8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حكومة السنيورة تتسلّم مهمّاتها عند مفترق خطير.. والأمن هو الأولويّة

تتسلّم حكومة الرئيس فؤاد السنيورة مهمّاتها عند مفترق سياسيّ ـ أمنيّ بالغ "الدقّة" و"الخطورة"، يشكّل كلام رئيس فريق التحقيق الدولي ديتليف ميليس إلى صحيفة "الفيغارو" الفرنسيّة أوّل من أمس، المؤشّر الرئيسيّ إلى خطورته.
التحقيق انتهى؟
فبرأي أوساط عدّة انّ ميليس عندما يعلن اشتباهه بدور لقائد لواء الحرس الجمهوري مصطفى حمدان في تغيير معالم مسرح جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أي "ضمناً" اشتباهه بدور لهذا المسؤول الأمنيّ في الجريمة نفسها، فانّه يكون على الأرجح قد توصّل إلى نتيجة محدّدة في تحقيقاته، مهّد لإعلانها "كلها" بكشف جزء منها أولاً بأول. وثمة من يعتقد انّ ميليس أنهى تحقيقاته الرئيسيّة بالفعل وتوصّل إلى تحديد المسؤوليّات في الجريمة الإرهابيّة، وان تقريره إلى الأمم المتحدة قد لا ينتظر المهلة المحددّة له في منتصف أيلول المقبل، ولعله يصدره قبل هذا التاريخ. وهناك من يعتبر انّ فحوى التقرير معروفة مسبقاً لدى المعنيين مباشرة، ولذلك خيم "شبح التقرير" فوق الوضع السياسيّ اللبناني بحساباته المحليّة وامتداداته الاقليمية خلال الفترة القريبة الماضية.
بيد أنّ الأوساط تتوقف عند حدود ما أعلنه ميليس، أي الاشتباه بحمدان، وتقول انّ هذا الاشتباه الذي يمهدّ لـ"الاتهام"، قد لا يقف هنا اذ ليس صعباً "تخيّل" امكان أن تذهب الاتهامات إلى "ما فوق" حمدان، إلى مجمل التركيبة السياسيّة ـ الأمنيّة، اللبنانيّة ـ السوريّة، التي تشكلت خلال السنوات الأخيرة في ظلّ الوصاية السوريّة. وتضيف انّ الاتهام حتى لو بقي في حدود مصطفى حمدان يجعل هذه التركيبة كلّها ولا سيّما الرئيس إميل لحود موضع اتهام سياسيّ، فكيف اذا "ارتفع" إلى مستوى أعلى لبناني أو سوريّ، سواء استند ذلك إلى "اعترافات" رئيس الحرس الجمهوريّ أو استند إلى الهرميّة السياسيّة ـ الأمنيّة في النظام الأمنيّ اللبناني ـ السوري المشترك.
رئاسة لحود ومصير التعايش "القسري"
وتعرب الأوساط عن اقتناعها هنا بأنّ تقرير المحقق الدوليّ سيكون عند صدوره وتبعاً لمقدماته بمثابة قنبلة سياسيّة مدويّة ليس فقط من زاوية انّ جريمة اغتيال الرئيس الحريري ستكون أوّل جريمة سياسيّة إرهابيّة تُعرف حقيقتها، وليس من زاوية انّ معرفة الحقيقة في هذه الجريمة ستكشف الحقيقة في جرائم أخرى قبل وبعد اغتيال الحريري وحسب، بل من زاوية انّ هذه القنبلة السياسيّة ستعيد حكماً ومنطقياً طرح مصير رئاسة اميل لحود، بعد أن أفضت تطورات عدّة محلية وخارجية إلى "فرض" نوع من التعايش الموقت بين قوى حصلت على الغالبيّة للتغيير ورئيس "موروث" عن المرحلة السابقة، كان التمديد له فاتحة مسار من الاغتيالات والتصفيات السياسيّة.
إذاً، ترى الأوساط انّ صدور تقرير ميليس ـ أي قراره الظنّي والاتهامي ـ متضمناً مسؤوليّات أوسع من مسؤوليّة حمدان، أو بقاء التقرير في حدود مسؤولية قائد الحرس الجمهوري، يطرحان مباشرة انتهاء "التعايش المفروض" بين حكومة تمثل التوازن الناجم عن الانتخابات ورئيس تكمن مسؤوليته في الحد الأدنى في أنه حمى حمدان واستمر في الدفاع عنه، فضلاً عن كونه الرئيس "الرسمي" للنظام الأمني في لبنان.
كيف سيتعاطى لحود؟
وتتساءل الأوساط نفسها عن كيفيّة تعاطي الرئيس لحّود مع معطيات جديدة تمثلها نتائج التحقيق الدولي، وترتبط رئاستُه بها ارتباطاً كبيراً. وفي هذا الإطار، تلفت الى أنّ أداء لحّود عندما تمّ تسريب خبر استجواب العميد حمدان لمدة عشر ساعات بعد مداهمة منزله ومكتبه وتفتيشهما، كانَ أداءً هجومياً في الإعلام في محاولة ليس فقط للتمييز بين الاستجواب والاتهام بل لتجديد نوع من الثقة بقائد حرسه ضدّ إدانات المعارضة ـ السابقة ـ للأجهزة الأمنية وأبرز قادتها أي حمدان نفسه، الوحيد الباقي في موقعه حتى الآن من بين سائر قادة الأجهزة. أمّا أوّل من أمس، وبعيد صدور كلام ميليس في "الفيغارو"، فقد تلقّت بعثة الأمم المتحدة ضغوطاً كثيرة ليصدر توضيح لكلامه تحت عنوان ان "الشبهة" ليست اتهاماً، وهي على ما عُلم ضغوط تولاها فريق غير بعيد عن لحّود. وأهم ما تلفت الأوساط اليه في هذا المجال، هو أن رئيس الجمهورية وعلى الرغم من كلام ميليس حتى ضمن الحدود التي بقي عندها، لم يبادر الى الطلب من حمدان الاستقالة ولا طلب إقالته، مستغربة هذا التمسك الرئاسي بمسؤول أمنّي قال ميليس في مرة سابقة ومن دون أن يذكره إسمياً أنه "المشتبه الوحيد" حتّى الآن بعد تحقيقات شملت نحو مئة شخصيّة.
وتأسيساً على هذا الأداء، تستنتج الأوساط أن لحود لن يستخلص النتائج بـ"سرعة"، وعلى "الأرجح" أن يمارس تصعيداً حول بقائه في الرئاسة يبلغُ الذروة.
الاغتيالات المتزامنة مع التحقيق الدولي،
ومحاولة اغتيال المرّ
وثمة جانب آخر من الموضوع تلفت الأوساط اليه. فالاغتيالات التي جرت بعد الانسحاب السوري "الرسمي" من لبنان، إذ تزامنت مع بدء لجنة التحقيق الدولية مهمتها في حزيران الماضي، نُظر اليها (الاغتيالات) من قبل العديد من المراقبين على انها محاولات ضغط بالدم على اللجنة، لإحاطة عملها بمناخ من الترهيب، لكن أساساً بهدف إجبارها على عدم تخطّي "رؤوس" معينة بنتيجة التحقيق، أي بهدف فرض نوع من "تسوية" عليها تُقدّم بموجبها رؤوس معينة "كبش فداء" لقاء عدم توريط النظام الأمني بتراتبيته السياسيّة الأمنيّة في المسؤولية.
طبعاً، كاد وزير الدفاع الياس المرّ أن يدفع الثمن "كاملاً" لولا العناية الالهية، فكان أن دفع بعضه جراحاً لا يزال يستشفي منها. وفي قراءة الأوساط لمحاولة اغتيال الوزير المرّ، تذكرُ أنّه كان من بين قلة ناصحة باقالة مصطفى حمدان حماية لموقع الرئاسة فلم يكن له ما نصح به، فضلاً عن خلاف لم يعد سراً أنّه قام بينه وبين المسؤول الأمنيّ السوري "الأخير" في لبنان. وتقول الأوساط إنها إذ لا تجزم بمن "عَمِلَها" مع المرّ، فانها تجزم في المقابل ان جريمة محاولة اغتيال وزير دفاع لبنان، على علاقة بمجريات التحقيق الدولي، إذ يبدو أنّ ثمّة من يضغط بقوة كي لا يستمع ميليس الى شهادات وإفادات تنقل المسؤولية عن جريمة اغتيال الرئيس الحريري الى "فوق". وترى أن محاولة اغتيال الوزير المر قد لا تكون مؤسسة على كلام له أمام ميليس، وقد تكون استباقيّة لكلام ليس من المرّ نفسه بالضرورة يمكن أن يسلّم المحقق الدولي خيوطاً عنكبوتية عدة. والمهم أنّ لحّود "بلع" محاولة اغتيال صهره، وكان سبق له أن نصحه بالسفر في مرة سابقة عندما أبلغه الوزير انّ ثمّة محاولة لاغتياله من قبل "فرع" أمنيّ معين، وذلك بُعيد رضوخ لحود لمطلب إقصاء المرّ عن وزارة الداخلية في حكومة عمر كرامي.
التحقيق الدولي يخيم فوق لبنان
وتقدر الأوساط نفسها أن كل شيء في لبنان ارتبط في الآونة الأخيرة بالتحقيق الدولي ونتائجه، وتمحور حول هذا التحقيق. الضغوط في مرحلة الانتخابات بهدف قطع الطريق على فوز المعارضة ـ السابقة ـ بغالبية نيابية، كانت لتأمين حصانات وحمايات سياسية بأفق التحقيق الدولي... والضغوط الجارية فصولاً في مناحٍ اخرى تبدو أيضاً بهذا الأفق، أي محاولة إجبار لجنة التحقيق الدولية على خفض مستوى المسؤوليات في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد.
المخاوف من دماء جديدة
من هنا وبناء على كل هذه المقدمات، تبدي الأوساط المتابعة اعتقاداً راسخاً ان لبنان مع صدور تقرير ديتليف ميليس لن يكون هو نفسه قبله. وإذ تؤكد اقتناعها بأن الصراع السياسي في لبنان سيعود إلى الاحتدام بقوة بعد التقرير، تعرب عن مخاوف أمنية عالية سواء في الفترة الفاصلة عن صدور التقرير في منتصف أيلول أو قبله، أو في الفترة التي تليه، مخاوف من مزيد من الاغتيالات، ومن مزيد من الدماء. وتوضح ان هذه المخاوف تبقى قائمة حتى لو تمّت قراءة مسارعة رئيس الجمهورية إلى توقيع مراسيم تأليف الحكومة على انها "استدراك" لموقف دولي كان بادئاً في التشكّل ضدّه. وتقول ان لحود قد لا يكون وقّع مراسيم الحكومة لهذا السبب أصلاً، بل ربما لانه حصل على حصّة فيها.
وفي كل الأحوال، تؤكد الأوساط ان مخاوفها الأمنية تزداد عندما تعرف ان التحقيق الدولي لن يتوصل إلى "مساومة"، أي انه لن يُنحّي أية مسؤولية يكشفها التحقيق. ولذلك، تختم بالقول ان تسلّم حكومة الرئيس السنيورة مهمّاتها عند مفترق سياسي ـ أمني خطير، يضع على عاتقها أولوية الأمن على ما عداه، مضيفة انها إذ تدرك صعوبة تحقيق إنجازات كبرى في مجال الأمن، وإصلاح أجهزته وهيكلته في غضون أيام أو أسابيع قليلة، فإنها في المقابل تدعو الحكومة إلى خطوات سريعة قد يكون من بينها تكليف الجيش مهمة حفظ الأمن وملاحقة "الشبكات" التي تقتل بناء على الطلب، لكن الأكيد ان الموقف السياسي هو أساس بما يستدعي مظلّة سياسية عربية ودولية فوق سماء لبنان.
الله يسُتر!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00