لا مبالغة في تكرار انّ لبنان يقيم الآن وإلى مدى غير منظور عند مفترق خطير.
هذا القول تشدد عليه شخصيّات عدة بارزة في الوسط اللبناني، انطلاقاً من تطورات مرتقبة على غير صعيد محلي وإقليمي. وتحدد هذه الشخصيات مصادر الخطر المنظور بالآتي:
التحقيق الدولي وتداعياته
أولاً ـ في غضون أسابيع قليلة يصدر القاضي الألماني ديتليف ميليس تقريره متضمناً نتائج التحقيق الدوليّ في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. لم يكن ممكناً التخلّي عن مطلب جلاء الحقيقة في هذه الجريمة الإرهابية، من زاوية انّ كشف الحقيقة يقطع مع مسلسل طمس الحقائق في جرائم الاغتيال السياسي التي شهدها لبنان على مدى العقود السابقة، لكن من زاوية انّ كشف الحقيقة من شأنه أن يشكل عامل ردع عن مثل هذه الجرائم كما يقول الزعيم اللبناني وليد جنبلاط.
بيد انّ الحقيقة الموعودة من ميليس قد تكون جارحة على قاعدة انّ نتائجها ستعيّن مسؤوليّات عن جريمة إلغاء رفيق الحريري، والأهم من مجرد تحديدالمسؤوليّات انّ من شأن نتائج التحقيق ان تفتح ملفاً رئيسياً في لبنان يتعلق بوجهة التعاطي مع مواقع معينّة ضمن النظام السياسيّ الذي قام في ظلّ الوصاية، وقد تفتح ملفّ ادوار من خارج الحدود، لا شكّ انّ المجتمع الدوليّ عموماً والولايات المتحدة خصوصاً ينويان ضمّ النتائج إلى أسباب الضغط على سوريّا لا بل رفع وتيرة الضغط عليها.
انّ هذا الأمر يطرح من وجهة نظرالشخصيّات البارزة أسئلة كثيرة عن كيفية تعاطي المعنيين مع نتائج التحقيق الدوليّ من جهة، وعن كيفية تعاطي من أصابتهم جريمة اغتيال الحريري في المباشر من جهة ثانية، وعن كيفية تعاطي الفريق اللبناني الذي شكّل الحكومة مؤخراً بما في ذلك الأطراف الذين دخلوا في الشراكة الحكوميّة من جهة ثالثة.
الانسحاب الاسرائيليّ من غزة... والاحتمالات
ثانياً ـ وممّا لا شكّ فيه انّ صدور تقرير ميليس سيتزامن مع تطور على صعيد المسألة الفلسطينية، يتمثل في الانسحاب الاسرائيليّ من غزة في أواسط آب المقبل. وبصرف النظر عن تقويم هذا التطور، فانّ الموضوع سيكون مطروحاً وفق المعادلات الآتية: ستعتبر اميركا واسرائيل انّ تسويّة فلسطينيّة ـ إسرائيلية أنجزت أو انّ هذه الخطوة هي مقدمة لتسوية ما، وستصعّدان تحت عنوان منع احباطها في المدارات العربيّة، وستتصرف السلطة الفلسطينيّة ومعظم الفصائل على انّ الانسحاب الاسرائيلي في غزة مجرد خطوة يجب أن تكون مفتوحة على أفق أوسع، من غير استبعاد صراعات فلسطينيّة ـ فلسطينيّة على السلطة قد بدأت بالفعل، يضعها البعض تحت عنوان وحدة القرار الفلسطيني ويضعها البعض الآخر تحت عنوان ضمان قيام توازن سياسيّ فلسطيني جديد يستطيع مواكبة المرحلة التالية.
إذاً، بالتزامن مع هذا التطورّ على صعيد المسألة الفلسطينيّة، ستشهد المنطقة تصعيداً لا شك انّ ثمة انعكاسات له على لبنان، من دون الدخول هنا في ما يتعلق باللاجئين وأوضاع المخيمّات، لا سيمّا وسط معلومات تفيد انّ ثمة ربطاً حصل في الآونة الأخيرة بين عدد من القيادات الفلسطينيّة الرئيسيّة في لبنان وسوريّا.
مصر وأثر التفجيرات
ثالثاً ـ واذا كانت التطورات في العراق لا تنطوي على أية ايجابية، لا بل هي تطورات مقلقة وفقاً لكل المقاييس، فان ما جرى مؤخراً في مصر من تفجيرات إرهابية في شرم الشيخ استوقف العديد من الشخصيات اللبنانية البارزة، من زوايا عدة: أن مصر تبرز وكأنها خاصرة رخوة يمكن استهدافها بـ"سهولة" أولاً والأمن المصري بدا وقد سقط في الفخ ثانياً والأخطر أن التفجيرات تبدو وقد أصابت "النظام" في وقت يصارع الإسلاميون كما لم يصارعوا من قبل للوصول الى السلطة والإمساك بها ثالثاً. وغني عن القول برأي الشخصيات أن تكون لكل ذلك تداعيات على اعتبار ان مصر تشكل "واسطة العقد" في مجمل الوضع العربي.
"قاعدة الجهاد" والتطاول على مرجعية فضل الله
رابعاً ـ في ظل هذا كله، يأتي التهديد الذي وجهته "قاعدة الجهاد في بلاد الشام" الى أركان في الطائفة الشيعية في لبنان، أي الرئيس نبيه بري والمرجع العلامة السيد محمد حسين فضل الله وقيادات رئيسية في "حزب الله".
وفي رأي الشخصيات الآنفة أنه اذا كان تم التعاطي مع "جماعة النصرة والجهاد في بلاد الشام" التي ادعت مسؤوليتها عن جريمة اغتيال الرئيس الحريري بواسطة "أبو عدس" الذي تبين من التحقيقات أن لا وجود له في هذا الموضوع، اذا كان تم التعاطي مع هذه "الجماعة" على انها "اختراع مخابراتي"، فان التعامل مع التهديد الموجه الى القيادات الشيعية يجب أن يكون جدياً.
طبعاً، ثمة شكوك كبيرة وحقيقية أحاطت بمسلك السلطة في لبنان تحت الوصاية السورية حيال ما سمي مكافحة "الإرهاب الأصولي"، إذ كان الأمر في معظم أحيان تلك الفترة افتعالاً مقصوداً لاعتبارات سياسية. وثمّة شكوك كبيرة وحقيقيّة أيضاً من أن يكون قد تمّ في تلك الحقبة "تغذية" أفراد ومجموعات لغايات استخباراتية أو أن يكون ثمة "شبكات" تضم "أصوليين" يجري استخدامهم. وهذا ما يعني أن "قاعدة الجهاد في بلاد الشام" قد تكون منظمة مزعومة، لكن ثمة احتمالاً ولو ضئيلاً أن تكون "فعلية" خصوصاً بعد معلومات عن "تسرب" أصوليين الى لبنان في الأسابيع الماضية.
محورية دور سعد الحريري
في ضوء ما تقدم: تقرير ميليس وتداعياته، المسألة الفلسطينية، وبروز "العامل الأصولي" على نحو معين، يتبين أن المفترق الذي يقف لبنان عنده خطير، تماماً لأنه محاط باضطرابات اقليمية كبرى يصل "رذاذها" الى لبنان بشكل أو بآخر، وذلك من دون الدخول في نقاش أي من العوامل السابقة سيكون الأكثر تأثيراً. وفي تقدير الشخصيات الآنفة أن ذلك يقتضي تفهم الموجبات الآتية:
1 ـ غني عن القول أن رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري، كما كان والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، هو في مقدم المخاطَبين في ما يتصل بوضع الطائفة السنية، أي بحراسة الاعتدال الإسلامي. ذلك أن الرئيس الحريري كما يؤكد وليد جنبلاط باستمرار كان زعيماً سنياً لبنانياً وعربياً، أي أن حراسته لخط الاعتدال الإسلامي كانت دائماً مستندة الى الأفق العربي وعمله في حقل القضايا العربية الكبرى.
"الجماعة الإسلامية" حليف طبيعي
2 ـ ان تركيز سعد الحريري كوارث للزعامة السنية ودافع لها أيضاً على موضوع الاعتدال الإسلامي، لا بد أن يكون مواكباً من قبل المرجعيات الدينية لا سيما دار الفتوى والمفتي الشيخ محمد رشيد قباني في المقدمة.
بيد أنه آن الأوان للاعتراف بان "الجماعة الإسلامية" في لبنان حليف "طبيعي" لسعد الحريري، انطلاقاً من كون "الجماعة" فريقاً إسلامياً حركياً معتدلاً بنصوصه وممارساته، وبوصفه أثبت أنه لا يطلب مقابلاً لتعاونه وأنه على دراية بخصائص لبنان، والأهم من كل ذلك أنه يعرف أوضاع الساحة الاسلامية ويعي كيفيات التعامل مع مختلف الظواهر في هذه الساحة.
ولا تستثنى من التعاون بطبيعة الحال جهات مناطقية كانت الى جانب الحريري في الشمال والبقاع في مرحلة الانتخابات النيابية الأخيرة.
العلاقة السنية ـ الشيعية
3 ـ ان وحدة خط الاعتدال السني ـ اللبناني ـ العربي، تفترض تعزيزاً للعلاقة السنية ـ الشيعية، لا بل تحقيقاً لوحدة إسلامية في مواجهة التحديات. ذلك أن أخطر ما تواجهه المنطقة العربية ولبنان من ضمنها هو النفاذ من ضعف العلاقة في هذا المجال لإشعال فتنة بين المذهبين الإسلاميين.
ويجب الاعتراف هنا بأن أحد الأوجه الرئيسية للعلاقة بين الرئيس الشهيد رفيق الحريري و"حزب الله" وأمينه العام السيد حسن نصر الله في الشهور التي سبقت جريمة اغتيال الرئيس الشهيد، كان بالضبط عنوان تحصين الساحة الإسلامية. واذا كان من نافل القول ان عناوين سياسية شتى لا بد أن "تحل" بين الحريري و"حزب الله" لا سيما في ما يتصل بملفات مطروحة أو ستطرح، فان ما يقوله وليد جنبلاط عن ان "حزب الله" ليس حزباً أصولياً وأن لا أصولية شيعية، يجب أن يدرس ويؤخذ في الاعتبار. وبطبيعة الحال، فان العلاقة السنية ـ الشيعية لا يمكن أن تقتصر على "حزب الله" شيعياً، ولا مفر من توثيقها مع السيد فضل الله بنوع خاص لما يتمتع به من رؤية إسلامية واسعة ومع المؤسسات الشيعية المختلفة، ولا مفر أيضاً من أن يستعيد الرئيس بري حرية الحركة، علماً أن في الشيعة طاقات فكرية وثقافية كثيرة لا تحدّها أطر معينة.
جنبلاط والنظرة المختلفة
4 ـ لقد عبر وليد جنبلاط في الأيام الأخيرة وعلى طريقته عن موقفه إزاء ما حصل سواء في لندن أو في شرم الشيخ. لم يسمِ التفجيرات إرهاباً ولم يسارع الى إدانتها، ودعا الى مناقشة الأسباب قبل أي شيء آخر.
قيل الكثير عن موقف جنبلاط والبعض ربطه بـ"غايات" سياسية معينة، ومنهم من رأى في هذا الموقف صيغة للاعتراض على عدم لقاء وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس به أثناء زيارتها الى لبنان. غير أن جنبلاط ليس هنا أي ليس في هذا الوارد. فهو يعتبر ليس فقط أن الخلل يكمن في السياسة الأميركية في المنطقة، ولا يرى أن الولايات المتحدة تواجه فشلاً في العراق وفلسطين وحسب، بل هو يلح على القول في مجالسه أن المسلمين في لبنان سنة وشيعة ودروزاً يجب أن يحصنوا أنفسهم بـ"قضايا كبرى"، ليس من أجل عدم بقاء كل فريق متقوقعاً في بيئته فقط، بل من أجل تأكيد البعد العربي والإسلامي الأرحب، فهذا هو برأيه السبيل الى تحصين الساحة الإسلامية وحمايتها من التطرف.
الشريك المسيحي
5 ـ وعند هذا الحد، تصل الشخصيات البارزة الى القول ان ما تقدم ذكره، وهو بحث في الساحة الإسلامية في لبنان، يجب الا "ينقّز" المسيحيين. ذلك أن التطورات والاحتمالات المشار اليها اذا كانت تطرح الوضع الإسلامي قبل غيره وتستدعي وضع تصورات له بالتحديد كي لا تمر "العاصفة" و"الاضطرابات الاقليمية" من خلاله، فان ذلك انما يدخل في إطار حماية الوحدة الوطنية وحماية الشريك المسيحي، طالما ان التحرك المطلوب إسلامياً هو لقطع الطريق على أي فتن وهو يقع تحت سقف الالتزام باتفاق الطائف. وفي جميع الأحوال، ان نقاشاً عميقاً لا بد أن يحصل بعد التطورات على الساحة المسيحية وآخرها خروج قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع من السجن، تأكيداً للشراكة الوطنية الإسلامية ـ المسيحية وتحصيناً للسلم الأهلي وحماية للبنان، وهو أمر لا مفر من العودة اليه في وقت قريب.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.