في وقت جدّدت دمشق إجراءاتها المتشدّدة على المعابر الحدودية في منطقتي البقاع والشمال ما أدّى عملياً الى إغلاق الحدود المشتركة إغلاقاً تاماً، وفيما يبدو أنه باتَ على اللبنانيين أن "يتعوّدوا" على العيش مع أزمات حدودية طويلة أحياناً وموقتّة في بعضها الآخر، توقفت أوساط سياسية عدة خلال الساعات الماضية عند القرار السوري بالعودة بالأزمة على الحدود الى نقطة الصفر. وفي هذا المجال، سُجّلت احتمالات سياسية انطلاقاً من مجموعة من الملاحظات الرئيسية، بعضها في صيغة تساؤل.
تفادي ضغوط قمّة شرم الشيخ؟
أولاً ـ تتساءل الأوساط بداية ما إذا كان القرار السوري الذي أبلغ الى رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة أثناء زيارته الى سوريا يوم الأحد الماضي، والقاضي بتحقيق انفراج سريع متدرّج على الحدود، وفي العلاقات تالياً، ناجماً عن اقتناع سوري بما حمله السنيورة من تطمينات سياسية جلّها ورد في البيان الوزاري لحكومته ومن تأكيدات لرغبة لبنان في ظل سلطته الجديدة في إقامة علاقات متساوية مع سوريا على أساس أن تكون بين دولتين مستقلتين تربطهما مصالح مشتركة، أم أن القرار السوري كان لتفادي ضغوط كانت الأنباء تتحدث عن أن القمّة العربية الطارئة في شرم الشيخ ستكون مسرحاً لها على اعتبار أن الأزمة الحدودية بين لبنان وسوريا كان يُفترض أن تكون مطروحة بشكل أو بآخر في هذه القمّة التي أدت وفاة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز الى تأجيلها.
.. أو ردّ على توضيحات السنيورة؟
ثانياً ـ وإذ توضح الأوساط أن تساؤلها السابق مبني هو نفسه على تساؤل آخر عما إذا كانت زيارة السنيورة ذلك الأحد من الأسبوع الماضي مطلوبة لذاتها لدلالات رمزية ـ سياسية ما، تلفت في هذه الأثناء الى أن العودة السورية بالأزمة الحدودية الى نقطة الصفر أمس، تلت مباشرة مواقف أعلنها رئيس مجلس الوزراء على مدى اليومين الماضيين خصوصاً تلك التي أدلى بها في خلال مقابلة أجرتها معه محطة "العربية" أول من أمس وأوضح فيها مضمون محادثاته مع الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس حكومته محمد ناجي عطري، حيث بيّن أن عدداً من التسريبات الإعلامية التي تلت زيارته لم يتم التطرق اليها "لا من قريب ولا من بعيد" كما قال، لا سيما منها ما يتعلق بوضع الإعلام اللبناني عموماً وإعلام "المستقبل" خصوصاً، وما يتعلق بزيارة يقوم بها رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري الى العاصمة السورية.
وهنا تقول الأوساط السياسية إن المسألة تبدو إذاً بين احتمالين: فإما أن القرار السوري المبلّغ الى السنيورة في دمشق بتحقيق انفراج حدودي كان لتفادي ضغوط عربية محتملة فتم التراجع عنه في ظل الموعد "المعلّق" للقمة العربية، وإما أن العودة الى التشدد أمس هي بمثابة رد على السنيورة وتوضيحاته التي ركّز من خلالها على "الندية" و"الشفافية" ورفض التعاطي مع "وسطاء أو وسائل استخباراتية"، وذلك في معرض التشديد من قبله على الرغبة الصادقة في الانفتاح على أفق جديد للعلاقة اللبنانية ـ السورية.
التسريبات أصدق من المحادثات؟
ثالثاً ـ بيد أن الأوساط نفسها لا ترى أن الموضوع محصور بهذين الاحتمالين فقط. ذلك أن الاحتمال الآخر، الثالث، الذي تورده هو أن تكون "حليمة قد عادت إلى عادتها القديمة"، أي أن تكون التسريبات التي تلي محادثات رسمية أهم من هذه المحادثات الرسمية نفسها، وهذا ما كان يحصل في الماضي غير البعيد. وفي هذه الحالة، كان على الرئيس السنيورة أن يصدّق التسريبات لا أن يصدّق ما سمعته أذناه أو أن يعتبر أن لما سمعه ملحقاً في التسريب الإعلامي.
فرئيس الحكومة سمع من القيادة السورية كلاماً عن مؤتمر عقده "الاخوان المسلمون" السوريون في شمال لبنان، فرد على هذا الكلام بتأكيد أن لبنان لن يكون ممراً ولا مقراً لإعمال وتحركات معارضة للنظام السوري، وهو عندما امتلك المعطيات الكافية بشأن ما يشير اليه المسؤولون السوريون وتبين له أن ثمة التباساً في أسماء سورية زارت لبنان آتية عبر الحدود السورية ومن غير جماعة الاخوان المسلمين اتصل بنظيره العطري وأبلغه هذه المعلومات. وهو سمع من القيادة السورية كلاماً عن حملات إعلامية ضد سوريا (ولم يجرِ تخصيص أي وسيلة إعلامية بذلك) فأجاب أن الإعلام في لبنان حرّ وأنه مع ذلك لا يقبل بأن تكون ثمة حملات "مغرضة" ضد سوريا أو أي دولة شقيقة أو صديقة. لكن السنيورة ـ وغيره ـ فوجئ بالتسريبات حول "إعلام المستقبل" وزيارة لسعد الحريري.
التسريبات إذا صدقت: زيارة الحريري إلى دمشق مطلوبة
بكلام آخر، تلفت الأوساط إلى أن الكلام المسرّب يعبّر، تبعاً للأداء السوري التقليدي عن الموقف السوري، وهو أسلوب ما فتئ السنيورة يكرر أنه لا يحبذه ولا يرتاح اليه. هذا مع العلم أن مسألة "الاخوان المسلمين" وهميّة ليس لأن ما تحدث عنه المسؤولون السوريون حول مؤتمر في شمال لبنان ليس صحيحاً بالوقائع فقط، بل لأن عدة مؤتمرات إسلامية عقدت في بيروت ودمشق في الفترة السابقة على الخروج السوري من لبنان، وشارك فيها "إخوانيون" عرب وآخرون سوريون غير ذوي صفة رسمية في هرمية هذه الجماعة والبعض منهم نقل رسائل وأجواء "اخوانية سورية" بشكل غير رسمي أو شبه رسمي، كما تؤكد على ذلك مصادر إسلامية حركية مطلعة.
رابعاً ـ إذاً، وفي ضوء ما تقدم، يظهر أن الاحتمال الآخر والقاضي بتصديق التسريبات بوصفها الترجمة من "الفصحى" إلى اللغة "المحكية"، يرتب استنتاجاً مفاده أن عودة الضغط السوري على لبنان عبر الحدود إذا ما بدا أن أسبابه سياسية صرفة، تهدف إلى تحقيق زيارة لسعد رفيق الحريري إلى دمشق وإلى "تطبيع" إعلامي ـ سياسي أيضاً، مما يعطي أبعاداً رمزية ـ سياسية في غير اتجاه وأكثر من "مكان".
استدراج تفاوضي
مع أميركا وتقرير ميليس
خامساً ـ على أن أوساطاً أخرى تعرب عن اعتقادها أن كل ما تقدم ذكره ليس هو الأهم. فهي ترى أن الضغط على لبنان هو وسيلة سوريا إلى استدراج تفاوض دولي ـ أميركي معها، وتعتبر أنه كلما زاد الضغط الدولي ـ الأميركي على سوريا ازداد الضغط السوري على لبنان.
وتوضح هذه الأوساط الأخرى أن الإعلان أمس عن أن رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس يحرز تقدماً في التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وأنه في صدد رفع "تقرير إجرائي" قبل نهاية آب الجاري يعرض لمجلس الأمن الدولي ما أنجزته اللجنة من دون أن يتضمن هذا التقرير الذي يأتي قبل أسبوعين من انتهاء المرحلة الأولى من مهمة اللجنة قراراً ظنياً اتهامياً.. إن هذا الإعلان تزامن مع التشديد السوري على الحدود.
وتبدي الأوساط الآنفة اقتناعاً بأن ثمة رغبة سورية في التخلص من التهديد الذي تشير إليه دول أساسية في المجتمع الدولي انطلاقاً من التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، وأن ثمة رغبة سورية أيضاً في الانتهاء من التلميحات والتصريحات الأميركية والغربية بشأن استخدام نتائج التحقيق الدولي ضد سوريا، ولذلك فإن دمشق تسعى إلى تفاوض مع أميركا والمجتمع الدولي لإنهاء هذا الموضوع من جهة، وتريد من لبنان بسلطته الجديدة تطبيعاً جدياً ونهائياً للعلاقات بمعزل عن التحقيق الدولي من جهة أخرى.
وتقول إن الأزمة الحدودية المتجددة تعني أن "مفعول" زيارة السنيورة قد يكون انتهى سورياً. وتضيف أن الأزمة الحدودية تؤشر إلى أن الأمر لا يتعلق بلبنان وحده، بل هي رسالة باتجاه المجتمع الدولي، و"ورقة التفاوض" المتوفرة سورياً في الظرف الراهن.
الأزمة ليست عابرة
على هذه الخلفية، يبدو من وجهة نظر الأوساط نفسها أن ثمة خطأ جسيماً يُرتكب سياسياً إذا جرى الاعتقاد أن أزمة الحدود عابرة أو أن ثمة حلولاً تقنية لها. فالمسألة سياسية بامتياز، وحلّها من وجهة النظر السورية على ما يبدو يتطلب إما التوصّل إلى تسوية سورية ـ أميركية ـ دولية تسقط ربط سوريا بالتحقيق الدولي وقبل صدور نتائجه وإما أداء لبناني يُسقط هذا الأمر مسبقاً.
وترى الأوساط الأخيرة التي تطرح هذا "الاحتمال الرابع" وتضعه في رأس الاحتمالات، أن مقولة أن أمن سوريا مهدّد الآن من لبنان ليست صحيحة وهي تطرح على الخلفية السياسية المشار إليها، وإذ تدعو إلى عدم التعاطي مع أزمة الحدود بوصفها أزمة عابرة، تختم تحليلها بـ"الاعتراف" بأن دون استئاف العلاقات اللبنانية ـ السورية "الطبيعية" و"الإستراتيجية" إشكاليات كبرى ليست مرتبطة بالدينامية اللبنانية لاستعادة هذه العلاقات، بل تتصل بعلاقة سوريا مع الوضعين الاقليمي والدولي، مشددة على القول ان ليس في هذا الكلام أي "تحامل" على سوريا أو "حملة" ضدها، بل محاولة تشخيص موضوعي لأزمة تصيب لبنان واللبنانيين في الصميم وهم الحريصون على أفضل العلاقات مع الجار السوري الشقيق.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.