خلال زيارته الأخيرة الى بيروت، نقل النائب العربي عزمي بشارة الى الزعيم اللبناني وليد جنبلاط "أجواء" قيادية سورية ايجابية، تفيد عموماً أن سوريا لا تعتبر أن لها مشكلة خاصة مع جنبلاط لكنها في المقابل ترى ان ثمة مشكلة سورية ـ لبنانية نجمت عن التطورات خلال الشهور الماضية، وأن هذه المشكلة لا يمكن أن تستمر ولا بد من حل لها انطلاقاً من الإجابة عن سؤال: ماذا يريد اللبنانيون من سوريا؟.
عزمي بشارة و"أجواؤه"
لم يكتفِ عزمي بشارة بنقل هذه الأجواء إلى جنبلاط، بل عكسها في لقاءاته مع المسؤولين الرسميين. ويؤكد متابعون لحركة النائب العربي أنه أدى دوراً بارزاً خلف الأضواء في التمهيد لزيارة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الى دمشق. ويقول المتابعون إن بشارة الذي يُعتبر صاحب كلمة "مسموعة" في الأوساط السورية ولدى الرئيس السوري بشار الأسد بشكل خاص، يمكن أن يكون له دور في مرحلة مقبلة على صعيد العلاقة اللبنانية ـ السورية، وهو يقاربها استراتيجياً بالعلاقة مع المسألة الفلسطينية ومجمل الوضع العربي.
وتروي أوساط الزعيم الاشتراكي أنه لدى استماعه الى عرض بشارة، أبدى جنبلاط رغبته في أن يصدّق أن ما نُقل إليه من أجواء، صحيح، أي أن تكون سوريا اقتنعت فعلاً بأنها أصبحت خارج لبنان وتريد من موقعها خارج الحدود اللبنانية إقامة علاقة استراتيجية بلبنان. وقال لمحدّثه أنه سيكون مستعداً لحمل لواء العلاقة الاستراتيجية بسوريا إن هو تأكد فعلاً أن ثمة قراراً سياسياً سورياً بفتح صفحة جديدة مع لبنان.
معلومات متناقضة
هذا "الحذر" الذي قابل به جنبلاط ما طُرح أمامه ليس مرده بطبيعة الحال عدم ثقته بصديقه عزمي بشارة، انما العديد من المعلومات التي وردته من مصادر أخرى، لا تبعث على الثقة بأن ثمة صفحة "جديدة" في طريقها الى أن تُفتح. وفي هذا الصدد تلفت أوساط رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" إلى الآتي:
أولاً ـ معلومات تفيد أن ثمة تسريباً باتجاه دمشق حصل للمناقشات التي دارت في اللجنة الوزارية لصياغة البيان الوزاري لحكومة الرئيس السنيورة، ما يعني أن "حبل سرة" التدخل السوري في لبنان لم ينقطع بعد.
ثانياً ـ معلومات أخرى تفيد أن ثمة تسريباً باتجاه دمشق أيضاً حصل للتحقيقات في عدد من الجرائم التي ارتكبت في الفترة الماضية. وقد تجلى ذلك من خلال قول مسؤولين سوريين لشخصيات التقوها مؤخراً، أن لا معرفة لسوريا بالشهيد سمير قصير قبل اغتياله، وان هذه "المعرفة" تلت استشهاده وحصلت من خلال الاطلاع على أرقام الهواتف التي كان يتصل بها ومن ضمنها أرقام هواتف "معارضين سوريين" وهذا يعني ان هناك من لا يزال يطلع السوريين على أمور محددة، علماً أن حركة "اليسار الديموقراطي" التي ينتمي اليها الشهيد قصير وعائلته نفيا بشكل قاطع أن تكون له صلة بـ"معارضة سورية" ما وأكدتا أن علاقته بسوريا فكرية ـ ثقافية.
ثالثاً ـ معلومات تفيد أن ثمة مسؤولين في سوريا يزعمون ان لديهم وقائع من شهادات قدمت الى رئيس فريق التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ديتليف ميليس، وهذا ما يعني ان محاولة ابتزاز عدد من السياسيين اللبنانيين مستمرة وقائمة على قدم وساق.
بين الأجواء المائلة إلى الإيجابية التي نقلها عزمي بشارة، وبين المعلومات التي تقدمها مصادر أخرى، يجد وليد جنبلاط نفسه في موقع الحذر حيال ما يسمعه.
الحديث عن تمديد ميليس للتحقيق وتجدّد الكلام عن تسوية سورية ـ أميركية
وفي هذه الأثناء، وُجد من يقول إنه خلافاً لما تردد في الآونة الأخيرة لجهة أن التقرير المتضمن نتائج التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري سيصدر في أيلول، إما في مطلعه أي قبل المهلة الرسمية المحددة في منتصفه، وإما في الموعد الرسمي مع انتهاء الأشهر الثلاثة التي أعطيت للتحقيق الدولي كمهلة أولى، فان ميليس سيطلب تمديد عمل لجنة التحقيق ثلاثة أشهر أخرى.
وهنا، تقول أوساط متابعة إنه بصرف النظر عن صحة هذه المعلومة أو عدمها، فان جهات موالية لسوريا أو على اتصال معها، انما تستخدم هذه المعلومة لتجديد الحديث عن خط مفتوح بين دمشق وواشنطن، وعن احتمال تسوية سورية ـ أميركية حول التحقيق الدولي أو غيره، للإيحاء بأن مصير الوضع اللبناني لا يزال يُقرر بين العاصمتين، ما يعني أن ثمة ابتزازاً للبنان وحكمه الجديد سيستمر طالما أن الأمر يتصل بمستقبل العلاقات السورية ـ الأميركية، الأمر الذي يُفهم منه أيضاً أن لا قرار سورياً بفتح صفحة جديدة مع لبنان لا تكون مرهونة باعتبارات محض لبنانية وسورية.
ومع أن أوساط زعيم الجبل تستبعد، بالاستناد الى ما تملكه من معطيات وتحليل، أن يكون ثمة احتمالٌ لتسوية بين العاصمتين السورية والأميركية في ضوء ما يجري تداوله على غير صعيد سياسي وديبلوماسي، فإنها ترى أن الأداء السوري يتعارض مع ما نقله عزمي بشارة، ويتعارض في الوقت نفسه مع الاستعداد الجنبلاطي للانتقال الى مرحلة جديدة من العلاقات اللبنانية ـ السورية بما يؤدي الى استقامتها على سوية مناسبة للبلدين والشعبين.
التكتل الائتلافي الجديد ومهماته
يشاطر كثيرون جنبلاط حذرَه وإن كانوا لا يريدون قطع الطريق على أي فرصة لتصحيح العلاقات اللبنانية ـ السورية وتطويرها. وفي هذا المناخ جرى النقاش "الشهير" بين جنبلاط والنائبين سمير فرنجية ووائل أبو فاعور والنائب السابق فارس سعيد حول الأوضاع اللبنانية الأسبوع الماضي.
ويحرص المشاركون في هذا النقاش على القول أنه "جنينيّ" أي أنه لا يزال في مراحله الأولى. ويؤكدون أن النقاش تطرق الى ضرورة وأهمية تشكيل إئتلاف جديد يضم قوى وشخصيات وتيارات لا تزال تعتقد أن 14 آذار لم ينتهِ وأن له تتمة. غير أن هذا النقاش لا بد أن يمر بـ"السياسة" أي بتحديد المشروع السياسي الذي يجب أن يحمله التكتل الجديد، ولا بد أن يكون النقاش موسّعاً ويأخذ في الاعتبار الظروف والخصوصيات والعلاقات كافة، خاصة تلك التي يقيمها تياران رئيسيان هما "التقدمي الاشتراكي" و"تيار المستقبل" مع كل من "أمل" و"حزب الله".
ويُلفت المشاركون في هذا النقاش إلى أن ثمة نقطة سياسية مركزية يجب أن تَحضر وتُشبع نقاشاً وتحليلاً، وهي تتعلق بدور الائتلاف العتيد، في تحقيق توازن لبناني في ظل السياسة الأميركية وضغوطها من جهة والضغوط السورية على لبنان في إطار التجاذب السوري ـ الأميركي من جهة أخرى. ذلك أن الائتلاف يُبحث قيامُه في ظل هذه الأجواء وبسببها، مما يعني أن التكتل الجديد ينتدب نفسه لمهمة "دقيقة" تستدعي التعمّق في دراستها، لأن تحقيق التوازن المشار إليه ليس عملية مبسَّطة.
إذاً، البحث بدأ ولم ينتهِ. وإذا كان مما لا شك فيه أن هذا الأمر يستحق الجهد، فإنه في الواقع يحتاج إلى مزيد من الوقت كي ينضج، تماماً لأن هدفه المركزي هو حماية المسار السياسي اللبناني وسط التطورات المفتوحة على احتمالات خطيرة شتى.
بحث في كتلة جديدة غير طائفية
وفي مجال الحديث عن التكتل الجديد، يُلفت بعض العاملين له والمقتنعين بقيامه إلى مسألة يرون أنها بالغة الأهمية. فهم يعتبرون أن ثمة كتلاً سياسية "محدّدة"، في حين أن هناك كتلة غير محددة وتكاد تكون "ضائعة".
ويشرحون ذلك بالقول أن "اللقاء الديموقراطي" كتلة محدّدة تمثل ما تمثل و"تيار المستقبل" كتلة محدّدة أيضاً وتمثل ما تمثل، في حين أن غير المحددة تضم ممثلي "قرنة شهوان" السابقة و"اليسار الديموقراطي" وغيرهما. وهي غير محددة من وجهة نظرهم، لأن "لقاء القرنة" لم يعد قائماً أولاً، ولأن من كانوا فيه ممن تحالفوا مع "الديموقراطي" و"المستقبل" لا ينظرون إلى التمثيل المسيحي بوصفه هدفاً بحد ذاته، ويرون أن المرحلة تقتضي التوجه نحو تشكيلات مختلطة ثانياً. ولأن "اليسار الديموقراطي" غير معني بالتمثيل الطائفي ولا يمكنه مقاربة التحالف مع تكتلات كبرى تعكس تمثيلاً طائفياً الا من موقع لاطائفي وديموقراطي وليبرالي ثالثاً.
ويوضحون أن تعاوناً بين أركان سابقين في "لقاء القرنة" السابق و"اليسار الديموقراطي" وتيارات غير طائفية أخرى يملك أساساً موضوعياً، ويمكن أن يفضي إلى تشكُّل حركة سياسية مشتركة عنوانُها الدولة اللاطائفية وعنوانها الآخر الاهتمام بـ"ميثاقيّي" الطوائف، تشكِّل عندئذ كتلةً في إطار الائتلاف، أو كتلةً عضواً في الائتلاف. وعلى هذا الأساس، تحضر الحركة السياسية الجديدة أو الكتلة المختلطة بصفتها كتلة قائمة بذاتها، فيكتسب التكتل العتيد أو الائتلاف المتجدد بعداً تعددياً حقيقياً وفعلياً، مع التشديد من قبل من يملكون هذا التوجه على أن الكتلة هي نوع من "التحالف" الذي لا تذوب فيه مكوّناته وعلى ان إدارة العلاقة بالتكتّلات المؤتلفة ستلتزم مقياساً ميثاقياً.
هكذا إذاً يتّضح أن البحث الأوّلي بين من يعتبرون أن لـ14 آذار تتمةً، لا يزال أوّلياً وعليه مقاربة مجموعة من العناوين الأساسية في "الشكل" وفي "المضمون".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.