خلال الأيام الماضية "اقتحم" عنوانان سياسيان ـ أمنيان ساحة النقاش السياسي في لبنان وشغلا حيزاً رئيسياً من تفكير القوى السياسية لا سيما "حزب الله" باعتباره المعني الأول بهما: الأول هو العنوان الذي طرحه البعض بالعفو عن العلماء في ما كان يسمى "جيش لبنان الجنوبي" تحت مسمّى "اللبنانيين المهاجرين" الى اسرائيل، والثاني هو البيان الذي أصدرته "قاعدة الجهاد في بلاد الشام" مهدداً مرجعيات روحية وسياسية شيعية من ضمنها "حزب الله" نفسه.
وقد اقتحم العنوانان الآنفان ساحة النقاش في لحظة كان عنوان آخر هو "سلاح المقاومة" لا يزال مطروحاً ولو بـ "حدة" أقل في ضوء المواقف الدولية لا سيما الموقف الأميركي ـ الفرنسي الأخير الذي يعلن الإفساح في المجال أمام عملية سياسية لبنانية لتنفيذ القرار الدولي رقم 1559، وفي لحظة من الواضح ان الموضوع الأمني في لبنان مطروح بقوة بالصلة مع التفجيرات التي ضربت البلد منذ محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة وبلغت ذروتها في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وتوالت في الجرائم الإرهابية التي طاولت إثنتان منها المفكر والكاتب الشهيد سمير قصير والمناضل الوطني الشهيد جورج حاوي.. وصولاً الى محاولة اغتيال الوزير الياس المر. وليس خافياً على أحد ان "حزب الله" مقيم في دائرة الاستهداف الأمني والسياسي، ولكم أكد الزعيم اللبناني وليد جنبلاط على هذا الأمر خلال الشهور المنصرمة في معرض إشارته الى ما سمي "لائحة سوداء" تضم أسماء كبيرة مستهدفة بالقتل لإحداث فتن في البلد وضرب الاستقرار.
والآن، يبدو أن الأمرين، العملاء والأصولية، يقتربان أكثر من سواهما من "بيت الحزب"، ويبدو في المقابل أن هذين الأمرين سيؤديان الى تعزيز "منطق" الحزب حيال "سلاح المقاومة" والى تحويل الحوار اللبناني الداخلي باتجاه جعل شطر رئيسي منه هادفاً الى طمأنته وتبديد مخاوفه، وهذا ما يكشفه نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم.
العملاء والخطر الأمني
يعتبر الشيخ قاسم بداية أن "الحديث عن العملاء في هذه المرحلة حديث خطير جداً لأنه يتجاوز دور هؤلاء العملاء في السابق الى ما يمكن أن يقدموا عليه في المستقبل". ويوضح أن "العملاء في السابق لم يختاروا وظيفة في شركة تجارية ولا كانوا في معرض البحث عن مدارس للأولاد بل كان الاختيار سياسياً مبنياً على تسليم الأرض اللبنانية لتكون مطواعة أمام المشروع الاسرائيلي ولو أدى ذلك الى تدمير لبنان".
وإذ يشدد على بديهية ان العمالة خيار سياسي، يلفت قاسم الى أنه "في الوقت الذي كانت الطائرات الإسرائيلية تصب حممها على العاصمة وتقطع عنها الكهرباء كانت مدفعية جماعة انطوان لحد تقصف القرى والمدن في الجنوب وتسبب الخسائر والشهداء والجرحى".
ويسلّط القيادي البارز في "حزب الله" الضوء بعد ذلك على نقطة تبدو محورية في مقاربته المتشددة حيال هذا الموضوع، فيقول ان "المجموعة الباقية في اسرائيل (والتي يجري الحديث عنها عملياً الآن) هي مجموعة متجذرة في الرؤية السياسية المعادية لإستقلال لبنان وهي اليوم أخطر بمئات المرآت منها عندما كانت في الموقع العسكري المقاتل". ويشرح ذلك بالقول ان "الجبهة كانت مقسومة آنذاك بين عملاء يتواجدون في المنطقة المحتلة ومقاومين في المنطقة المحررة، في حين إذا عاد العملاء اليوم بعنوان العفو فانهم سيدخلون الى النسيج اللبناني مستفيدين من كل إمكاناتهم ليزرعوا الرعب ويحققوا لإسرائيل يداً طويلة من جديد". ويسأل قاسم "هل يعقل أن يتحول العميل الى لاجئ سياسي؟ وهل يعقل أن يمنح الذي مدّ في عمر الاحتلال فترة تزيد عن عقد من الزمن مكافأة وتكريماً بدلاً من أن نعطي العبرة كي لا يتمكن العدو من اختراق ساحتنا؟".
العمالة خيار سياسي، المجموعة الباقية في اسرائيل هي الأكثر خطراً وعودتها تشكل اختراقاً سياسياً وأمنياً اسرائيلياً متجدداً. هذه الاعتبارات جميعاً تدفع نائب الأمين العام لـ "حزب الله"الى تأكيد ان "أي خطوة لتبرئة العملاء مرفوضة بالمطلق ولا قابلية للنقاش فيها". ويضيف بقوة أن "هؤلاء وقود خطير لمسلسل التفجيرات الذي يمكن أن يتصاعد بوجود أمثالهم"، ويشدد هنا على أن "الساحة الأمنية اللبنانية رخوة وغير مضبوطة ولا تحتمل المزيد من الخضات والمزيد من العملاء ومثيري الفتن".
الحوار اللبناني: التطمينات المتبادلة
من هذا الموضوع، يرى مُحاور الشيخ نعيم أن هذا الأمر ـ العملاء ـ وقد حرك مخاوف سياسية وأمنية لدى "حزب الله" قد يترك انعكاساً على مسألة الحوار الداخلي وقد تعهد الجميع به، فيسأل: ماذا عن هذا الحوار وهل ثمة مبادرة ما من قبل الحزب بشأنه؟
يجيب قاسم أن "الحوار حول جدوى حماية لبنان لا يحتاج الى مبادرة"، ويقول "ليس ثمة ما نختلف عليه في هذا الشأن". ويوضح أن "ما عرضناه مراراً في مواقفنا أو لقاءاتنا مع الأطراف المختلفة هو استعدادنا للإجابة عن الأسئلة المقلقة والمحيّرة إن وجدت وإعطاء الضمانات المناسبة لترييح الأجواء عند بعض الفئات" ويضيف "ليس لدينا ما نبادر اليه لأننا لسنا متهمين كي ندفع عنا التهمة ولسنا مدانين كي نعمل على إزالة الإدانة". ويؤكد "نحن في الموقع نفسه الذي يتواجد فيه الآخرون، موقع الاهتمام بمستقبل لبنان".
غير أن الشيخ قاسم يسارع الى الإشارة الى أنه "كما أن ثمة أسئلة لدى البعض بحاجة الى أجوبة منا، فلدينا أسئلة تحتاج الى إجابات لطمأنتنا". ويعتبر أن "المشكلة ليست موجهة نحو المقاومة انما من حق المقاومة أن تتساءل عن حماية التحرير وصون لبنان من التدخلات الخارجية ورفض الارتباطات التي ترهن البلد بمسار مناقض لاستقلاله". ويستنتج انه "بناء على ما تقدم فان الحوار هو عملية تداع بين الأطراف"، لافتاً في الوقت نفسه الى أن "ثمة مؤسسات دستورية سواء مجلس الوزراء أو مجلس النواب، تجري فيها الحوارات بشكل عادي وطبيعي وكل النقاط يمكن أن تطرح على طاولة البحث".
البيان الوزاري "وثيقة" متفق عليها
وعند هذا الحد، يؤكد الشيخ نعيم "حاضرون للحوار مع من يعتقد أن الحوار ضروري في مواضيع معينة وفي ضوء ما يُطرح نطرح ما لدينا". ويعرب عن اعتقاده ان "حركة البلد لن تتوقف على هذا الأمر وثمة أمور أكبر لها علاقة بالمسار السياسي نشارك فيها بشكل فعال لبناء لبنان المستقبل وهذا تجسيد عملي لرؤيتنا التي نتقاطع فيها مع الآخرين".
ويكشف قاسم ان "البيان الوزاري وثيقة متفق عليها بين من يتحملون مسؤولية إدارة البلد في هذه المرحلة الحساسة ونحن شركاء فيها ولسنا طرفاً في مقابل أطراف". ويرى أن "البيان الوزاري كان واضحاً لجهة التأكيد على مسألتين: التلازم بين المقاومة والاصلاح أولاً والترابط بين تحرير الأرض وحماية لبنان بمعزل عن خصوصية مزارع شبعا ثانياً".
بيان "قاعدة الجهاد": إحتمالان ونتيجة واحدة
من هذا العنوان، ما سبق منه حول الحوار والمقاومة وما أنتجه طرح مسألة العملاء، يجري الانتقال مع المسؤول الكبير في "حزب الله" الى موضوع "الأصولية" في ضوء البيان الأخير لما سمي "قاعدة الجهاد"، فيُسأل الشيخ نعيم عن "حقيقة" البيان وعن وجهة قراءته وعن التقديرات.
ليس عند قاسم ما يخفيه، ويبدأ في الجواب من خلفية سياسية "تاريخية" مكثفة. وفي هذا المجال يقول "إذ أردنا أن نقارب التطورات التي جرت في المنطقة خلال العقدين الأخيرين نلمس بوضوح بروز حالة من التكفير والرفض لكل التيارات الإسلامية، السنية والشيعية على قاعدة أحادية الأهلية والصواب في مقابل خطأ الجميع في توجهاتهم والتزامهم الديني". ويضيف أن "هذه الحالة لم تكن وليست مقتصرة على الإطار النظري والفكري بل تعدّته الى التطبيق العملي الذي تُرجم بأعمال عسكرية أصبحت معروفة".
ويرى أن "هذه النتيجة ليست منفصلة عن أداء أميركي يتدخل في شؤون المنطقة ويستفزها إن لم نقل أنه يستثمر بعض الحالات فيها للاستفادة من المناخات المتوتّرة والسمعة السلبية التي تلصق بالإسلام تمهيداً لإفراغ القدرة الإسلامية من قيمها وقوتها بممارسات منسوبة الى الإسلام".
.. تغطية لأعمال أمنية اسرائيلة
وإذ يبدي اعتقاده أنه "لا يوجد حدّ معين لهذه الظاهرة"، يرى نائب الأمين العام لحزب الله أنه "لا يمكن الجزم بمستوى حضورها وفاعليتها في لبنان، أو ما اذا كان القرار قد اتخذ للبدء بأنشطة عملية في لبنان"، لكنه يسارع الى الدعوة الى "عدم التعامل مع هذا الموضوع ببساطة وسطحية".
ويقول قاسم أن "البيان الذي صدر أخيراً وأشار الى تسع شخصيات مستهدفة، يخضع بالتحليل الأولي الى أحد احتمالين".
ويلفت الى أن "الاحتمال الأول هو أن يكون مدسوساً من اسرائيل أو من يحذو حذوها لإثارة البلبلة والفتنة في لبنان وليمهّد لأعمال عدوانية أمنية اسرائيلية مباشرة أو بشكل غير مباشر لإشاعة عدم الاستقرار وإبقاء التوتر في لبنان". ويشير الى أن "الاحتمال الثاني هو أن يكون البيان صحيحاً وصادراً عن الجهة المذكورة، وهذا ما لا يحتاج عندئذ الى نقاش إذا ثبتت صحته لأن نتائجه واضحة في تحقيق الأهداف المشار اليها آنفاً".
وهنا "يستدرك" بالقول أن "البيان صادر عن جهة مشخصة وعليها أن تنفيه إن لم تكن لها علاقة به، وإذا لم يتم ذلك يكون إما ثمة رضى من الجهة عنه أو أن المصدر صحيح". ويعتبر أنه "في كلا الحالتين فأن ما يريده أصحاب البيان الأصليون الذين أصدروه هو إسداء خدمة واضحة للمشروع الاسرائيلي في لبنان الذي يؤمن بإثارة البلبلة وإحداث التوتير الأمني وسلوك طريق التفجيرات والاغتيالات كخطوات متناغمة تماماً مع ما كانت اسرائيل تقوم به في لبنان ومع ما تراه منسجماً مع خطتها للتعويض عن الخسارة المرّة التي تتجرعها يومياً بسبب عدم تطبيق القرار 1559". ويخلص الى أنه "في كل الاحتمالات لا يمكننا قراءة التطورات الأمنية الا كشبكة مترابطة تختلف في أشكال أدائها لكنها تتناغم في وحدة أهدافها"، مضيفاً أنه "لو ربطنا بين جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري والاغتيالات التي طاولت شخصيات كالشهداء غالب عوالي وعلي طليس وجهاد جبريل وجورج حاوي وسمير قصير لوجدنا أن ما يجمع بينها على اختلاف في الفاعلية والتأثير هو أمران أولهما إحداث فتنة مذهبية وطائفية والثاني ضرب الاستقرار ليكون لبنان معبراً لتصفية الحسابات وتحقيق خطوات سياسية تخدم المشروع الاسرائيلي".
التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الحريري:
النتائج ستسلط الأضواء على أشياء كثيرة
وفيما لا يرقى الشك الى أن "حزب الله" يتعامل مع "البيان الأصولي" بوصفه تغطية لعمليات أمنية قد تستهدف الحزب وقادته، لا تكتمل صورة الوضع الأمني الا بالسؤال عن انعكاسات نتائج التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري على الأمن اللبناني.
وفي هذا المجال يقول الشيخ نعيم قاسم "لا أعلم الى أين سيصل التحقيق الدولي وما اذا كان سيتوقف عند التحليل التقني لشكل التفجير وكيفيته أو ما اذا كان سيتمكن من الوصول قضائياً الى الإدانات وتحديد المسؤوليات". غير أنه يؤكد أن "حزب الله متلهف لمعرفة النتيجة الحقيقية حول من كان وراء هذا الاغتيال نظراً الى أن هذه النتيجة ستسلط الأضواء على أشياء كثيرة وعلى ما يمكن أن يواجه لبنان".
ويعلن أن "ثمة مستفيدين مما حصل في لبنان ومتآمرين على لبنان، واسرائيل هي في رأس القائمة اذا أردنا أن نتحدث في التحليل السياسي". ويختم المسؤول الكبير بالقول "تبقى المصداقية النهائية للنتيجة القضائية التي قد تكشف اتجاهات أخرى وهذا لا يعني طبعاً براءة اسرائيل من الأمور الأخرى التي تحصل على الساحة اللبنانية".
ينتهي الحديث مع الشيخ نعيم قاسم.. عند بدايته كالعادة، إذ يثير في أجوبته عن الأسئلة ما يدفع الى مزيد من الأسئلة، خاصة أن في أجوبته ما يعزز أسباب القلق اللبناني سياسياً وأمنياً في قلب مرحلة لا مبالغة في القول أنها الأخطر التي يجتازها لبنان.. الأمر الذي يدعو الى قراءة أجوبة الشيخ نعيم مراراً للتوصل الى تحليل أعمق لطبيعة المرحلة لبنانياً بالصلة مع المعطيات والتطورات إقليمياً ودولياً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.