بدا واضحاً من خلال المواقف التي أعلنتها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في ختام زيارتها المفاجئة والخاطفة إلى بيروت، لا سيما حديثها عن "عملية سياسية" لبنانية لتطبيق القرار الدولي 1559، ان الولايات المتحدة وافقت في نهاية المطاف على "لبننة" تنفيذ هذا القرار وأعطت فرصة لهذه "اللبننة".
وفي تقدير أوساط سياسية وديبلوماسية ان هذا الموقف الأميركي يبدو بمثابة اعتراف بأن ما يُسمّى "نزع سلاح حزب الله" تنفيذاً لـ1559 أمر غير قابل للتحقيق، وقد تجمعت لعدم تحقيقه مجموعة من العوامل الرئيسية:
أولاً ـ ليس في وسع القوى الأمنية اللبنانية، في حال وجد القرار السياسي بذلك، أن تجرّد "حزب الله" من سلاحه، ذلك ان الحكومة ـ مركز القرار السياسي ـ لا يمكنها بقرار من هذا القبيل أن تجازف في زجّ الجيش في مواجهة مع المقاومة، يكون من نتائجها تعريض المؤسسة للتفكك وانعدام الفعالية.
علاقات الطوائف والعلاقة السنّية ـ الشيعية
ثانياً ـ وإلى ذلك يضاف أن أيّاً من القوى الرئيسية في البلاد، وقد باتت القوى السياسية الرئيسية مطابقة لطوائفها، لم يوافق على ما هو أكثر من الحوار اللبناني الداخلي حول المقاومة وسلاحها، أي حول ما يمكن أن يشكّل حاجة ذاتية لبنانية.
وفي خلفية هذه المواقف اللبنانية، أمر في غاية الأهمية. فليس في نيّة أحد أن يحوّل لبنان تحت أي عنوان كان، إلى ميدان لمواجهة سنية ـ شيعية، أو سنية درزية ـ شيعية أو إسلامية ـ مسيحية. وما يحصل في العراق ماثل في أذهان القيادات السنية والشيعية في لبنان، وثمة قرار مشترك بأن لا تصطدم الطائفتان في أي حال من الأحوال، لا سيما ان ما يجري في العراق على هذا الصعيد خطير جداً، فكيف إذا أضيفت إلى كل ذلك "عودة" الأصولية إلى "العمل" على "المسرح العربي"، مما يقتضي يقظة سنية ـ شيعية مشتركة؟
ثالثاً ـ وإذا كان ما تقدّم يؤشر إلى استحالة تنفيذ الـ1559 تحت عنوان "نزع سلاح حزب الله" بأية وسائط لبنانية، فإن الخيارات الأخرى من خارج لبنان تمثل استحالة ايضاً، فلا الولايات المتحدة قادرة على تولي "المهمة" بنفسها، ولا هي قادرة على تكليف إسرائيل بها خاصة ان تولي إسرائيل هذا الأمر يُنتج نتائج عكسية.
"حزب الله" وقناة الاتصال بواشنطن
إذاً، تقول الأوساط السياسية والديبلوماسية إن أميركا مضطرة إلى الاعتراف بأن لا سبيل إلا بـ"لبننة" القرار 1559، وقد "أُفهمت" رايس معطيات الوضع اللبناني. ويروي زعيم سياسي في هذا المجال انه استقبل قبل فترة قصيرة نائبة مساعد وزيرة الخارجية الأميركية اليزابيت ديبل التي أتت إلى لبنان في زيارة سبقت زيارة رايس بأسبوعين، وانه عندما عرض أمامها الوقائع اللبنانية من جهة وعدّد أمامها ما سمّاه "الفشل الأميركي" في غير مكان من العالم العربي من جهة ثانية، لم تعلّق كثيراً لكنها سألت الزعيم السياسي: ما العمل؟ فأجابها بضرورة الإقرار الأميركي بـ"اللبننة" وبالسعي إلى حوار مع "حزب الله"، ولم يكن قد أعلن بعد ان واشنطن أقامت "قناة اتصال" مع الحزب عبر الوزير طراد حمادة.
ومع ملاحظة الأوساط نفسها ان رايس لم تُعلن موقفاً "وديّاً" من "حزب الله" بل قالت ان له تاريخاً دموياً، فإن الأوساط ترى ان رايس في موازاة "الموافقة" على "العملية السياسية اللبنانية" لتنفيذ القرار 1559، لم تُغلق بمواقفها التي تجنبت فيها استخدام مصطلح "الإرهاب" في معرض الحديث عن الحزب، قناة الاتصال المفتوحة، وهذا ما دعا الوزير حمادة في اليوم التالي إلى المطالبة بحوار مباشر بين واشنطن و"حزب الله".
طبعاً، يؤكد "حزب الله" من ناحيته ان طراد حمادة ليس قناة اتصال بالمعنى "الرسمي" للكلمة، وان لقاءاته بالأميركيين تتم في إطار مهمته كوزير لبناني، وسارع الحزب بعد إعلان الديبلوماسية الأميركية انها ستقاطع وزير "حزب الله" محمد فنيش إلى القول "ونحن أيضاً لا نريد علاقة بأميركا". بيد ان حمادة الذي أكد أن لقاءاته الأميركية كانت بمعرفة الحزب وموافقته، لم يبادر "من رأسه" إلى المطالبة بحوار مباشر، كما تقول الأوساط التي تضيف انه لم يكن منتظراً من "حزب الله" أن يُعلن "اغتباطه" بالقناة المفتوحة، وأن المسألة من وجهة نظرها هي مجرّد بداية. بيد ان الأوساط تسلّط الضوء على ما تعتبره أمراً أساسياً هو ما تسمّيه التحوّل ـ المنعطف في التاريخ السياسي للحزب.
الحزب في مركز النظام.. أي تلبنن؟
وتعتبر ان التحوّل يتمثل أولاً في دخول "حزب اله" إلى مركز "القرار الرسمي" اللبناني، أي مجلس الوزراء، وهذا جديد ليس تفصيلاً، أي ان الموقع الذي انتقل إليه الحزب ضمن النظام السياسي لا بد أن يكون ذا تأثير على أدائه كما لا بد أن يراعي الحزب سياسة "الدولة" وديبلوماسيتها. ويتمثل التحول أيضاً بـ"قدرة" الحزب على "تغطية" قناة اتصال غير رسمية مع واشنطن، في وقت من المعروف ان علاقاته الغربية قائمة أصلاً. وهذا يعني بالنسبة إلى الأوساط نفسها ان ثمة "تلبنناً" معيّناً للحزب في موازاة "لبننة القرار 1559"، من دون أن يعني ذلك توهماً بأي شيء في مدى قريب. غير ان الأوساط تلفت في هذا السياق إلى ان هذا المسار من "اللبننة" يتزامن مع نقاط تباين بين "حزب الله" ودمشق حول عدد من النقاط والقضايا اللبنانية الداخلية، برزت خلال الانتخابات وتحالفات الحزب فيها، كما برزت في الأداء عند تشكيل الحكومة بالتحالف مع "تيار المستقبل".
ومع ذلك، أي على الرغم من إقرار كوندوليزا رايس بخيار "لبننة الـ1559"، تعرب الأوساط عن اعتقادها ان خلوّ البيان الوزاري من الإشارة المباشرة إلى القرار الدولي لم يكن في محله، إذ كان من الأجدى مقاربته من الموقع الذي تم التفاهم عليه لبنانياً.
التسليم الأميركي باللبننة.. والأولوية السورية
على أي حال، تبدي الأوساط السياسية والديبلوماسية نفسها اعتقادها ان "تسليم" واشنطن على لسان وزيرة خارجيتها بـ"اللبننة"، لا يعني "استسلاماً" بل "تحويراً" في الأولوية.
ففي رأيها ان رايس لم تعطِ فقط إشارة إلى ان تعاطي سوريا مع لبنان يمثل ركناً أساسياً من سياستها في هذه المنطقة، بل أعطت إشارات تشدّد إضافي حيال دمشق، الأمر الذي يعني بالتزامن مع الإقرار بـ"اللبننة" في المدى المنظور، العودة إلى أولوية تشديد الضغوط على سوريا. وبكلام آخر، ليس ثمة مهادنة من قبل واشنطن في "العنوان السوري" الذي يتشكّل من مجموعة ملفات تبدأ في العراق وفلسطين ولا تنتهي في لبنان، حيث التناقض جليّ بين رغبة سوريا في استدراج تعاطٍ أميركي ما معها وقرار أميركا الرافض أي تسوية، في وقت يبدو ان الإدارة الأميركية "ضمّت" ملف التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري إلى سائر الملفات الأخرى، أي انها وبحسب نتائج التحقيق الدولي ستقرّر وجهة التعاطي مع دمشق، كما تقول الأوساط نفسُها.
بكلام آخر، تضيف الأوساط ان الموافقة الأميركية على "لبننة الـ1559" أي "تأخير" التنفيذ، تتزامن مع تصعيد أميركي في المسألة السورية، الأمر الذي يقتضي من اللبنانيين التنبّه له، لا سيما على مستوى العلاقات بين الطوائف اللبنانية، ودائماً بالنسبة إلى العلاقات الإسلامية ـ الإسلامية بالدرجة الأولى.
التعاطي الأميركي مع لحود
والأمر نفسُه ينسحب على التعاطي الأميركي مع الرئيس إميل لحود. فإذا كانت كوندوليزا رايس التقت لحود من ضمن برنامج زيارتها إلى لبنان، فيما امتنعت اليزابيت ديبل عن اللقاء به، فذلك لا يفيد بتحول أميركي ـ أو دولي ـ حيال رئيس الجمهورية كما ترى الأوساط التي وجدت ان ثمة تضخيماً في لبنان لدلالات لقاء رايس ـ لحود الأسبوع الماضي.
وإذا ما وضعت الإشارات الرمزية التي أعطتها الوزيرة الأميركية جانباً، لا سيما تسريب الوفد المرافق لها ان "لحود يمثل الماضي" بينما رئيس الحكومة فؤاد السنيورة يمثل المستقبل والشرعية الناجمة عن الانتخابات، فإن الموقف الأميركي حيال لحود يتوقف على نقطتين رئيسيتين: تعاطيه مع الحكومة من ناحية، وما سيتوصل اليه التحقيق من نتائج من ناحية ثانية.
إذاً، لا تستبعد الأوساط السياسية والديبلوماسية أن يكون "ترييح" واشنطن للبنان بالنسبة إلى القرار 1559، مرتبطاً إلى حدّ كبير بالتطورات المتوقعة على صعيد "المسألة السورية" أو على صعيد نتائج التحقيق الدولي خلال الأسابيع القليلة المقبلة.
وعلى هذا الأساس، يبدو في غاية الأهمية أن تبادر القوى اللبنانية الرئيسية إلى دراسة الاحتمالات كافة، كي لا يحصل أن "يزمط" لبنان من موضوع لـ"يقع" في موضوعات أخرى.. أي ان الوضع اللبناني كما تختم الأوساط يبدو مقبلاً على منعطف دقيق وخطير أين منه ما اجتازه من منعطفات خلال الشهور الماضية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.