8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

التحرّك السوري نحو إيران بين "خوف" دمشق و"حسابات" طهران

مِن نافِل القول أن زيارة الرئيس السوري بشار الأسد الى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقد وُضعت تحت عنوان التنسيق في مواجهة التهديدات التي تواجهها كل من دمشق وطهران، تكشف حقيقة أن لا مفاوضات سورية ـ أميركية مباشرة أو عبر طرف ثالث ولا تسوية بين العاصمتين السورية والأميركية في الأفق كما روّج خلال فترة من الزمن، مما يعني أن الموقف الدولي ـ الأميركي ماضٍ في تشدّده حيال سوريا ونظامها من جهة، وتكشف أيضاً حقيقة أن ثمة "شعوراً" سورياً بأن الضغوط الدولية والأميركية على دمشق في طريقها الى التزايد، وأن هذه الضغوط من طبيعة مختلفة سياسياً هذه المرة وتقترب من تهديد أمن النظام ووجوده من جهة ثانية.
هذا ما تقوله مصادر ديبلوماسية مطّلعة توضح أن التحرك السوري باتجاه إيران لا ينطلق مِن نقاط ضعف الولايات المتحدة لا سيما ما تواجهه في العراق وإن كان يأخذها في الاعتبار، أي أن هذا التحرك لا يصدر عن موقع قوة سوريّ لـ"مواجهة" أميركا، إنما يعبّر عن مخاوف لم تكن سوريا تعيشها من ذي قبل. وتلفتُ بكلام آخر الى أن "مواجهة التهديدات" تتّخذ صيغة "دفاعية". وفي هذا السياق تمثّل إيران حاجة سورية، أي أن سوريا تذهب الى إيران في محاولة لجعل الدفاع مشتركاً... على أمل أن يؤدي ذلك الى تصعيب القدرة الأميركية على "الإيذاء".
الضغط الأميركي على دمشق بأفق الـ1559
وتضيف المصادر الديبلوماسية أن سوريا محقّة باستشعار الخطر أكثر من أي وقت مضى لأسباب واعتبارات عدة أبرزها:
أولاً ـ عندما وافقت الإدارة الأميركية على لسان وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس على إعطاء لبنان فرصة لتنفيذ بنود القرار 1559 عبر عملية سياسية لبنانية، لم يكن ذلك فقط بناءعلى الإصرار اللبناني على إنتاج تفاهم وطني بشأن المقاومة وسلاحِها، إنما كان ذلك أيضاً وربما أساساً بناء على تقدير أميركي أن الوصول الى نتائج في ما يخصّ القرار 1559 غير ممكن من دون ضغوط قاسية على دمشق، أي بناء على تقدير أن إضعاف سوريا هو المفتاح لذلك. وبهذا المعنى، أن توسيع إمكانية تنفيذ القرار الدولي مِن وجهة النظر الأميركية يمرّ بأولوية الضغط على سوريا.
.. وبالصلة مع المسألة الفلسطينية
ثانياً ـ ويتزامن ذلك مع شروع أميركي في رعاية تطوّر معيّن على الصعيد الفلسطيني ـ الإسرائيلي يتمثّل في خطة انسحاب إسرائيل من قطاع غزة، الأمر الذي يقتضي "شلّ" قدرة سوريا على التعطيل ليس فقط من خِلال ما تتّهمها واشنطن به لجهة استضافة من تسمّيهم أميركا المنظمات "الراديكالية"، إنما من خلال العلاقة بالمخيّمات الفلسطينية في لبنان.
وليس صدفة في هذا المجال أن تتزايد الوفود الفلسطينية الى لبنان ترجمةً لاهتمام القيادة الفلسطينية وعلى رأسها الرئيس محمود عبّاس الذي زار لبنان منذ فترة قصيرة، بأوضاع المخيّمات، بالتزامن مع أمرين رئيسيين: الأول وجود سلطة لبنانية جديدة لا بد من التعامل معها، والثاني هو التطوّر في غزّة، حيثُ تبدو الضرورة ملحّة للجانبين اللبناني والفلسطيني لتنظيم العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية، مما يقتضي من الفلسطينيين ترتيب أوضاع المخيّمات وعدم تركها للتجاذب السوري ـ اللبناني غير المعلن.
ثالثاً ـ وإذا كان صحيحاً القول أن أميركا تواجه مشاكل في العراق، فالصحيح أيضاً أنّها ليست في وارد التسليم بما يحصل في بلاد الرافدين وأن تدخل في تسويات مع جهات تراهن على إحراجها لإخراجها، علماً أن ثمة تسوية "ضمنيّة" بين واشنطن وطهران في العراق.
.. وعلى خلفيّة الوضع الأمني في لبنان
رابعاً ـ وأخذاً في الاعتبار أن الضغط الأميركي على دمشق يشتدّ لاعتبارات لبنانية وفلسطينية وعراقية، فمن الضروري بحسب المصادر الديبلوماسية ملاحظة أن الولايات المتحدة تسلّط الضوء منذ فترة طويلة ليس فقط على استمرار التدخّل السوري في لبنان، بل على ما تعتبر أنه مسؤولية سورية عن الوضع الأمني غير المستقرّ في لبنان منذ جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وحتى اليوم، وهو ما تشاطر فيه دول عدة الولايات المتحدة.
التميّز الإيراني في 4 نقاط رئيسية
إذاً، تقول المصادر الديبلوماسية المطّلعة أن مِن "حقّ" سوريا أن تستشعر الخطر أكثر من أي وقت مضى بناء على الاعتبارات الآنفة. وبهذا المعنى فإن التحرّك السوري باتجاه طهران يعكس هذا الشعور بالخطر، وإن كان لا بد برأيها من التمييز بين سوريا وإيران في أربعة أمور رئيسية:
1 ـ أن إيران وعلى الرغم من الضغوط عليها في ملفّها النووي، لا تزال على علاقة تفاوض مع المجتمع الدولي، ومن المرجّح أن يغلّب المجتمع الدولي خيار التفاوض على غيره معها وأن يسعى الى تسويات.
2 ـ أن إيران وهي قوة إقليمية ذات تأثير لا سيما في العراق، تشكّل حاجة أميركية وضرورة لعدم تصاعد الوضع العراقي ضد أميركا، وأكثر من ذلك ثمة تجربة "تعايش" و"تجاور" بين إيران وأميركا في العراق.
3 ـ أن الأداء الإيراني في كل الملفات التي اضطرت الى "مواجهة" الولايات المتحدة بشأنها اتّسم بلون من "العقلانية" و"البراغماتية" المضافتين الى حرصها على مصالحها أو الحد الأساسي منها، فضلاً عن أن إيران لا تخشى أي تداعيات على وضعها الذاتي.
4 ـ ولا شك أن إيران التي تقيم علاقات أكثر من طبيعية مع جوارها العربي المباشر في الخليج والجزيرة، تأخذ في الاعتبار البُعد الشيعي في العراق ولبنان، وتتطلّع الى تجنيب "المواقع" الشيعية ما يمكن أن يؤدي الى زجّها في أخطار شتى منها ما يسمّى "الخطر الأصولي".
مِن هنا، ترى المصادر الديبلوماسية أن التحرك السوري باتجاه إيران، وأخذاً في الاعتبار ما تقدّم ذكرُه، قد لا يعدو كونَه محاولة استقواء بالموقع الإيراني أو محاولة "تخويف" بأن ثمة محوراً يقتضي مِن أميركا "التفكير" ملياً قبل الإقدام على أي عمل يؤذي سوريا. وإذ تعتبر أن إيران لا تمانع في إهداء سوريا هذا "الإيحاء" بالتخويف، ترى أن سوريا سوف "تركّز" مواجهتها للضغوط الأميركية والدولية في لبنان، بمعنى أن تواجه الضغوط عليها بالضغوط على لبنان.
زيارة "حزب الله" إلى طهران وظروفها
إذاً، وفي وقت تعتبر أن دمشق تعطي بالتوجه نحو إيران إشارات الى "مواجهة" في ظلّ تقلّص فرص التسويات معها الى حدّ الإنعدام، تتوقف المصادر الديبلوماسية الآنفة عند "تزامن" التحرك السوري نحو الجمهورية الإسلامية مع زيارة وفد قيادة "حزب الله" برئاسة الأمين العام السيد حسن نصرالله الى طهران.
ومع أن الحزب لم يشأ إعطاء الزيارة أي بعد "استثنائي" واكتفى بوضعها في خانة التشاور والتنسيق المستمرّين مع القيادة الإيرانية علماً أن "ظروف" الزيارة أهم دلالةً من الزيارة في حدّ ذاتها، فإن المصادر الديبلوماسية تقدّر، وتوافقها على ذلك أوساط سياسية عدة، أن القيادة السورية أُطلعت على الزيارة قبل حصولها. وأكثر من ذلك، تعتبر المصادر أن ذهاب وفد من "حزب الله" الى إيران كان يمكن أن يكون خبراً عادياً لولا أن الرئيس الأسد توجّه الى طهران بعد عودة السيد نصرالله منها مباشرةً.. أي أن "ظروف" وجود وفد قيادة الحزب في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، غدت ذات أهمية بارزة. وهنا تسجّل المصادر الديبلوماسية والأوساط السياسية الملاحظات الآتية:
عناوين يحرص الحزب عليها في لبنان
أ ـ يمكن المسارعة الى القول بادئ ذي بدء أن أي تنسيق سوري ـ إيراني يجعل من "حزب الله" شريكاً عضوياً فيه، على اعتبار ما يمثّله الحزب من "تقاطع" على خط دمشق ـ طهران. بيدَ أن ذلك لا يحسم سلفاً بأن "حزب الله" سيدخل في "مواجهة" تقرّرها دمشق، خصوصاً إذا كانت طهران لم تعطِ السوريين ما هو أكثر مِن "الغطاء" والدعم "العام"، وإن كان مجرّد وجود الحزب في إطار التنسيق السوري ـ الإيراني يفرض على أميركا وإسرائيل أخذ الأمر في الحسبان، على اعتبار أنه يشكّل جزءاً من "منظومة الردع" المفترضة.
ب ـ يبدي "حزب الله"، لا سيما في الشهور الماضية حتى قبل انتقاله الى مركز القرار الرسمي، حرصاً شديداً على العلاقات اللبنانية ـ اللبنانية، الإسلامية ـ الإسلامية والإسلامية ـ المسيحية، ويُستبعد أن يندفع في "مواجهة" يمكن أن يدور الشطر الرئيسي منها في لبنان، خصوصاً أن وجوده في مركز القرار الرسمي يفرضُ عليه احتساب هذا المعطى.
ج ـ يدرك "حزب الله" تماماً أهمية الوضع اللبناني الداخلي بالنسبة إليه، أي أهمية التضامن الوطني معه والذي كان من نتائجه رفض مقولة تجريد الحزب من سلاحه والإصرار على اعتبار سلاح المقاومة مسألة لبنانية صرفة. ويدركُ أهمية ما يمثّله هذا التضامن الوطني معه من ضمانة في المرحلة المقبلة.
د ـ وإذا كان صحيحاً تماماً أن "حزب الله" حليفٌ لسوريا، فالصحيح أيضاً ومن خلال التجربة التي برزت بعد 14 شباط وحتى اليوم، أنه حريصٌ على عدم القطع في أي من الاتجاهات وعلى شبك التحالفات المهمّة وعلى تحصين الوضع اللبناني من أي انزلاقات أمنية أو أهلية خطيرة.
لذلك، فإذا بدت زيارة وفد "حزب الله" الى طهران في ظاهرها مؤشراً الى "تشدّد" من قِبله، فإن المعطيات الأخرى التي يتحرّك من ضمنها تجعل الحديث عن "تشدّد" كلاماً متسرّعاً. وإذا كان كثيرون لم يتعمّقوا في قراءة تجربة "حزب الله" خلال الشهور الماضية، فإن "حزب الله" نفسه يعتبر أن هذه التجربة كانت بمثابة أداء "دقيق" جداً في حقل ألغام جنّب لبنان الكثير من منزلقات الفرز.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00