في فترة من الفترات، لا سيما قبيل الانتخابات وانطلاقاً من الاعتراض على قانون العام 2000 الذي جرى اعتمادُه للانتخابات الأخيرة، برزت مواقفُ للبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير ولمجلس المطارنة الموارنة تتراوح بين الدعوة الى أن تنتخب كل طائفة نوّابها وبين الدعوة الى إعادة النظر باتفاق الطائف.
هذه المواقف التي طُرحت على صعيد "نظري" غذّت لدى عددٍ من الفرقاء اللبنانيين قناعةً بأن الكنيسة المارونية تنحو باتجاه الطرح الفيديرالي، أي باتجاه اعتماد ما يمكن تسميتُه "الفيديرالية الدستورية"، على اعتبار أن الفيديرالية بالمعنى الجغرافي استحالةٌ بكل المقاييس السياسية والديموغرافية وغيرها.
وتعزّزت قناعة الفرقاء اللبنانيين بأن ثمة طرحاً فيديرالياً لدى الكنيسة، عندما بدا أن قائد "التيّار الوطني الحرّ" العماد ميشال عون "استفاد" من هذا الطرح في المرحلة الانتخابية فـ"قطف" تمثيلاً مسيحياً بلغ الذروة في حينه، والأهم عندما بادرَ سيّد بكركي الى إعلان ما يشبه "التطويب" للجنرال زعيماً للمسيحيين، لا بل شبْهَ ممثلٍ شرعيّ وحيد لهم. وعند هذا الحد، بدا أن الطرح الفيديرالي انتقل من الصعيد "النظريّ" الى الصعيد "السياسي" المباشر، أي أن الطرح صار مرتبطاً بعون "عملياً"، حتى مع كون المشروع السياسي المعروف للعماد عون ليس فيديرالياً في الأصل.
صفير يقصد في كلامه عن الطائف "الأمور الإجرائية"
بيدَ أن زوّاراً للبطريرك صفير ممن كانوا منضوين في "لقاء قرنة شهوان" التقوه قبلَ بضعة أيام، ولاحظوا أن رأس الكنيسة المارونية ركّز في حديثه أمامهم على أمرٍ في غاية الأهمية هو ضرورة الانتقال بالبلاد من حالة الفرز الطائفي التي عاشها بعدَ نيسان الماضي وحتى الانتخابات، الى حالة من الفرز السياسي. وإذ يبوح بأن الاصطفافات الطائفية مضرّة لا بل خطيرة، فإن البطريرك يعتبر ـ بحسب ما قال لزوّاره ـ أن استعادة لبنان الى سياق سليم مرتبطة بالفرز السياسي. ويقصد صفير بـ"الفرز السياسي" ضرورة تشكّل كتل سياسية متعدّدة الطوائف تتصارع سياسياً في ما بينها.
ويضيف الزوّار أن البطريرك عندما يقاربُ مسألة إعادة النظر في اتفاق الطائف، فإنه في واقع الأمر يتحدث عن "أمور إجرائية" وليس عن أمور أو موازين ميثاقية، إذ في اعتقاده أن ثمة أموراً إجرائية برزت بعد الخروج السوري من لبنان من نوع مُهلة توقيع رئيس الجمهورية على القوانين والمراسيم أو ما شابَه ذلك من أمور، ويرى أن على المجلس النيابي والحكومة الجديدَين أن ينظرا فيها.
عون وبداية المسار التراجعي: لقاء بقاعصفرين بلا أفق
ما الذي حصلَ كي يبدو الطرحُ الفيديرالي متراجعاً؟
عن هذا السؤال، تجيب أوساطٌ مسيحية مطّلعة ومستقلّة معدّدةً عوامل رئيسية:
أولاً ـ تلاحظُ الأوساط أن عون الذي بلغ الذروة في الانتخابات وحافظ على نسبة من "التقدّم" حتى تشكيل الحكومة، آخذٌ في التراجع سياسياً بما في ذلك في الإطار المسيحي.
وتعتبرُ أن هذا التراجع يرتبط بشكل مباشر بانسداد الأفق السياسي أمام عدد من المشاريع التي كان عون "يراهن" بشكل أو بآخر على أن تشكّل رافعة سياسية، وأهمّها محاولة تشكيل نوع من "جبهة الخلاص" مع أطراف لقاء بقاعصفرين عند الرئيس عمر كرامي والذي شارك فيه الى رئيس الحكومة السابق، الوزير والنائب السابق سليمان فرنجية والنائب السابق طلال أرسلان والحزب "السوري القومي الاجتماعي".
حادثة إهدن
غير أن "أحداثا" تزامنت مع لقاء بقاعصفرين، منها أن موقف كرامي من خروج قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع من السجن محرجٌ مسيحياً، ومنها أيضاً أن الاعتداء الذي نفّذه مناصرو فرنجية على منزل النائب سمير فرنجية والذي قيل أن مناصرين لـ"التيّار الوطني الحرّ" لم يكونوا بعيدين عن سياقه، قد أعطى نتائج عكسية وهزّ صورة سليمان فرنجية، وهذا أمرٌ محرجٌ مسيحياً أيضاً، وذكر أن اجتماعاً تلى حادثة إهدن ضمّ النائب السابق وقياديين في "التيّار" هم جبران باسيل وفايز كرم وحكمت ديب، بحثَ ما بعد هذه الحادثة.
وتضيفُ الأوساط أن انسداد أفق لقاء بقاعصفرين بالعلاقة مع هذه الأحداث، فضلاً عن اعتبارات سياسية كبرى منها ما يتعلّق بـ"نوعية" هذا التحالف والتوظيف السوري الذي كان متوقعاً له، لم يكن (انسداد أفق لقاء بقاعصفرين) أقل أثراً من المداخلة التي أدلى بها الجنرال في جلسة مناقشة البيان الوزاري أول من أمس وبدا من خلالها "مناقشاً" بهدوء ما بعدَه هدوء، وضع الأجهزة الأمنية متحدثاً عن "معنويّاتها المحطّمة".
خروج جعجع: استرداد الوكالة الحصريّة من الجنرال
ثانياً ـ وإذ ترى الأوساط نفسها أن عون بدأ مساراً تراجعياً بعدَ الانتخابات وأن مداخلته في المجلس تؤكّد هذا التراجع، فإنها تلفتُ في المقابل الى أن هذا التراجع يتزامن مع خروج الدكتور سمير جعجع الى الحريّة، لا بل يمكن القول أيضاً أن خروج جعجع يعزّز التراجع العوني، ملاحظةً أن ثمة تبدّلاً في المناخ الشعبي المسيحي بعد خروج جعجع.
وتؤشّر الأوساط الى أن قائد "القوات" ربطَ خروجَه من السجن بـ14 آذار، وتلفت الى إعلانه التحالف مع أركان معادلة 14 آذار: "التقدمي الاشتراكي" و"تيّار المستقبل" و"قرنة شهوان"، والى كلمته في مطار رفيق الحريري الدولي التي تضمّنت التزاماً بالشراكة الوطنية.
وتعربُ الأوساط عن اقتناعها بأن خروج جعجع من السجن أدّى تلقائياً الى "إنهاء" أحاديّة التمثيل المسيحي التي حصدها عون في الانتخابات وفي ظروف معيّنة، وأدى كذلك الى "تحرير" الجمهور المسيحي "المأخوذ" بالوكالة، وإلى "إنهاء" الوكالة الحصريّة التي بدا أن البطريرك أعطاه إيّاها.
إعادة النظر بالطائف = إدخال المسيحيين في المجهول
ثالثاً ـ وإلى الاعتبارات السابقة التي تفسّر تراجع ما بدا أنه طرح فيديرالي، تضيفُ الأوساط المسيحية المستقلّة المطّلعة أن المسيحيين وعلى رأسهم الكنيسة، يدركون أن إعادة النظر في اتفاق الطائف، هي بمثابة إدخالهم في المجهول. ذلك أن اتفاق الطائف هو الضمانة الوحيدة لكلّ مكوّنات البلد، وإذا كانَ من بديل منه، فإن البديل الوحيد هو ذهاب كلّ اللبنانيين نحو الدولة المدنيّة.
كتلتان وتحالفان
رابعاً ـ وعلى أساس ما تقدّم، تبدي الأوساط اعتقادها أن الوضع الراهن المباشر يشير الى أن الطرح الفيديرالي الذي ـ بدا مع التشديد على "بدا" ـ مرتبطاً عملياً بالعماد عون أي بـ"صعوده" كزعيم أوحد للطائفة، لم يعُد له (هذا الطرح) مكان في ظلّ ما يبدو أنه نوع من التوازن بين كتلتين: كتلة التحالف بين "المستقبل" و"الاشتراكي" و"القوات" و"القرنة" والمفتوح على علاقات بالبيئة الشيعية وتمثيلها السياسي من جهة وكتلة التحالف "المتراجع" بين عون وقيادات "ماضويّة" من جهة أخرى، مع رجحان لكفّة التحالف الأول المشدود الى 14 آذار، لجهة الأفق السياسي المفتوح أمامَه.
وتشيرُ الى أنه لا بد من القول أن البطريرك ليس فيديرالياً في الأصل، وأن تغطيته في ظروف سياسية معلومة لمواقف تحتملُ الطرح الفيديرالي، تُخلي (التغطية) مكانَها للتشديد المتجدّد على العلاقة المسيحية ـ الإسلامية. وتضيفُ أن الثنائية السياسية وليس الطائفية المشار إليها آنفاً، من شأنها أن تُفسح في المجال أمامَ استعادة الشخصيات المسيحية المستقلّة دوراً متقدّماً وأمام تنامي تيّار مسيحي مستقلّ لا يكون "مكبوساً" بالأحاديّة.
التعاون المسيحي ـ الإسلامي
وتختم الأوساط بالتشديد على أن المناخ المعاد تشكّله في البيئة المسيحية في ضوء المعطيات بين تراجع عون وخروج جعجع واستواء موقف الكنيسة على مقولة التعاون المسيحي ـ الإسلامي، لا يدعو الى الارتياح فقط ولا الى إزالة هواجس أفرقاء لبنانيين آخرين من أن تكون ثمّة أجندة دولية ما تُدرج المسيحيين اللبنايين في سياقها فحسب، بل يدعو الى الاعتقاد أن العلاقة المسيحية ـ الإسلامية ستشهد تعززاً في المرحلة المقبلة في ظلّ التطوّرات المرتقبة وما يصاحبها مِنْ احتمالات، وأن لا داعي تالياً لأي "توجّس" من أي جهة حيال الجهة الأخرى.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.