ما يزعج الفلسطينيين في لبنان وقيادتَهم في رام الله، هو أن المسألة الفلسطينية في البلد لا تُطرح سياسياً إلاّ من زاوية اختصارها بمخيمات أو بأعمال أمنية تنسبُ الى المخيمات أو تحت عنوان رفض التوطين، أي ليس بوصفها مسألة شعب فلسطيني شقيق للشعب اللبناني يجب أن تجمعهما علاقة أخوية، له حقوق على لبنان وعليه واجبات تجاهه، فيتمّ في هذه الحال إخضاع الفلسطينيين لشتّى أنواع "القصاص" ويصل الأمر الى حدّ حرمانهم من حقوق "طبيعية" بوصفهم ناساً يقيمون على الأرض اللبنانية لأسباب وظروف معروفة.
هذا الوضع مستمر منذ أكثر من عقدين بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان وعاصمته بيروت وخروج "الثورة الفلسطينية" صيف العام 1982 وتحديداً منذ ما بعد اتفاق الطائف حيث شهدت الساحة الفلسطينية في لبنان كل منوعات "التدجين" مِن قبل سلطة الوصاية السورية بأفق جعل المخيمات والسلاح فيها من ضمن أدوات السياسة السورية لبنانياً وفي المدار الإقليمي ـ الدولي، حتى وصل الأمر بسلطة الوصاية الى حدّ اختراق الفصائل والمخيّمات، وحدّ إعطاء صورة مخيفة عن أماكن اللجوء الفلسطيني بوصفها مرتعاً للإرهاب والأعمال الخارجة عن القانون بهدف تخويف من يجب تخويفه في لبنان وخارجه، وتبرير "الحاجة" الى استمرار الوصاية من جهة واستخدام الاختراقات عند "اللزوم" من جهة أخرى.
وإذا كانت تمّت إثارة قضايا الوضع الفلسطيني في لبنان من جانب القيادة السياسية الفلسطينية مراراً خلال السنوات السابقة ولم تؤدّ الى أي نتيجة، علماً أن هذا البحث في الحقبة السابقة كان ممرّه الإلزامي في دمشق والقرار فيه لسلطة الوصاية، فإن التحرّك القياديّ الفلسطيني تكثّف في الآونة الأخيرة بعد التطوّرات التي شهدها لبنان والتي باتت تطرح بقوة مسألة العلاقة الفلسطينية ـ اللبنانية بالحوار المباشر بين الجانبين ومن دون المرور بـ"وسيط" أياً يكن هذا الوسيط.
تكليف زكي تحويل النقاش من أمنيّ الى سياسي
في هذا السياق، تمّ تكليف عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" عباس زكي بقرار من رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير محمود عباس صدر في أيار الماضي، بالمسؤولية "الحصرية" عن الملف الفلسطيني في لبنان، وهو زار البلد مرّات عدة ولا يزال اليوم لم ينهِ زيارته الحالية. والمقصود هنا بـ"حصرية" المسؤولية أن لا قنوات فلسطينية تتداخل في هذا الشأن الذي كلّف زكي به وهو على صلة مباشرة بينَه وبين الأطر القيادية الفلسطينية التي هو عضو فيها أصلاً.
وتقوم مهمة المسؤول الفلسطيني على الأسس الرئيسية الآتية:
أولاً ـ "تحويل" المسألة الفلسطينية في لبنان من مسألة مخيمات وأمن الى علاقة سياسية بين شعبين وسلطتين أو قيادتين يتمّ في إطارها بحث كل شيء، أي إقناع الدولة اللبنانية بأن العلاقة مع الفلسطينيين يجب أن تنظّم على هذه الخلفيّة لتكون في حدّ أدنى شبيهة بأي علاقة لبنانية مع أي جهة عربية أخرى.
ثانياً ـ وبتحويل المسألة الفلسطينية من مسألة أمنية الى علاقة سياسية متكاملة، يطمحُ التحرّك الفلسطيني المستند الى توجّهات القيادة والسلطة الفلسطينيتين، الى تحقيق مصالحة فلسطينية ـ لبنانية ثمة أساس فعلي لها، وهي المصالحة التي تأخّرت سنوات طويلة جداً، لا سيما بعد انتهاء الحرب في لبنان، والتي كان الفلسطينيون طرفاً فيها أقلّه بين العامين 1975 و1982.
لا سياسة لبنانية ولا وظيفة لبنانية للسلاح
ثالثاً ـ والتحرّك الفلسطيني القيادي باتجاه لبنان والذي لا يشملُ الجانب الرسمي فقط بل يتوجه الى القوى والفاعليات الرئيسية في البلد أيضاً، يهدفُ الى إبلاغ اللبنانيين بأن لا "سياسة لبنانية" منذ أن انتقل النضال الفلسطيني الى الداخل وصار الفلسطينيون يقاتلون لتحقيق استقلالهم الوطني عبر دولة مستقلّة قابلة للحياة، ويهدف الى إبلاغ اللبنانيين أن الفلسطينيين الذين تتطلّع قيادتهم الى علاقة طيّبة بسوريا ليسوا أدوات لسوريا ولا يقفون مع فريق لبناني ضدّ فريق آخر.
رابعاً ـ وبما أن لا سياسة لبنانية "خاصة"، فإن السلاح في المخيمات والموجود حتى الآن لا وظيفة سياسية لبنانية له، أي لا استخدام له في أي مكان من لبنان ولا دور إقليمياً له، فإن مسألة السلاح في المخيّمات من وجهة نظر القيادة الفلسطينية ليس محظوراً النقاش فيها توصلاً الى وضع الكتلة الفلسطينية في البلد تحت القانون. غير أن القيادة ترى أنه من المنطقي أن تتوّج مسألة السلاح مجموعةً مِن الخطوات التي "تطبّع" العلاقة الفلسطينية ـ اللبنانية وتطوّرها، من دون أن يعني ذلك أن ثمة اشتراطات فلسطينية ما على لبنان:
1 ـ إذ تبدي القيادة الفلسطينية استعدادها لتشكيل فريق عمل لبناني ـ فلسطيني على المستوى غير الرسمي في موازاة الحوارات الرسمية، وذلك لبحث كافة جوانب العلاقة مع اللبنانيين، تعلنُ استعدادها في الوقت نفسه للبدء مع السلطات اللبنانية بتنسيق وتبادل أمنيين، الهدف منهما نزع فتيل أي توتر والتعاون على "حصر" أي خلل أمني في المخيمات لـ"التعامل" معه ومعالجته لمصلحة السيادة والقانون اللبنانيين.
مذكرة طراد حمادة.. مع وقف التنفيذ
2 ـ وفي وقت تؤكد أنها رحّبت بالخطوة التي أقدم عليها وزير العمل اللبناني طراد حمادة بإصداره مذكّرة تسمحُ للفلسطينيين بالعمل في مجالات معينة إسوة بغير اللبنانيين الآخرين، تلفتُ الى أن هذه المذكّرة لا تزال مجمّدة في التنفيذ على الرغم من أن أحد أهداف زيارة الرئيس محمود عباس الى بيروت قبل أسابيع قليلة كان شكر لبنان على هذه البادرة الإيجابية. ولذلك تطلب وضع هذه المذكّرة موضع التنفيذ الى جانب إجراءات تخفف حصار المخيمات اقتصادياً.
إعادة المحاكمة وليس عفواً عاماً
3 ـ وتضيف القيادة أنها إذ تتفهم الظروف اللبنانية واختلاط عدد من القضايا، فهي لا تطلب عفواً عاماً يشملُ فلسطينيين حوكموا أمام القضاء اللبناني، لكنها وفي 4 حالات تقريباً منها حالة المسؤول الفلسطيني في لبنان سلطان أبو العينين، تطلب إعادة المحاكمة للتوصّل الى معالجة أحكام صدرت على خلفية سياسية في حينها.
4 ـ وتقول أنها وبهدف تخفيف عبء السلاح الفلسطيني في مخيمات لبنان، فهي على استعداد للنظر في ضمّ مقاتلين مِن مخيمات لبنان الى المؤسسات العسكرية والأمنية الفلسطينية في الداخل، خصوصاً إذا سارت الأمور في غزة في الاتجاه المرغوب فلسطينياً، وإذا كانت غزة محطة "سريعة" نحو الدولة الفلسطينية.
5 ـ ولا بدّ برأي القيادة الفلسطينية أن يبلغ "التطبيع" مداه في قيام بعثة ديبلوماسية لفلسطين في بيروت، ترمز الى مستوى العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية. وعندئذ وبالتوازي مع تطور الوضع فلسطينياً نحو قيام كيان ودولة فلسطينيين، تصبح مسألة سلاح المخيمات محلولة تلقائياً، ويغدو الفلسطينيون هنا رعايا في بلد شقيق.
"حصر إرث" فتحاويّ ومنع الاختراقات
خامساً ـ ويحرصُ القيّمون على التحرّك الفلسطيني باتجاه لبنان على تأكيد أن التطبيع إذ يتطلب موافقة الدولة اللبنانية على اتخاذ خطوات في هذا المنحى من شأنها أن تزيل "جراحات" مرحلة سابقة، فإنه (التطبيع) يقتضي من الفلسطينيين خطوات مقابلة. ولذلك فإن مهمة المكلّف ملفّ المخيمات عباس زكي خلال زيارته الحالية تتناول الآتي:
أ ـ حصر الأطر الفتحاوية أولاً (والفلسطينية عموماً)، وحصر العضوية التنظيمية في حركة "فتح" والتأكّد مِن انتسابِها الى الخطّ الذي تتبناه القيادة على صعيد القضية الفلسطينية ككل وعلى صعيد سياستها لاستعادة العلاقة الفلسطينية ـ اللبنانية أيضاً، ومحاصرة أي "اختراقات" تالياً.
ب ـ النظر في مدى فاعلية الأطر الشعبية (اللجان الشعبية) بهدف تفعيلها.
ج ـ تشكيل لجنة قيادية عليا للمخيمات تضمّ "فتح" والفصائل المنضوية في منظمة التحرير وتلك التي تنسّق معها، بهدف تحديد مَن يبقى خارجاً ولماذا، وذلك لحسن إدارة أوضاع المخيمات، على أن تتبع هذه اللجنة للقيادة الفلسطينية في رام الله عبر المكلّف من قِبلها بالملفّ، وتتولّى التنسيق والتعاون مع السلطات اللبنانية.
سادساً ـ وتعتبر القيادة الفلسطينية أن ترتيب "البيت الفلسطيني" الداخلي وضبطه وتأهيله لمرحلة مختلفة من العلاقة بلبنان من جهة وتطبيع العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية بخطوات من قِبَل الدولة اللبنانية من جهة أخرى، من شأنهما أن يجعلا التعاون مع الدولة لا سيما في المجال الأمني أكثر فاعلية بحيث تحاصر الحالات المشكو منها ويتمّ التعامل معها بشكل فعّال ومنع أيّ إخلال بأمن لبنان، مع كل الاستعداد لعمل لبناني ـ فلسطيني مشترك عند الاقتضاء.
الفلسطينيون لن يستخدموا ضدّ أمن لبنان
وتشدّد ختاماً وفي هذا الإطار بالتحديد على أنها إذ تراقب بـ"قلق" التطورات في لبنان وحولَه وما يمكن أن يواجهه البلد من استحقاقات داهمة قد تكون لها تداعيات على غير صعيد، وإذ تسجّل واقع "الاضطراب الأمني" الذي شهدَه لبنان ولم يخرج منه معانى بعد، تؤكد في المقابل أن الفلسطينيين لن يكونوا ولن يُسمح لهم بأن يكونوا وقوداً لما يمكن أن يؤدي الى "اضطراب أمني"، ولن يقبلوا باستخدامهم في ما يؤذي أمن لبنان واستقراره أو ما يؤذي مسارَه السياسي، مضيفةً أن وجود حالات أمنية في المخيمات لا يعني أن المخيمات بؤرة أمنية وإن كان من واجب الفلسطينيين منع التلاعب بهم.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.