8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

التوجّهات السورية استعداداً لـ"استقبال" تقرير ميليس

خلال الأيام الماضية، ومع اقتراب المحقق الدولي ديتليف ميليس من إنجاز مهمته، تسربت مِن دمشق عبر لبنانيين مستمرين على ولائهم لسوريا، ملامح توجهات سورية للتعاطي مع نتائج التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وفي هذا المجال ينقُل سياسيون لبنانيون عائدون من العاصمة السورية التوجهات الرئيسية الآتية:
أولاً ـ تعتبر القيادة السورية أن التحقيق الدولي ذو طبيعة سياسية وأن نتائجه سياسية أيضاً، أي أن "القضاء الدولي" مسيَّس وليس غرضُه كشف الحقيقة في الجريمة الإرهابية التي استهدفت أحد أبرز أركان لبنان، إنما غرضُه خدمة المصلحة الأميركية في هذه اللحظة.
ثانياً ـ وبناء عليه، ترى القيادة في دمشق طالما أن للتحقيق وظيفةً سياسية كما تعتقد، أن تقرير ميليس عند صدوره سيعكس واقع العلاقة السورية ـ الأميركية، فإذا كانت هذه العلاقة "جيدة" قبيل صدور التقرير، فإنه لن يتضّمن اتهاماً لسوريا بالمشاركة في جريمة اغتيال الحريري تخطيطاً أو قراراً أو تنفيذاً، وسيذهب عندئذٍ إما باتجاه حصر المسؤولية عن هذه الجريمة في المدار اللبناني أي في أجهزة أمنية لبنانية معينة والمسؤولين السياسيين المباشَرين عنها، وإما باتجاه "تلبيس" الجريمة لمجموعة أصولية ما بما يؤكّد "نظرية" العملية الانتحارية. أمّا في حال لم تشق العلاقة السورية ـ الأميركية طريقها نحو التحسن قبيل التقرير، فإن التحقيق الدولي سيوجه أصبع الاتهام الى سوريا.
ثالثاً ـ وتمهيداً للتعاطي مع التقرير في حال تضمن اتهاماً لسوريا، بدأت دمشق مباشرةً تارةً وعبرَ لبنانيين موالين لها تارةً أخرى، التشكيك في صدقية ميليس تحت عنوان أنه استعانَ بإسرائيل وحصلَ منها على معلومات معينة، ومن الطبيعي عندما تدخُل إسرائيل على الخط أن يكونَ هدفُها مصلحتُها فقط، وذلك على الرغم من نفي القاضي الدولي ما نقل عنه لجهة الاستعانة بإسرائيل.
دمشق لا تستبعد تسوية مع أميركا تسبق التقرير
رابعاً ـ بيدَ أن القيادة في دمشق، والتي ـ كما يظهر مما تقدم ـ لا تستبعد احتمال أن يسبق تحسنٌ في العلاقة بواشطن التقرير بنتائج التحقيق، تتحدث (القيادة) عن إمكان التوصل خلال الأسابيع الفاصِلة عن موعد التقرير الى تسوية سورية ـ أميركية تتضمن تفاهماً حول الأوضاع في سوريا ولبنان والعراق، مما يبعدُ التهمة عن سوريا في اغتيال الرئيس الحريري عندئذٍ. إلاّ أن القيادة السورية التي تدرك في الوقت نفسه أن احتمال التسوية ضئيل، "تتسلح" بتقدير مفادُه أنه حتى لو اتهم التحقيق الدولي سوريا بإيعاز من الولايات المتحدة، فإن الإدارة الأميركية لن تستطيع الإقدام على "شيء" ملموس، وهي التي تعاني مأزقاً في العراق، وتصبح بعد بضعة أشهر مشلولةً بفعل دخول الإدارة في "المقلب الثاني" من ولايتها.
خامساً ـ في هذا الإطار، ينقل اللبنانيون ـ السياسيون ـ الموالون لسوريا أن القيادة في دمشق التي وبالمحصلة تقرأ التحقيق الدولي بوظيفة سياسية أميركية، تعتبر أن ثمة استهدافاً للنظام بالمباشَر من ناحية أو مِن لبنان من ناحية أخرى، طالما أنه (التقرير) سيؤشر في حده الأدنى الى مسؤولية النظام اللبناني الأمني الذي استولدته سوريا في لبنان وحكمت عبره.
سادساً ـ لذلك، تبدي هذه القيادة اهتماماً استثنائياً بالوضع اللبناني، بهدف إقامة نوع من "الشبكة الدفاعية" السياسية عن النظام السوري، في لبنان، وذلك من منطلق جعل "المعركتين" معركة واحدة من ناحية وتحويل لبنان الى "متراس" دفاعي متقدم من ناحية ثانية.
.. تعتبر جنبلاط رأس حربة وفكّ
تحالفه مع الحريري وهم
سابعاً ـ في هذا السياق تهتم دمشق بالمواقع الطائفية في لبنان. وهي تعتبر أن رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط كان ولا يزال "رأس الحربة" في مواجهة سوريا، وأن "فكّ" التحالف بينه وبين رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري، وهمٌ. ويقولُ اللبنانيون الموالون لسوريا أنه كان في "خطتها" استجلاب الحريري إليها بمختلف الوسائل المتاحة ولكن ذلك لم يبدُ ممكناً في أي لحظة، ويضيفون أن لدى سوريا قناعةً بأن مواقف جنبلاط من الولايات المتحدة ليست ناجمةً عن اعتراض على السياسة الأميركية بقدر ما هي ناتجة عن كون واشنطن لا تقدم له "الحماية".
العلاقة بعون من وجهة نظر سوريا
ثامناً ـ في المقابل، أي في مقابل هذا "التعقيد" الذي تراه في العلاقة مع الحريري والسنّة ومع جنبلاط والدروز، تجتهدُ القيادة السورية لتحقيق اختراق رئيسي مارونياً. وعلى ذمة السياسيين اللبنانيين الموالين لسوريا، فإن دمشق مهتمة بتوثيق العلاقة مع "التيار الوطني الحر" وقائده النائب العماد ميشال عون، وقد بدأ هذا الاهتمام حتى قبيل عودة عون من المنفى، وقد استقبل أحد أركان النظام اللواء محمد ناصيف في الآونة الأخيرة عضو قيادة "التيار" جبران باسيل مرتين برفقة الوزير السابق وئام وهاب، على ما يؤكد السياسيون الموالون لسوريا مضيفين أن باسيل عقد في بيروت أكثر من اجتماع تنسيق مع "قنوات" متصلة بدمشق أبرزها النائب السابق ناصر قنديل.
ومن وجهة النظر السورية، لا بد من الاستفادة مِن معطيين يمثلهما "التيار العوني": الأول هو أن العماد عون يشكّل حالياً الجهة الأكثر تمثيلاً في البيئة المسيحية ـ المارونية، والثاني هو أن عون أطلقَ منذ عودته الى البلاد عنواناً سياسياً مفادُه أن سوريا باتت في سوريا ولم تعد ثمة مشكلة معها. وإذ تقوم وجهة النظر السورية على الاستفادة من المعطيين السالفَين، تتجه الى "دغدغة" فكرة تقول أن المسيحيين في لبنان لن يحصلوا على ما يريدون ولن يكون التوازن مؤاتياً لهم بالعلاقة مع المكونات اللبنانية الأخرى، إنما بالعلاقة مع سوريا، ما يستدعي إحياء الثنائية المارونية ـ السورية، كما تتجه وجهة النظر السورية أيضاً الى محاولة "دغدغة" مطلب عون الرئيسي أي رئاسة الجمهورية... ودائماً على ذمة السياسيين اللبنانيين الموالين لسوريا.
ويضيف هؤلاء أن مشروع "اللقاء السياسي" الذي جرى تداوله في الآونة الأخيرة بعد الانتخابات، مروراً بـ"لقاء بقاعصفرين" وصولاً الى زيارة الرئيس عمر كرامي الى الرابية الأسبوع الماضي، إنما يقعُ في هذا الإطار، إطار إحاطة "الزعيم الماروني" بتحالفات تمثل امتدادات لسوريا في عدد من الطوائف.
.. والعلاقة بالشيعة
تاسعاً ـ وينقلُ الموالون لسوريا أن دمشق تعتبر أن علاقتها راسخة بالتحالف الشيعي بين "حزب الله" و"أمل"، وأن تحالفَ الحريري ـ جنبلاط لا يمكنُه أن يخرج من العلاقة بالثنائية الشيعية، ولا يمكنه المجازفة بـ"التناقض" معها في جميع الأحوال.
مِن كل ما تقدم منقولاً على ألسنة سياسيين لبنانيين عائدين من دمشق ومكلفين بمهمات معينة، تستنتج أوساطٌ لبنانية عدة مجموعةً من الخلاصات:
1 ـ إذا كان ممّا لا شك فيه أن تقرير ميليس بنتائج التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري يشكّل استحقاقاً لبنانياً داهماً وفقَ كل المقاييس، فإن دمشق التي تعي أنه "يمكن" أن يستهدفها، إنما تستعد له على قدم وساق، تشكيكاً بصدقيته من جهة، لكن "مواجهةً" لمفاعيله من جهة ثانية، وبالاستناد الى لعبة الوقت وإلى إثارة التناقضات وساحتها الرئيسية لبنان مِن جهة ثالثة.
"الحقيقة" وفي ضوئها العلاقة
2 ـ وفي وقتٍ "تستهول" الأوساط ليس فقط ما ينقل مِن توجهات سورية بل أن يعودَ لبنان ساحةً للتجاذب السوري ـ الدولي ولو انطلاقاً مِن موضوع يعنيه أي الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، تلفتُ الى معلومة مصدرُها ديبلوماسيٌّ غربي تقول أن البيان الموقع باسم "قاعدة الجهاد في بلاد الشام" ويهدد قيادات شيعية ودينية وسياسية، يمكن أن تفبركه مخابرات عدة بمن فيها المخابرات السورية، والهدف منه إثارة مناخ من عدم الاستقرار، وتخويف السنّة والشيعة مِن بعضهم.
3 ـ وتعتبر الأوساط أن "الشغل" السوري على العلاقة بـ"التيار العوني" يواجهُ إشكالية كبرى: فإذا كان العماد عون كما يقول الموالون لسوريا موافقاً على "خطة التوجهات" السورية السالف ذكرها أو على بعضها مما جرى إطلاعه عليه، فإن عون لن يستطيع إذا أتى تقرير ميليس مؤشراً الى مسؤولية سورية ما، أن يقود الوضع المسيحي باتجاه يتعارض والموقف الدولي أو أن "ينشقّ" عن سائر البيئات الأخرى في لبنان، وهو الذي في مجال آخر يعتبر القرار 1559 محكاً لعلاقته بحزب الله مثلاً.
4 ـ وترى الأوساط نفسها أن "استهوال" ما يمكن أن يذهب إليه الوضع في ظل تقرير يُحمّل سوريا المسؤولية إذا صدر هكذا تقرير، لا يجعلُها تتخلى عن المطالبة بـ"الحقيقة"، وفي ضوء هذه "الحقيقة" تتضح صورة العلاقة بسوريا، وهذا ما عناه وليد جنبلاط في كلمته أمام المؤتمر الاستثنائي للحزب التقدمي أمس.
5 ـ بيدَ أن الأوساط تختُم بالقول أن "القلق" الذي يعيشه الوضع اللبناني جراء التطورات واحتمالاتها، يجعلها (القلق) تشدد على أمرين متلازمين: التحالف الوطني الذي قاد انتفاضة الاستقلال في 14 آذار، حمايةً للوضع اللبناني ومعه حُسن العلاقة مَع القوى المشاركة في الحكومة.. والأمن حيثُ المطلوب اليوم وأكثر من أي وقت مضى تحصينُه بأسرع فرصة بإجراءات إدارية وأمنية أياً يكن مضمون تقرير ميليس وأياً تكن المسؤوليات التي يحددها.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00