8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لحوّد "يستنجد" بالبطريرك مخطئاً باصطحاب حمدان معه

من متابعة أداء رئيس الجمهوريّة إميل لحوّد خلال النصف الثاني من ولايته الأولى ثمّ بعد التمديد يتبيّن للأوساط السياسيّة المختلفة انّه كلما كان لحود في دائرة التوتر السياسيّ أو كان في دائرة التهيّؤ لصراع ما مع أحد ما، تعود إليه "صحوته" المارونيّة فيلجأ إلى البطريرك المارونيّ نصر الله بطرس صفير، وهو الذي "طبَل" الدنيا في السنوات الأولى من عهده بالقول أنّه ليس طائفياً ولا يمثّل طائفةً بعينها.
في 15 آب 2004، وفي "عزّ" معركة رئاسة الجمهوريّة آنذاك وقبل أيّام من الإعلان السوريّ عن القرار المأخوذ بالتمديد له في وجه المجتمع السياسيّ اللبناني والمجتمع الدوليّ في آن، زار لحود الديمان باسم المشاركة في افتتاح غابة البطاركة الموارنة، ولكنه في واقع الأمر كان في صدد السعي إلى تغطيةٍ بطريركيّة للتمديد.
وينبغي التذكير هنا بأنّ محاولة لحوّد الحصول على تغطية من سيد بكركي لتمديد ولايته باءت بالفشل في حينها، ولم يستطع عبر "استخدام" الحفاوة البروتوكوليّة التي أحاطه بها البطريرك، الإيحاء بالنجاح. ذلك أنّ مجلس المطارنة الموارنة في أوّل أيلول 2004 توّج مواقف البطريرك ببيان ـ نداء يعلن رفض تعديل الدستور ويدعو نواب الأمة إلى تحكيم ضمائرهم.
استنجد لحود بصفير ولم يكن في وسع صفير النجدة أمام انتهاك صارخ للدستور وروحه وأمام الكشف الخطير لموقع الرئاسة الذي يؤدي إليه التمديد خلافاً للدستور وللإرادة اللبنانيّة، وأمام ذروة التفريط السوريّ بلبنان.
بعدَ عام على التمديد.. التقرير
في 15 آب 2005، أي أوّل من أمس، وبمناسبة عيد انتقال السيدة العذراء وفي ذكرى مرور عام على افتتاح غابة البطاركة، زار لحود الديمان ثانية وأقام فيه ثماني ساعات واختلى بالبطريرك ولخص المكتب الإعلامي في القصر الجمهوريّ فحوى الحوار مع صفير فيما سربت "أجواؤه" أنّ البطريرك الكاردينال جدّد رفضه التعرض لمقام الرئاسة.
وهنا تسأل الأوساط: إذا كان لحود في 15 آب 2004 هرع إلى الديمان من أجل تغطية التمديد، فما هو العنوان الذي من أجله كان حثّ الخطى على طريق الديمان في 15 آب 2005، لا سيّما أنّ ذلك ترافق مع كلام عن موقع الرئاسة ومقامها وفي لحظة يبدو لحود أقلّ استهدافاً من ذي قبل، الآن على الأقل؟
وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال وباستحضار "تاريخ" العلاقة بينه وبين بكركي والذي يفيد أنّه يتوجّه إلى الكنيسة كلّما دعت "الحاجة"، تلفت الأوساط السياسيّة المتابعة إلى أن لا عنوان سياسيّاً داهماً يمكن أن يُدخل الرئيس لحوّد في دائرة التوتّر أو أن يمثّل له حاجة ملحة للتشاور، باستثناء التقرير المنتظر للمحقّق الدولي ديتليف ميليس في غضون أسابيع قليلة.
تغطية.. حماية.. ماذا؟
وتسأل: هل تناهى إلى مسامع لحود "شيء ما" عن التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري يشير( لا سمح الله) إلى مسؤوليّة ما له في هذا الحدث ـ الزلزال أو أنّ ثمّة مسؤوليّة تقع على مقرّبين منه وظيفياً من شأنها أن تذهب إليه تسلسلاً إذا اعتمدت قاعدة الهرميّة في المسؤولية؟
وإذ تلاحظ أنّه كان أجدى بالرئيس لحوّد عدم الذهاب إلى الديمان بـ"مرافقة" من قائد لواء الحرس الجمهوريّ العميد مصطفى حمدان الذي سبق لميليس أن اعتبره "المشتبه الوحيد" حتى الآن في ملف جريمة اغتيال الرئيس الحريري، فإنّها تسجل أنّ في هذه الخطوة ـ مرافقة حمدان له ـ إحراجاً للبطريرك وإساءة لموقعه، في وقت يصرّ لحود على تغطية رئيس حرسه رغم الشبهات حوله.
التحقيق الدوليّ غير قابل للتحويل مسألة طائفية
على أنّ الأوساط نفسها وإذ تعتبر أنّ لحود يستطيع إلى حين صدور تقرير ميليس المتضمن نتائج التحقيق بالجريمة مخاطبة البطريرك بـ"فرضيّة" أنّ ثمة "مؤامرة" على "الرئاسة المارونيّة"، ترى في المقابل أنّ رئيس الجمهوريّة إذا جاءت نتائج التحقيق متضمنة تحميلاً له لمسؤوليّة ما (لا قدّر الله) لن يستطيع استنفار أي عصبيّة مارونيّة. وبكلام أوضح لن يستطيع انتزاع موقف بطريركيّ يحميه في هذه الحالة، لأنّ المسألة عندئذ لا تتعلّق لا بحقوق الموارنة ولا بـ"كرامتهم" ولا تطرح موضوع "تضامنهم"، إنّما تتعلق (لا سمح الله مرة أخرى) بمشاركة ما لرئيس مارونيّ في اغتيال رئيس وزراء مسلم، وهذا الأمر لا ينطبق على المرجعيّة الدينيّة فقط إنّما يشمل جميع التيّارات والشخصيّات السياسيّة أيضاً.
إذاً في الإجابة عن سؤال ماذا عند لحود في 15 آب 2005، تقول الأوساط المتابعة إنه إذا كان صحيحاً أنّ ثمة قضايا سياسيّة كثيرة يمكن للحود أن يناقشها مع البطريرك، فالصحيح أيضاً أنّ عدداً كبيراً منها يمكن مناقشته عبر موفدين، وهو ليس من النوع الذي يستدعي إقامة أكثر من نصف يوم عمل في الديمان لولا أنّ البحث من طبيعة "استراتيجية" بالنسبة إلى لحود، أي يتصل بـ"تغطية" ما أو "حماية" ما في لحظة سياسيّة تُعدُّ مفصليّة.
الحملة "السياسية"
والحماية "المعنوية"
وفي السياق نفسه، وإذ تلفتُ إلى أنّ أداء لحود ينطوي في الظاهر على مفارقة الاهتمام "الشديد" بـ"غطاء بكركي" في مقابل الاهتمام "الأقل" بالعلاقة مع القوى والتيّارات السياسيّة، تسارع الأوساط السياسيّة المتابعة إلى توضيح نقطتين سياسيتين رئيسيتيّن من وجهة نظرها:
الأولى، هي أنّ لحود خاصة بعد تأليف الحكومة يمارس سياستين متلازمتين: سياسة "تقطيش القرّيعة" كما يقال حيال عدد من المواضيع التي "يمرّر" منها ما لا يرى أنّه يستحق المعاندة من جهة، وسياسة "الاتكال" على "التسويات" والمراهنة عليها في المواضيع الرئيسيّة كالتعيينات مثلاً من جهة أخرى.
أمّا الثانية فهي أنّ لحود يتصرّف على أساس انّ حمايته السياسية المباشرة أو غير المباشرة يؤمنها العماد ميشال عون الذي "حجز" بالتوازن الذي يقوم الآن على الساحة المسيحيّة البحث في رئاسة الجمهوريّة حتّى إشعار آخر. وبهذا المعنى فإنّ لحود الذي يتصرف على أنّه ضامن للحماية المسيحيّة "السياسيّة" من عون، يسعى إلى الحماية المسيحيّة "المعنويّة" من بكركي، مع العلم أنّ عون في دفاعه عن الأجهزة الأمنيّة تحت عنوان أنّ المسؤوليّات فيها فرديّة، يبدو حتّى الآن على الأقل وقبل الإعلان عن نتائج التحقيق الدوليّ مستعداً لتشكيل "حاجز" أمام لحود، طالما أنّ الأمر بعد نتائج التحقيق سيكون غير ما قبلها.
الحكومة وضرورة الإمساك بالسلطة
وتعرب الأوساط عن اعتقادها أنّ لحود "الكامن" بشكل "عام"، يستعدّ بأفق تقرير ميليس، وهو لن يبقى على "كمونه" هذا بعد التقرير أيّاً يكن "القرار الظني" الذي سيحمله.
ولذلك، تعتبر أنّ المهلة الفاصلة عن موعد صدور التقرير النهائي والذي سيحدّده (الموعد) التقرير الإجرائي في 25 آب الجاري، يجب ألاّ تكون وقتاً ضائعاً، أي أنّه لا بدّ أن تسرع الحكومة إلى إقرار التعيينات الأمنيّة والقضائيّة بالدرجة الأولى بحيث تتمكّن السلطة السياسيّة الإجرائيّة الدستوريّة من الإمساك بزمام الأمور. وتضيف أنّ انطلاقة الحكومة في برنامجها الإصلاحي المتعدّد الجوانب مرهونة بعدم بقاء الأفق السياسيّ مغلقاً، وعدم بقاء الأفق السياسيّ مغلقاً يعني "السيطرة" على مفاصل السلطة من دون "تسويات" تضيّع كل مجهود ترتيب "البيت اللبناني".
الجواب الماروني.. في ضوء التقرير
وبالعودة إلى نقطة البداية، تختم الأوساط بالقول أنّ الجواب على زيارة لحود إلى الديمان في 15 آب 2004 لم يتأخّر وصدر في أوّل أيلول 2004 رفضاً للتمديد، وقد يتأخر الجواب البطريركي على زيارة 15 آب 2005 بضعة أسابيع وسيكون رهناً بمضمون تقرير ميليس، وليس بأي تفسيرات له.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00