غداً يصدرُ القاضي الألماني ديتليف ميليس تقريره "الإجرائي" المتضمّن الخطوات التي قطعها التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري من ناحية وتلك التي تمّ تعويقها من ناحية أخرى لينتهي الى تحديد موعد صدور التقرير النهائي المتضمّن القرار الاتهامي. وبحسب ما بات معروفاً لجهة أن ميليس سيطلُب تمديد مهمته لفترة بين أربعة وستة أسابيع، فإن التقرير النهائي الذي كان يفترض صدوره في 15 أيلول سيصدر بين 15 تشرين الأول المقبل و30 منه.
الفخّان
وعشيّة التقرير الإجرائي، يبدو من وجهة نظر أوساط سياسية عدة أن ثمة فخّين وقع فيهما كلّ من سوريا من جهة والرئيس إميل لحود من جهة ثانية: سوريا من زاوية رفضها التعاون مع التحقيق الدولي وفقاً لما نص عليه القرار 1595 الصادر عن مجلس الأمن المتعلّق بتشكيل لجنة التحقيق وصلاحياتها، وذلك عبر رفضها السماح لميليس باستجواب مسؤولين سوريين وهذا ما تتوقّع الأوساط السياسية أن يلحظه التقرير الإجرائي إن لم تسارع دمشق الى الموافقة في الساعات الأخيرة قبل التقرير.. ولحود من زاوية استمرار تمسّكه ببقاء قائد لواء الحرس الجمهوري العميد مصطفى حمدان في موقعه على الرغم من اعتباره مشتبهاً مِن قبل ميليس، لا بل إصرار لحود على اعتبار حمدان مقرباً منه والحديث عنه بوصفه مقرباً كما جرى في معرض ردّ إعلام القصر الجمهوري على صحيفة "الرأي العام" الكويتية أول من أمس والتي كانت أشارت الى احتمال عدم منح حمدان تأشيرة للدخول الى نيويورك في صحبة رئيس الجمهورية. وقد يلحظ التقرير الإجرائي الاشتباه بحمدان وقد لا يلحظُه.. قد يلحظُه إذا قدّر ميليس أن الاشتباه بحمدان يدخل في الخلاصات العملية لمهمة لجنة التحقيق خلال الفترة السابقة، وقد لا يلحظُه إذا قدّر أن الأمر يقتضي إدراجه من ضمن الخلاصات القانونية في التقرير النهائي.
لحود يتصرّف بوصفه متهماً
إن معنى ذلك واضح تماماً. فلبنان بين 26 آب الجاري، أي غداة التقرير الإجرائي وبين 30 تشرين الأول كحد أقصى لصدور التقرير النهائي، يدخل في صلب مرحلة سياسية حسّاسة وحاسمة الى حدّ كبير. وفي هذا الإطار يمكن فهمُ سلسلة التموضعات السياسية الجارية الآن حيال التقرير "النهائي"، وبشكل خاص ما يقدمُ عليه ما تبقّى من النظام الأمني وعلى رأسه لحود:
أولاً ـ يتصرّف هذا الفريق ـ ولحود على رأسه ـ بوصفه "مشروعَ متّهم" في التقرير "النهائي" لميليس، وهو لذلك يشنّ حملة "موارِبة" على التحقيق الدولي عنوانها الرئيسي "الإشاعات"، أي إشاعة أخبار حول خلاصات التحقيق الدولي.
أخطر الإشاعات لتحريض.. "حزب الله"
ثانياً ـ وأخطرُ الإشاعات على الإطلاق في هذا المجال، تلك التي سُرّبت منذ أيام وتنسبُ الى التحقيق الدولي أنه يحاول "تركيب" مسؤولية معيّنة لحزب الله، وأنه ـ أي التحقيق الدولي ـ "يخطّط" في معرض تحديد المسؤولية عن جريمة اغتيال الرئيس الحريري لـ"دمج" القرار 1559 وما يتعلّق منه بسلاح المقاومة بالقرار 1595، أي بكلام آخر محاولة تنفيذ القرار 1559 من خلال تنفيذ القرار 1595، وذلك مما من شأنه أن يؤدّي الى فتنة مذهبية في البلاد.
ثالثاً ـ وإذا كان الهدف من ذلك لا يخفى وهو محاولة جرّ "حزب الله" الى مواقف من التحقيق الدولي قبل ظهور نتائجه، كما أن الهدف هوَ محاولة "اكتساب" الحزب الى خانة سياسية محلية معيّنة، فإن هذه "الإشاعات" تناقض على طول الخط ما تعلنه الدول الكبرى من أن التحقيق الدولي محايد ولا تأثير لها عليه، وتناقض ما هو معروف عن ميليس لجهة كونه "مصفّحاً" إزاء أي تأثيرات عليه، لا بل تناقضُ ما تعتبر الدول الكبرى أنه يشكّل مصلحة لها في أن يكون التقرير "موضوعياً".. تماماً لأنها تستطيع توظيف تقرير "موضوعي" سياسياً أكثر من قدرتها على التوظيف السياسي لتقرير غير "موضوعي".
"النظام الأمني": الإيحاء بدمج 1559 و1595
رابعاً ـ وإذ يبدو من "الإشاعات" أن فريق ما تبقى من "النظام الأمني"، يحاول الإيحاء بدمج القرارين 1559 و1595 مِن ناحية والإيحاء بوظيفة دولية ـ أميركية للتحقيق من ناحية ثانية، فالملاحظ في الآونة الأخيرة هو انتقال لحود من أداء دور "النعامة" الى أداء دور "النسر المصاب"، أي انتقاله الى الهجوم. ويتجلّى ذلك أكثر ما يتجلّى في تعاطيه مع التعيينات، الأمنية والقضائية منها خاصة، حيثُ يعود الى سيرتِه الأصلية في التعطيل ويبدو ممعناً في إصراره على التمسّك بـ"الدائرتين" الرئيسيتين لممارسة "السلطة".
تفجيرات
خامساً ـ ويترافق ذلك كله مع حملة تهويل عنوانها أن الاستقرار والأمن مهدّدان، وعنوانها الآخر محاولة تكريس إزدواجية الحكم وذلك لإظهار الحكومة بمظهر عجز عن إدارة شؤون البلاد من ناحية ولاستنزافها من ناحية أخرى. وإذا كانت الأوساط السياسية تعتبر أن التفجير في منطقة الزلقا أول من أمس، إنما يندرج في خانة التهويل والتهديد بعدم الاستقرار، فإنها تحذّر من إمكان لجوء "النظام الأمني" الى خطوات تفجيرية كبيرة بعدَ 26 آب وقبل 15 أو 30 تشرين الأول استباقاً للتقرير النهائي، خصوصاً إذا كان هذا الفريق يعتبر نفسه متهماً سلفاً، وربما لن تكون هكذا خطوات تفجيرية "عبثية" بل هادفةً الى "انقلاب أمني" ما على الوضع السياسي.
سوريا.. واحتمال "بيع" لحود
في هذا المناخ السياسي حيث يعود لحود الى "الهجوم" في مواجهة احتمالات التقرير النهائي لميليس وفي الفترة الفاصلة عن صدوره، تلفتُ الأوساط نفسُها الى أمرٍ ترى أنه في غاية الأهمية. فهي ترى أن لحود إذ يستندُ الى دعم سوري، يتجاهل "حقيقة" أن سوريا ستكون مستعدّة لـ"بيعه" ومهيّأة له في الحالات الثلاث "الطبيعية" الآتية: الأولى عدم إشارة التقرير النهائي عن نتائج التحقيق الدولي الى مسؤولية سورية، والثانية تقدير سوريا أنه بصرف النظر عن نتائج التحقيق يُمكنها السعي الى تسوية ما، والثالثة إذا قدّرت سوريا أنّ "شلح" لحود يمكن أن يفتح الطريق أمام بحث ما في تسوية ما. وفي جميع الحالات يكون مصير ما تبقّى من رئاسة لحود مطروحاً بكل معنى الكلمة.
جنبلاط وأسباب تجديد الدعوة الى تغيير لحود
وفي هذا المناخ السياسي نفسه، وفي ظل التموضع الإلزامي الذي تحتّمه الأوضاع ومن ضمنها تقرير ميليس، لم يخطئ وليد جنبلاط في إثارة موضوع رئاسة الجمهورية قبلَ يومين، على الرغم من أن تحريكه المسألة بدا ردّاً على كلام رأى صاحبه أن العماد ميشال عون مرشّح موضوعي الى الرئاسة.
فالزعيم الاشتراكي الذي لم يتخلَّ عن دعوته الى استقالة لحود أو إقالته حتى عندما تجاوز عملياً هذه الدعوة في ظرف محدّد، إنما يعودُ الى طرح هذا العنوان في لحظة انتقال لحود الى الهجوم مجدداً، وفي لحظة يثبت بالملموس أن لحود يسعى الى قطع المسار السياسي التغييري في البلاد، وفي لحظة يقطعُ لحود عملية انتقال السلطة الفعليّة الى الحكومة التي أتت تتوّج الانتخابات النيابية.
ثمة سببٌ دستوري أول إذاً بالنسبة الى جنبلاط، هو أن لحود "يعود" الى الممارسات التي تشكّل خرقاً للدستور. بيدَ أن ثمة سبباً سياسياً ـ وطنياً، هو أن لحود الذي لا يُخفي تصرّفَه بوصفه "مشروعَ متّهم" في التحقيق الدولي، يستعدّ لـ"اختبار قوة" ما "ضدّ" المجتمع السياسي اللبناني من جهة، ويعتبر (أي لحود) أنه يمكنه الاستمرار في موقعه أياً تكن نتائج التحقيق وحتى لو كان مسؤولاً بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الحدث الذي زلزلَ لبنان.. من جهة ثانية.
وإلى السبب الدستوري والاعتبار السياسي ـ الوطني اللذين يشكّلان مادة الدعوة الى استقالة لحود أو إسقاطه، كان جنبلاط محقّاً في التشديد على أن الرئيس المقبل يجب أن يكون من اختيار "اللقاء الديموقراطي" و"تيّار المستقبل" و"قرنة شهوان" و"القوّات اللبنانية" و"أمل" و"حزب الله".
وحتى لو كان صحيحاً أن الزعيم اللبناني استدرك ذكر "أمل" و"حزب الله" في النصّ المعمّم لخطابه المرتجل الذي لم يورِد هاتين القوتين السياسيّتين، فالأصحّ هو أن هذا الاستدراك يعكس وعياً بأهمية العلاقة معهما، وجنبلاط لم يفعل حتى في استدراكه سوى أن يؤكد ما هو قائم ومعمول به أصلاً. غير أن حملة "النظام الأمني" على هذه النقطة بالتحديد كشفت مرة أخرى أن "الخطّة" تقضي بإحداث "شرخ" وطني.
الرئيس المقبل بين حلفاء 14 آذار والشركاء
على أي حال، تعرب الأوساط السياسية عن اعتقادها أن اتفاقاً يجب أن يقوم بين حلفاء 14 آذار أوّلاً ثم بينهم وبين "أمل" و"حزب الله" كشريكين رئيسيين على أمرين، أولهما الانتهاء من لحود والثاني بديلُه، تماماً لأن الرئيس الجديد لا بدَ أن يكون محصّلة توافق وطني. وتقول الأوساط أن رئيساً يختارُه كل هؤلاء يجب أن يحظى بتأييد الكنيسة والبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير من جهة، وبدعم القوى والشخصيات المسيحية التي كان "لقاء القرنة" يضمّها من جهة أخرى، وذلك من أجل عدم ترسيخ فكرة خاطئة يعمّمها "النظام الأمني" وفريقٌ مسيحي نافذ ومفادُها أن "الآخرين"، أي المسلمين، يختارون للمسيحيين من يمثّلهم.
على أن الاستعداد للأسابيع المقبلة حيث من المؤكد أن مصير رئاسة لحود سيكون على جدول الأعمال، يقتضي تجديد تحالف 14 آذار و"تشديده"، ولا يجوز أن يغيب التنسيق، ولا مفرّ من تجديد "المشروع السياسي" وتحديده، إذ لا يجوز أن "يسقط" تقرير ميليس على وضع مفكّك للغالبية النيابية ولا يعقل ألاّ تكون اللحمة قوية بين أطراف هذا التحالف في لحظة هجوم خطير يشنّه لحود وفريقه داخل الحدود وخارجَها، خصوصاً إذا أدرك الجميع أن تقرير ميليس سيشكّل مادةً لقرار دولي جديد مما يتطلّب توازياً بين الموقف الداخلي والموقف الدولي.
هي أسابيع قليلة يجب عدم استنزافها.. بالانتظار، بالضبط لأن هذه الأسابيع إمّا أن تنتهي بنهاية "النظام الأمني"، وإمّا أن يلتقط هذا "النظام" أنفاسه لبعض الوقت وينقضّ على اللبنانيين. وهي أخيراً أسابيع قليلة ليتمّ تأكيد أن التحقيق الدولي سيدفع اللبنانيين الى التوحّد واجتياز "الامتحان الأصعب".. ولذلك فإن البلاد ستكون بحاجة الى انتفاضة متجدّدة وموحّدة أكثر هذه المرة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.