8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حكومة الـ 105 الخيار الاضطراري الأخير

لم ينجح الرئيس المكلف فؤاد السنيورة في تشكيل ما يسمّى "حكومة وفاق وطني" أو "حكومة اتحاد وطني" سواء في صيغة من 24 وزيراً أو من 30 وزيراً، إذ تعرضت محاولاته على هذا الصعيد لـ"الإجهاض" الذي أتى من العماد ميشال عون في "واجهة" الصورة ومن الرئيس إميل لحود في خلفيتها.
وقائع من المفاوضات مع عون
ففي لقاء قريطم الأحد الماضي الذي جمع عون برئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري والرئيس السنيورة، تمسك قائد "التيار الوطني الحر" بحقيبتين لتياره إحداهما وزارة العدل. تمنى السنيورة على عون أن يسمّي شخصية تتلاءم مواصفاتها التخصصية مع هذه الحقيبة، فأصرّ الجنرال على اللواءعصام أبو جمرة وبعد أخذ وردّ كان له ما أراد.
أثار عون مسألة تمثيل زحلة والأرمن. وبعد نقاش تم الاتفاق معه على أن يتصل السنيورة بالنائب الياس سكاف ليطلب منه تسمية شخصية كاثوليكية زحلاوية مستقلّة فأصرّ على أن يكون هو شخصياً في الحكومة. وكان عون عندما سئل عن كيفية التصرّف في حال إصرار السكاف على توزير نفسه، أجاب بما معناه "يصطفل". أما بالنسبة الى التمثيل الأرمني، فكان للحريري والسنيورة موقف أكدا من خلاله انه لا يمكن تمثيل "الطاشناق" في وقت تنضوي أكثرية النواب الأرمن من خارج هذا الحزب في كتلة "تيار المستقبل". اقترح عون أن يصار الى الاتصال بالطاشناق والطلب منه اقتراح شخصية مستقلة، فتمسك الحزب الأرمني بالمشاركة عبر الوزير في الحكومة المستقيلة آلان طابوريان. وكان عون عندما سئل عن وجهة التعاطي في حال تمسك "الطاشناق" بالتمثيل الحزبي المباشر أجاب بما معناه "يصطفل" ايضاً. وأبلغ عون بنية الرئيس المكلف إشراك الوزير الياس المرّ في الحكومة، وعندما سئل عن كيفية التعامل مع رئيس الجمهورية في حال إصراره على المشاركة بأكثر من وزير، أجاب بما يفيد انه ليس "مربوطاً" برئيس الجمهورية.
إذاً، كان الاتفاق تاماً مع عون الأحد الماضي وأعلن ذلك بنفسه. غير انه أصرّ في اليوم التالي بعد الاجتماع الذي عقده تكتل "الإصلاح والتغيير" على أربعة وزراء هم عصام أبو جمرة وسيمون أبي رميا عن "التيار" وسكاف وطابوريان، ولم تفلح محاولة تذكيره بالاتفاق الذي لم تمضِ عليه أربع وعشرون ساعة.
الرابط مع لحود
في اليوم التالي، حصلت جريمة محاولة اغتيال الوزير الياس المر. وفي مناخها، وجد الرئيس السنيورة انه يمكن لتشكيل الحكومة أن يحصل في ظل الأجواء التي خلفتها الجريمة. أجرى اتصالاته قبل الصعود الى بعبدا، فكان إصرار عوني على أربعة وزراء ضمن تشكيلة الـ24، فأبلغ ان رفع عدد الوزراء الى 30 سيكون الخيار لاستيعاب هذا المطلب.
ذكّر عون بأنه يطالب بتمثيله بخمسة في حكومة ثلاثينية، لكن عندما قيل له ان لحود قد يطلب توزير اسم اضافي هو الوزير في الحكومة المستقيلة شارل رزق، أجاب عون بما معناه أن لا مشكلة بينه وبين لحود.
محاولة اغتيال الياس المرّ
هذه الرواية المسهبة تهدف الى تسليط الضوء على نقطتين رئيسيتين: الأولى هي ان عون لا يستُر الارتباط بلحود كما تجلى ذلك عند الوصول الى التشكيلة الثلاثينية، ويحسبان بعضهما ضمن معسكر واحد، والثانية تتعلق بتوقيت افصاح الجنرال عن نقض الاتفاق مع سعد الحريري والسنيورة. والتوقيت بعد محاولة اغتيال المرّ، يعني ان هذه "الرسالة الإقليمية" الموجهة الى لحود على خلفيات شتى، تعامل معها عون على انها رسالة موجهة اليه ايضاً، لكأنها رسالة تذكير غير مباشرة له بـ"دفتر الشروط" الذي بدا ان عون يخرقه باتفاقه مع الحريري وكلامه الايجابي في قريطم حول التعاون المستقبلي. اما الرواية فهي للتشديد على ان رفع عدد الوزراء الى 30 فرضه تمسك الجنرال بسكاف وطابوريان.
"الاتحادية" سقطت والإكسترابرلمانية كذلك
إذاً، سقطت محاولة تشكيل حكومة اتحادية شاملة لتمثيل لحود وعون بالموقف الذي اتخذه جنرالا بعبدا والرابية. ونصح لحود السنيورة بتشكيل حكومة اكسترابرلمانية، إلا ان معظم الفرقاء المعنيين بتشكيل الحكومة رفضها بحيثيات وازنة أهمها ان استعادة النظام الدستوري الديموقراطي وبناءالدولة والتعامل مع قرارات المجتمع الدولي، أمور لا تحققها إلا حكومة سياسية قوية. ذلك ان الفرقاء يعتبرون ان حكومة اكسترا برلمانية تدعمها الغالبية النيابية ولا تشارك فيها مباشرة، ستكون حكومة "ثانية" توازيها حكومة "أولى" هي "الحكومة الأمنية".
لم يكن في استطاعة السنيورة بعد أن أجهضت "الحكومة الاتحادية" بتشكيلتيها الـ24 والـ30، وبعد أن تبين ان فكرة الحكومة الاكسترابرلمانية لا تحظى بالموافقة السياسية، أن يشكل ما يسمى حكومة الغالبية النيابية العددية أي الـ72 نائباً، لان الغالبية النيابية منقوصة وفاقياً إذ لا تضم التمثيل السياسي الشيعي. والى ذلك يضاف ان "التحالف الشيعي" كان متحالفاً مع قوى الغالبية النيابية في بيروت وبعبدا ـ عاليه والبقاع والجنوب، وقام هذا التحالف على أساس سياسي أي انه لم يبق في الإطار الانتخابي، والدليل على ذلك ان محور الحريري ـ وليد جنبلاط رجّح رئاسة نبيه بري للمجلس النيابي.
الخيار الاضطراري: فخ أو ديموقراطية؟
لم يعد من خيار أمام الرئيس السنيورة إلا تقديم تشكيلة حكومية من 24 وزيراً تحظى بدعم 72 + 33، أي تحالف الغالبية (المعارضة السابقة) مع "التحالف الشيعي" وحلفائه، تشكيلة يؤيدها 105 نواب.
برز حيال هذه الصيغة التي كانت بمثابة "الخيار الأخير"، رأيان. ويرى أصحاب الرأي الأول انها "فخ" استدرج الرئيس المكلف والكتل الداعمة لهذه الصيغة اليه. وهذا "الفخ" هو قيام حكومة بتمثيل إسلامي قوي سنياً وشيعياً ودرزياً، في مقابل تمثيل مسيحي ليس بهذه القوة، خاصة بعد أن تم تطويب العماد عون زعيماً للمسيحيين وبعد أن اعترف أطراف المعادلة الإسلامية بذلك وتعاملوا مع عون على هذا الأساس. ويعتبر أصحاب هذا الرأي ان "الفخّ" في النهاية يكمن في إخضاع حكومة مشكلة على هذا النحو الى موقف مسيحي سلبي منها والى "مواجهة" مع هذا الموقف المسيحي فضلاً عن ان من شأن هذه الإشكالية أن تكشف لبنان أمام الخارج الدولي.
أما أصحاب الرأي الثاني، فيرون ان هذه التشكيلة "اضطرارية" بمقاييس عدة. فلا يمكن من وجهة نظرهم إبقاء تشكيل الحكومة في دائرة الابتزاز الى أمد غير منظور، ولا يمكن ترك أمر الحكومة خاضعاً لـ"فيتو" من طرف معين، ولا يمكن لأكثرية من 105 نواب موافقة على تشكيلة حكومية معينة أن تقبل بـ"ديكتاتورية" 21 نائباً.
ويضيف أصحاب هذا الرأي ان المسألة هنا سياسية وديموقراطية ودستورية، ولا يمكن تعطيل آليات النظام السياسي. فـ"المشكلة" مع العماد عون ليست لكونه مارونياً أو الأكثر تمثيلاً في البيئة المسيحية، بل هي قائمة على اعتبارات ـ سياسية أهمها انه بموقفه "يعطل" قيام حكومة ما لم تكن على شروطه التي يتلطى لحود وراءها. ثم ان الحكومة لن تمارس سلطتها من خارج الوفاق والدستور، وهي تضم ممثلين عن المسيحيين لهم حيثياتهم ايضاً وفازوا في الانتخابات، وهم كانوا أصلاً سيُمثّلون في الحكومة الى جانب عون على الرغم من امتعاضه المعلن من مشاركة وزراء من "قرنة شهوان" خاصة النائب بيار الجميل. ويعتبر أصحاب هذا الرأي ان المسألة مسألة صراع سياسي، معترفين مع ذلك ان الوضع العام في البلاد انتج مجموعة فيتوات في ظل الاصطفافات التي حصلت، و"الأحاديات" و"الثنائيات" التي تكوّنت في الطوائف وفي ما بينها. لكنهم يكررون ان الصيغة الحكومية التي قدمها السنيورة أمس لتحالف الـ72 والـ33، انما هي اضطرارية كي لا يبقى الفراغ الحكومي قائماً.
لحود يوقع أو لا يوقع؟
بين الرأيين اللذين يُبرز كل منهما حيثيات لا مفرّ من الإقرار بأنها منطقية، يبدو من المحتمل أن يبلّغ لحود السنيورة رفضه التشكيلة مع "تبرير" هذا الرفض بتظهير النقطة المسيحية للطعن بوفاقية الحكومة، لكنه سيرفضها في العمق إذا رفضها لاعتبارات سياسية تنسجم مع القرار الذي يعمل في ظله، أي قرار منع الغالبية النيابية من الحكم. أما إذا حلّ "عقل الرحمن" عليه، فلن يكون أمامه سوى خيار التوقيع، ذلك ان اعتذار الرئيس السنيورة في حال رفض الرئيس لحود، لن يوجد صيغة بديلة من الصيغة المقترحة.. إلا إذا تغيّرت المعطيات، وعاد عون عن شروطه فيُسقط من يد لحود حجّة عدم التوقيع.
ولا شك ان تشكيل الحكومة بقدر ما هو محاط بإشكاليات محلية وخارجية، فإن الصيغة التي قدّمها السنيورة إذ تحاول السير بين الإشكاليات، لا تخرجُ من دائرتها. ولذلك، فإن لبنان مستمر في الإقامة في دائرة الأزمة حتى إشعار آخر.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00