8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الأسباب التي تجعل مصير الوضع السياسي معلقاً على تقرير ميليس

ليس خافياً على أحد في هذه الأيام ان مصير مجمل الوضع السياسي اللبناني معلق على النتائج التي سوف يتضمنها التقرير النهائي لرئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس وانه في انتظار هذا التقرير لن يستطيع لبنان الخروج من المرحلة الانتقالية التي يجتازها للدخول في مرحلة جديدة حقاً. لماذا؟
الحقيقة
أولاً ـ لا شك ان اللبنانيين جميعاً الذين طالبوا بمعرفة الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ينتظرون بفارغ الصبر هذه الحقيقة، ويعتبرون ان تقرير ميليس سيعلنها مدوية. والحقيقة، على هذا الأساس، ليست مطلباً لعائلة الرئيس الحريري وتياره السياسي وحسب، انما هي مطلب كل مكونات الاجتماع السياسي اللبناني، وهي العنوان الذي ظلّل انتفاضة 14 آذار، كما كانت أحد عناوين تحرك 8 آذار أيضاً.
ثانياً ـ وكلما اقترب موعد الإعلان عن الحقيقة، ساد اقتناع راسخ في الوسط السياسي بأن ما بعد إعلانها غير ما قبله في السياسة، وبأن الإعلان سيشكل مفصلاً سياسياً "استراتيجياً". ذلك ان تحديد المسؤوليات السياسية والجنائية عن الجريمة، لا بد أن يترك إنعكاسات وتداعيات عدة.
ثالثاً ـ فإذا تضمّن تقرير ميليس تعييناً لمسؤولية سورية سياسية ـ أمنية في الحدث الذي زلزل لبنان أو تضمّن إشارة واضحة إلى مسؤولية النظام الأمني في لبنان بهرميته السياسية، أو لفت إلى مسؤولية مشتركة سورية ـ لبنانية، فإن ذلك يضعُ الوضع السياسي أمام مفترق.
احتمالات المسؤوليات واحتمالات ردود الفعل
ومن حيث المبدأ، يعتبر كثيرون في الوسط السياسي ان النتائج التي يمكن أن تترتب على تقرير يتضمن تحديدات من هذا القبيل ليست أقل من الآتي:
1 ـ إذا أثبت ميليس ان ثمة مسؤولية سورية، فمعنى ذلك ليس فقط ان العلاقات اللبنانية ـ السورية عادت لتدخل في نفق شديد الظلام، بل معناه ان سوريا ستكون مكشوفة أمام ضغوط خارجية كبيرة لم يكن ثمة ما يشبهها من قبل.
2 ـ يمكن للتقرير إذا أثبت مسؤولية سوريا وفي ظل الضغوط الخارجية المتوقعة في هذه الحالة على النظام في سوريا، أن يستخدم خارجياً ـ وأميركياً بشكل خاص ـ في أحد اتجاهين: إما لـ"ترويض" النظام في دمشق وصولاً إلى أخذ التنازلات المطلوبة منه وإما لفتح صراع على النظام. لكن النظام السوري قد يندفع في اتجاه "المواجهة" إما لتحقيق تسوية ما مع الوضع الدولي وإما تحت عنوان أن لا خيار آخر سوى المواجهة، وفي جميع الأحوال يجب الانتباه إلى ان لبنان لن يكون بمنأى عن "المواجهة السورية".
3 ـ وإذا أثبت ميليس ان ثمة مسؤولية سياسية ـ أمنية لبنانية أو أن ثمة مسؤولية سورية ـ لبنانية مشتركة أو حتى سورية صرفة، فإن مصير النظام الأمني في لبنان الذي لم ينته حتى الآن سيكون مطروحاً بقوة. وإذا كان من طالبوا بمعرفة الحقيقة عن جريمة اغتيال الرئيس الحريري سيسارعون في هذه الحالة الى المطالبة بسقوط النظام الامني نهائياً، فليس غريباً ان يسعى هذا النظام الامني بما أوتي من وسائل الى الدفاع عن وجوده، ما يدخل البلاد في صراع محتدم جديد.
وقع التقرير انفجاري؟
4 ـ والغاية من كل هذه المقدمات والافتراضات هي فضلاً عن القول ان ما بعد تقرير ميليس غير ما قبله، لفت النظر الى ان الحقيقة ستبقى مطلوبة وان كشفها افضل بكثير من ابقائها طيّ الكتمان.
بيد انه كما يمكن للتقرير الكاشف للحقيقة ان يمر بسلام، اي ان "يفهم" من جرى تحميله المسؤولية مسؤوليته لتسير الاوضاع بـ"أقل" توتر ممكن، فإنه يمكن ان يكون للتقرير وقع "انفجاري"، وهذا هو الارجح.
5 ـ لذلك، يجمع الوسط السياسي على اعتبار ان بلداً مرشحاً لان تدور على ارضه ومن حوله صراعات شتى، وان بلداً لا تزال وجهة سياسته وقضاياه غير محسومة، انما هو بلد لا يزال في مرحلة انتقالية بالغة التعقيد، فضلاً عما تحمله هذه الوقائع من مخاوف امنية او من احتمالات فرز يناقض ما جرى السعي الى تجاوزه وما تم النجاح في بعضه في الفترة الاخيرة بعد الانتخابات.
المعادلة الراهنة: تعايش بين "النظام" و"الحكومة"
رابعاً ـ واذا كان الهدف من كل ما تقدم هو الاضاءة على الاعتبارات التي تجعل مصير مجمل الوضع السياسي اللبناني معلقاً على النتائج التي سوف يتضمنها تقرير ميليس، فان أولى الخلاصات السياسية التي لا بد من استيعابها بالنسبة الى طبيعة الظرف السياسي الراهن، هي ان لبنان في المرحلة الانتقالية التي لا يزال ضمنها انما يعيش سياسياً في ظل "تعايش قسري" بين نظام قديم لم ينته بعد ويستمر نفوذه في الأمن وفي القضاء ويستمد قوة من الضغط السوري المتعدد الوسائل على التوازن السياسي "الجديد" وبين غالبية انتجتها الانتخابات نجحت في الوصول الى الحكم لكنها لا تزال غير ممسكة بمقاليد السلطة، الامر الذي يجعل النظام السياسي في حال من "الثنائية" او "الازدواجية" المقلقة ما يؤدي الى بقاء البلد "مكربجاً".
كيف لا يتم الاستسلام؟
خامساً ـ وهنا تسأل اوساط عدّة: هل ينبغي الاستسلام الى الواقع الراهن وهل ثمة ضرورة لانتظار تقرير ميليس الذي يمكن ان يصدر بعد شهر ونصف او شهرين على الرغم من ان تقريره الاجرائي الاسبوع المقبل سيفرض وتيرة متسارعة لهذا الموضوع، وماذا يمكن أن يُعمل في هذه المرحلة الفاصلة؟.
وهنا تعربُ الاوساط عن اعتقادها ان الظروف التي يعيشها لبنان قبل التقرير والتي يمكن ان يعيشها بعده تفرض العمل على مجموعة من الخطوط في آن معاً:
أ ـ على مستوى الحكومة اولاً حيث لا بد لها ان تكسر شيئاً فشيئاً وبسرعة تلك "الثنائية" او "الازدواجية" على مستوى السلطة الفعلية، الامر الذي يقتضي منها الاسراع في التعيينات لا سيما الأمنية والقضائية منها كي تضمن خضوع الامن للقرار السياسي في لحظة يبدو أن ثمّة احتمالاً كبيراً ليس فقط لـ"التلاعب" بالامن بل لإعادة وضعه في وجه السياسة بوسائل شتى.
ب ـ إعادة الاعتبار للعلاقة والتنسيق بين حلفاء 14آذار. ذلك ان ثمة أساساً موضوعياً طالما ان انجاز الاستقلال واستعادة السيادة لم يتما بالكامل، وطالما ان الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ستعيدهما الى الواجهة وقد يكون ثمنهما كبيراً وأكبر من الثمن الذي دُفع حتى الآن.
ج ـ الاجتهاد لتحصين الوحدة الوطنية الداخلية ما يقتضي كلاماً صريحاً مع الشركاء في الحكومة لا سيما "امل" و"حزب الله" ترسيخاً للعلاقة الإسلامية ـ الإسلامية وللعلاقة الإسلامية ـ المسيحية.
المجتمع الدولي واستعداده لدعم سيادة لبنان
د ـ وثمة جانب سياسي ـ ديبلوماسي بالغ الأهمية، يتمثل في ان المجتمع الدولي مستمر في قراره دعم لبنان بعد التطورات التي شهدها في الشهور الماضية.
وفي هذا المجال تلفت مصادر ديبلوماسية غربية إلى ان الدول الكبرى تعترف بأن لبنان استعاد بخروج سوريا من لبنان شطراً رئيسياً من سيادته لكنه لم يستعد سيادته كاملة باستمرار التدخلات في شؤونه من جهة وبعدم سيطرته على كامل أراضيه من جهة ثانية. وتقول ان الدول الكبرى بما فيها الولايات المتحدة "تفهمت" الحاجة اللبنانية إلى عملية سياسية ذاتية لاستعادة السيادة، لكنها ـ أي الدول الكبرى ـ لا تزال مستعدة للمساعدة السياسية إذا طلبت منها لا سيما لإشعار من يعوّق تقدم لبنان على المسارات المتلازمة الاستقلال ـ الإصلاح ـ الديموقراطية، بأن هذا البلد ليس متروكاً.
وتضيفُ المصادر الديبلوماسية الغربية ان ثمة مناسبتين دوليتين على الأقل يمكن أن تشكلا فرصة لإعادة إسماع الصوت الدولي الايجابي لمصلحة لبنان: مناسبة مراجعة ما تم تطبيقه من القرار 1559، ومناسبة تقرير ميليس. وتلفت إلى ان المجتمع الدولي لا يقصر اهتمامه بلبنان في هذا المجال فقط، فثمة في أيلول المقبل اجتماع لبناني ـ دولي للاستماع إلى البرامج الإصلاحية للحكومة ومتطلباتها، كما ان وفداً من الكونغرس الأميركي يزور بيروت آخر شهر آب الجاري للاستماع إلى آراء اللبنانيين.
إذاً، ثمة حاجة لبنانية إلى هذا الجانب السياسي ـ الديبلوماسي الذي يمكن إذا أُحسن التعاطي معه أن "يوازن" بشكل أو بآخر التطورات الأخرى.
من هنا، ترى الأوساط السياسية ان كون مصير مستقبل الوضع السياسي معلقاً على تقرير ميليس لأسباب عدة، يجب ألا يدفع في المقابل إلى جعل الوقت الفاصل عن صدور هذا التقرير وقتاً ميتاً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00