8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

جعجع والموقف "المركّب" بين "العصب المسيحي" والشراكة اللبنانية

عندما سيخرج قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع من سجنه في غضون الأيام القليلة المقبلة، نتيجة للتطورات السياسية التي شهدتها البلاد في الشهور الماضية، فإنه سوف "يدخل" في المقابل الى "اللائحة السوداء" التي وقّعها "نظام الاغتيالات" وتضمّ أسماء من قرّر النظام الأمني التخلص منهم إما لأدوارهم في صنع التطورات وإما تصفية لحسابات معينة بين أطراف هذا النظام وإما لزرع الفوضى وعدم الاستقرار بالمطلق.
هذا التقدير الذي تُعلنه أوساط متابعة لا ينطلق من معلومات محدّدة، بل من تحليل "منطقي" لمجرى الأحداث في البلد، وعلى أساس الدور الذي لعبته "القوات" بتوجيه مَن قائدها وهو في السجن، وهو الدور الذي جعل من سمير جعجع أحد الرموز الأساسيين لانتفاضة الاستقلال ولتحالف الرابع عشر من آذار.
وهكذا، فإذا كان سمير جعجع "مشروع شهيد" في مرحلة "الذهاب" الى السجن حيث جرى تدفيعه ثمن دوره في الفترة التي سبقت بما في ذلك دوره في تغطية الطائف وإن كان مارس آنذاك نوعاً من "النزاع" في إطاره، فإنه "مشروع شهيد" في مرحلة "الخروج" من السجن الى الحرية. وكما كان اعتقاله مؤشراً الى بدايات تكوّن النظام الأمني في "الفَوْتة"، فإن خروجه بدون مهادنة مع النظام الأمني وبرفض متكرّر لشروطه، يؤشر الى احتمال استهدافه في "الطلعة".
سيكون الهاجس الأمني كبيراً إذاً لدى "القوات" في تقدير الأوساط المتابعة، لا سيما انها استُهدفت على مدى سنوات سَجن قائدها بـ"تركيبات" أمنية شتّى، وهي تعرضت في الأسابيع الماضية لـ"تركيبات" أمنية ايضاً هدفت الى محاولة "شلّها" حيناً وإلى تشويه صورتها في كل الأحيان.
خيارات افتراضية
بيد ان هذا الهاجس الأمني المشروع والمفهوم لن يكون الموضوع الوحيد على جدول أعمال "القوات اللبنانية"، لأن "المسألة السياسية" ستكون الأساس، أو بالأصح مسألة "التموضع السياسي" كما تقول الأوساط المتابعة نفسها التي ترى ان "القوات" ستكون "نظرياً" أمام مجموعة من الخيارات في هذا المجال.
1 ـ في ظل الاصطفاف الراهن في البيئة المسيحية المارونية، والتقاطعات الكبرى بين رئاسة الجمهورية والكنيسة و"التيار الوطني الحر" الذي يُطوّب بوصفه "حزب الطائفة المارونية"، يبرز خيار "نظري" أول هو "الالتحاق" بما يبدو الآن انه "وحدة الطائفة"، ويتغذى هذا الخيار "النظري" أو "الافتراضي" من كون "القوات" وضعت نفسها خلال السنوات الماضية تحت عباءة الكنيسة، ومن كون الكنيسة تلقي مظلتها فوق "وحدة الطائفة" في هذه الأيام.
2 ـ وفي ظل الاصطفاف الراهن مارونياً، يتبدى خيار "نظري" ثانٍ، هو اعتماد سياسة "عدم التواجه" مع هذا الاصطفاف كي لا تتحمّل "القوات" مسؤولية شقّ الصف أو الخروج عن "وحدة الطائفة"، أي خيار "أقوى" من خيار "الالتحاق".
3 ـ وثمة خيار نظري ثالث يتوقف على مدى استعداد الكنيسة ورئيسها له، وهو نوع من "الثنائية" مع الكنيسة شبيهة "مبدئياً" بما كانت عليه الحال قبل اعتقال الدكتور سمير جعجع وفي السنوات الأخيرة، خاصة إذا تبيّن انّ المواقف الأخيرة للكنيسة تغطيةً لرئاسة الجمهورية، و"التيار العوني" وتحالفهما ناجمة عن تأثرها (الكنيسة) بتوازن القوى بوجود جعجع في السجن في مقابل وجود العماد ميشال عون في الحياة السياسية بعد عودته من المنفى القسري و"الظاهرة" التي رافقت عودة الجنرال.
الخيار الواقعي: التمايز والفعالية
4 ـ وتلفت الأوساط نفسها الى الآتي: الخيار "النظري" الأول الالتحاقي يعني عملياً السير خلف عون باعتباره "العمود الفقري" لتحالف "وحدة الطائفة"، والخيار الافتراضي الثاني أي "عدم التواجه" يعني عملياً "الانكفاء" وقد يعني في أحسن الأحوال ثنائية ضعيفة أي أن تكون الأرجحية فيها لعون، والخيار الثالث يتوقف على موافقة الكنيسة على قيام ثنائية في مقابل ثنائية عون ـ رئيس الجمهورية أو عون وحده.
وهنا تسارع الأوساط الى القول ان جميع الخيارات "النظرية" أو "الافتراضية" السابقة تدور حول فكرة واحدة هي ان "القوات" بعد خروج قائدها من السجن ستكون قليلة المبادرة أو غير حريصة على "التمايز" أو بحاجة الى استعادة "الأنفاس" أو ضعيفة، وانها لذلك ستلجأ الى خيارات سهلة لكنها بالمضمون مكلفة لجهة إنعدام الفعالية.
وتعتبر الأوساط ان من يعرف شخصية الدكتور جعجع من جهة ومن تابع المسار السياسي للقوات بتوجيه منه في الفترة الماضية من جهة ثانية، لا بدّ أن يدرك ان جعجع يتخّذ المواقف الصعبة و"المركّبة" في آن، وهذا يعني الآتي؟
إدارة التمايز مع عون
أ ـ ستكون "القوات" مع عودة جعجع الى الحياة السياسية، وبالاستفادة من دروس تجربتها، لا سيما ضمن البيئة المسيحية، حريصةً على التمايز عن التيار العوني وعلى إدارة هادئة لهذا التمايز ـ الاختلاف. وتستند الأوساط في تقديرها هذا الى أمرين: الأول هو انه لا يعقل أن ينصح جعجع رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري بالحوار مع عون ولا يطبّق ذلك على نفسه، والثاني هو ما أكدت عليه "القوات" في بيانها الصادر بعد إقرار قانون العفو لجهة الحديث عن الديموقراطية، والمنافسة السلميّة و"التنوّع ضمن الوحدة".
الاعتراف الإسلامي: إنجاز مكتسب
ب ـ وستكون "القوات" حريصة جداً على ما حققته من إنجازات ثمرةً للخط السياسي الذي اتبعته في المدة الأخيرة خصوصاً، لا سيما التحالف الانتخابي ـ السياسي مع قوى وتيارات من الشطر الآخر من لبنان. وأهم هذه الإنجازات على الإطلاق هو التقدم الذي حققته باتجاه موقع "الشريك المسيحي" المعترف به إسلامياً. وغنيّ عن القول، في رأي الأوساط المتابعة، ان "القوات" التي حققت انتقالاً كلّف مخاضاً طويلاً، من المدار الطائفي الى المدى اللبناني العام، تكسبُ بالمقارنة مع "التيار الوطني الحر" نقطةً ثمينة في وقت يجري هذا "التيار" انتقالاً معاكساً.
التجربة العونية الأخيرة: نقطة لصالح "القوات"
ج ـ وستكون "القوات" أمام تجربة عمرها ثمانون يوماً للتيار العوني، تفيدُ ان العماد عون أهدر فرصاً ثمينة، بما في ذلك فرصة المشاركة في الحكومة وهي مشاركة لا شك في انه تعامل معها وفق معادلة أريدُها (المشاركة) وأتظاهرُ بأنني "مستغني" عنها. وأهدر عون فرصة التعامل مع المدى اللبناني العام وفرصة إثبات قدرته على الشراكة مع الآخر. وبات عون الآن أمام إشكالية معقّدة: لا هو في السلطة "يستفيد" منها ويفيدها، ولا هو قادر على "الاستمرار" في معارضة طالت كثيراً ولم يُحسن "تثميرها" في الوقت المناسب. وهذه التجربة التي ستكون ماثلة أمام "القوات" من شأنها أن تشكّل تزكية للخط المعتمد من قبلها.
"العصب" و"الشراكة"
د ـ وفي رأي الأوساط المتابعة ان الموقف "المركّب" الذي يتلاءم مع شخصية جعجع وتفكيره "الجدلي"، يجمع بين "العصب" المسيحي الذي تتمتع به "القوات" وتعززّه سنوات صمود "الحكيم" في السجن من ناحية والانفتاح على الشراكة اللبنانية من ناحية اخرى، أي يجمع بين الحرص على عدم استدراج البيئة المسيحية الى متاهات وبين مواصلة خط الشراكة، وهذا خطّ له جمهوره المسيحي، إذ ليس صحيحاً تصوير الجمهور المسيحي وكأنه متعطّش الى شيء آخر غير الشراكة المتساوية في الوطن، فضلاً عن كون جعجع زعيماً أيضاً، وقائداً طالب المسيحيون به طوال أحد عشر عاماً.
إذاً، يخرج سمير جعجع من السجن في الأيام وربما الساعات القليلة المقبلة، محاطاً بأخطار أمنية. بيد ان الحماية السياسية للقوات ـ وهي الأهم ـ هي في الموقف المركّب المشار اليه من الأوساط المتابعة وهو الموقف الذي أعطى "القوات" موقعاً متجدداً في المعادلة السياسية أدخلها في قلب التوازن الوطني، إضافة الى ان "الساحة المسيحية" أو "البيئة المسيحية" سيكون مشهدها مختلفاً بعد خروج جعجع عمّا كان عليه مباشرة بعد عودة عون. وتختم الأوساط بتأكيد ان خروج "الحكيم" من السجن وبهذا الخط "المركّب" سيعيد التوازن الى الوضع السياسي المسيحي، وربما لو تمّ خروجه قبل الانتخابات لأنتج توازناً مختلفاً، لكن هذا التوازن المطلوب هو "المناخ" الذي في ظله، سيعود الاعتبار الى تيارات وشخصيات "الشراكة الوطنية" من المسيحيين.
لن تتأخر "الصورة" عن الظهور!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00