطرح دولياً بإثارة مطلب استعادة القرى السبع، لكأنما مزارع شبعا باتت في "الجيب" علماً أن البيان الوزاري للحكومة لا يطرح هذه المسألة كما تقول المصادر.
"اللبننة" لمنع "تزويج" القرارات الدولية
ماذا يعني اذاً أن يكون لبنان أمام استحقاقي تقرير ميليس من ناحية ومراجعة ما تم تطبيقه من القرار 1559 وفي سياقه القرار 1614,. من ناحية أخرى؟.
في تقدير أوساط سياسية أن قدرة لبنان على "لبننة" نتائج التحقيق الدولي أي التعامل معها بحكمة ورصانة وبعدم مواجهة "الشرعية الدولية"، كما قدرته على السير بـ"لبننة" الـ1559، ستحدّ ـ أي القدرة على "اللبننة" ـ من إمكان التدويل، ليس لأن لبنان هو الآن خارج "المظلة" الدولية بل لتجنب "صعيد تدويلي" مختلف. وتضيف ان محك "اللبننة" هو الحوار الداخلي الذي لا بد أن يقوم ثم أن يفضي الى موقف لبناني وطني عام يحدد وجهة التعاطي مع الاستحقاقين الدوليين المذكورين. ذلك ان الامتناع عن "اللبننة" أو "إمتناع اللبننة" سيقودان الى "تزويج" دولي للاستحقاقين وهذا ما لا مصلحة للبنان في حصوله.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.