أتى الاعتراض الذي أبداه كل من العماد ميشال عون وتحالف "أمل" ـ "حزب الله" على التشكيلة الثلاثينية التي قدمها الرئيس فؤاد السنيورة يكشف السبب الفعلي الرئيسي لتعثر ولادة الحكومة حتى الآن.
اعتراضان.. وعنوان واحد
الاعتراض الذي صدر بشكل "مستقل" من كلا الجانبين ـ عون و"التحالف الشيعي" ـ حمل مع ذلك عنواناً مشتركاً هو ما سمّياه "توازن" الصيغة الثلاثينية. ولدى التدقيق في المقصود من مصطلح "التوازن" هنا، تعرب أوساط سياسية مطلعة عن اعتقادها انه يعني أن تسيطر القوى غير المنضوية ضمن الغالبية النيابية على ما يسمّى "الثلث المعطل" في مجلس الوزراء، أي أن لا تستطيع الغالبية التي تشكل الحكومة أن تمتلك "ثلثي القرار".. أي ألا تقبض على الحكم في نهاية المطاف وذلك بصرف النظر عن مدى تلاقي القوى من خارج الغالبية ضمن "الثلث المعطل" نفسه.
وما تلفت الأوساط اليه في هذا المجال هو ان الاعتراض يُظهر ان الطرفين يتصرفان سلفاً بوصفهما جزءاً عضوياً من "الثلث المعطل" وليس بوصفهما شريكين في الحكم، والأغرب هو انهما يحتسبان بعضهما على هذا الأساس.. هذا على الأقل ما قاله الجنرال أمس: "نحن وأمل وحزب الله نمثل ثلثي البلد ولا نُعطى الثلث المعطّل". وترى الأوساط انه إذا كان للعماد عون أن يتوجس كونه لم يكن حليفاً في الانتخابات النيابية الأخيرة للغالبية التي انبثقت من هذه الانتخابات، فمن المستغرب أن يأتي الاعتراض ـ أياً تكن "ذرائعه" المباشرة ـ من "التحالف الشيعي" الذي تحالف مع قوى الغالبية في الاستحقاق الانتخابي وأكد خلاله ان التحالف ليس انتخابياً بل هو سياسي، بمعنى انه يتم على أساس تفاهمات سياسية عريضة.
والسؤال هنا هو الآتي: ما الذي يربط عون بالتحالف الشيعي في إطار "الثلث المعطل" الذي تحتسب "حصة" رئيس الجمهورية من ضمنه ايضاً؟
وفي انتظار أن تحمل الأيام أو الساعات القليلة المقبلة الجواب الحاسم عن هذا السؤال، لا تمتنع الأوساط عن القول ان "مشروع" الجواب المنطقي عنه هو ان الكتلتين تتقاطعان حول العلاقة بالرئيس إميل لحود، وفي أسوأ الأحوال تريد كل منهما ان تضطر الأكثرية العددية في مجلس الوزراء الى الاتفاق معها ـ حسب الحالة وطبيعة القرار ـ لتحوز الثلثين الضروريين لاتخاذ القرار.
أما أن يكون ثمة حذر من قبل الغالبية النيابية يجعل تصنيفها لكلا الطرفين من خارج الثلثين، فانه يجد تبريره في انهما كل لحساب معيّن لم يطمئن قوى الغالبية الى انه لن يضع نفسه في خانة التحالف مع لحود "ضدّ" الغالبية.
الغالبية متمسّكة بنصاب القرار
وغنيّ عن القول برأي الأوساط المطلعة، خاصة بعد أن كُشفت "القطبة المخفية" التي أعاقت تأليف الحكومة حتى الآن، أي "قطبة الثلث المعطّل"، ان الغالبية لن تسلّم بحكومة لا تمتلك فيها نصاب القرار لأن ذلك من حقّها السياسي ـ الديموقراطي بعد فوزها في الانتخابات من جهة ومن حقها الدستوري كفريق دُعي الى الحكم ولا بدّ أن يتمكن منه من جهة ثانية، وهي ـ أي الغالبية ـ لن تقبل من أجل قرار بتعيين أحدهم في مركز معيّن مثلاً أن تكون "تحت رحمة" رئيس الجمهورية. وتسارع الأوساط الى التذكير هنا بأن هذا الحق الذي تراه الغالبية لنفسها لا يمكن أن يُمارس تعسفياً، تماماً لان حدوده الوفاق، أي ان الغالبية تعي مسبقاً ان ثمة عناوين كبرى لا تحل حتى بأكثرية موصوفة، لأن مثل هذه العناوين تتصل مباشرة بالوفاق بين اللبنانيين. والبديل عن استدعاء الغالبية لنصاب الثلثين هو اتفاق واضح بينها وبين الفريقين على وجهة ممارسة السلطة التنفيذية، بما يجعل من مسألة الثلثين والثلث غير ذات أهمية.
الحريري والسنيورة لا يعاملان
الشيعة كأقلية سياسية
لقد بذل رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري والرئيس السنيورة جهداً استثنائياً لتأمين أوسع مشاركة في حكومة ما بعد الانتخابات، وراعيا الضمانات المطلوبة من الأفرقاء لا سيما عون و"التحالف الشيعي".. حتى ان العماد عون أعلن بنفسه قبل وبعد زيارته الى قريطم ان البحث يتجاوز مسألة المشاركة في الحكومة وحجمها والحقائب، ويتعلق بتحقيق شراكة للمستقبل. ولم يتوقف الحريري والسنيورة عند الضغوط الخارجية المتعلقة بتوزير "حزب الله" بشخصيات حزبية بل مارسا قناعتهما بضرورة مشاركة الحزب في القرار الرسمي اللبناني في امتداد الاتفاق السياسي معه ومع "حركة أمل" قبل الانتخابات وبعدها. غير ان ثمة خطاً أحمر لا تستطيع أي غالبية في أي مكان أن تقفز فوقه: حق الحكم ووسائل القرار.
على أي حال، ترى الأوساط المطلعة ان التجربة التي أمضاها السنيورة في السعي الى تأليف حكومة جامعة أو حكومة وفاق كما يُقال، يجب أن تدفعه الى استنتاج ان هذه الحكومة ممنوعة إذا كانت تعكس توازن القوى الحقيقي. والمسألة هنا ليست رقمية أو حسابية، أي أن يقال ان الـ72 نائباً الذين يمثلون الغالبية لا يمثلون الثلثين ولا يحق لهم بالتالي أن يمتلكوا ثلثي مجلس الوزراء.. فالغالبية تحكم حتى بأكثرية صوت واحد. أما القول ان ذلك مبدأ ديموقراطي عام يصح في السويد ولا يصح في لبنان، فالجواب عليه من وجهة نظر الأوساط نفسها انه لذلك بالضبط سعى السنيورة الى أخذ مقتضيات الوفاق الوطني في الاعتبار: ضمّ عون الى الحكومة باعتباره يمثل شريحة مسيحية واسعة لا بل باعتباره الأكثر تمثيلاً في البيئة المسيحية، ومشاركة "التحالف الشيعي" في الحكومة ليس لانه يكاد يختزل تمثيل الطائفة الشيعية فقط بل لكونه شريكاً في الوفاق الوطني. وتضيف الأوساط المطلعة ان ليس صحيحاً ان الحريري أو السنيورة يتعاملان مع الشيعة بوصفهم أقلية سياسية ضمن المشهد السياسي العام بعد الانتخابات وفي ضوء نتائجها، لأن ثمة اتفاقاً سياسياً مع ممثلي الشيعة لا علاقة له بالحسابات الرقمية، تماماً كما كان ثمة توجه الى اتفاق سياسي مع الكتلة العونية.
ان ما تأسف الأوساط نفسها له، ليس وضع مرشح "تيار المستقبل" والغالبية النيابية أمام حائط مسدود، بل "تأسف" من أن يكون كلام رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط صحيحاً عندما أكد ان تسمية 126 نائباً السنيورة الى رئاسة الحكومة هي بمثابة "فخّ"، وهو أي جنبلاط حليف "تيار المستقبل" والمدافع العنيد عن مطالب "التحالف الشيعي"، الذي يرى نفسه اليوم محبطاً مما آل اليه أمر تشكيل الحكومة.
أسئلة كثيرة جداً يمكن أن تطرح حول الأجواء المحيطة بتشكيل الحكومة، لا سيما في لحظة تصعيد سوري حيال لبنان بغالبيته الجديدة، وفي ظل ما يبدو انه قرار سوري بمنع هذه الغالبية من أن تحكم.. وفي لحظة محاولة استغلال دماء الوزير الياس المرّ لتعويم لحود وبقايا النظام الأمني، وهو الذي (المرّ) كان ضحية ـ ناجية والحمدلله ـ لعملية تصفية حسابات بين فرقاء ضمن النظام الأمني.
النقد الذاتي الجنبلاطي رسالة مستقبلية
بيد ان أهم ما قاله وليد جنبلاط خلال الأيام الأخيرة، ليس توقّعه أن تكون تسمية السنيورة بإجماع نيابي فخاً، بل "النقد الذاتي" الذي أجراه لمرحلة ما بعد 14 آذار والذي خلص منه الى ان "التسويات" التي دخلت فيها المعارضة ـ آنذاك ـ أجهضت 14 آذار. لم يوضح جنبلاط كل "التسويات" التي يقصد، لكن من الواضح انه يشير الى عدم المضيّ في عنوان استقالة رئيس الجمهورية قبل الانتخابات، ويشير أيضاً الى عدم الإقدام على تشكيل الحكومة التي تلت استقالة عمر كرامي أو المشاركة فيها بقوة من جانب المعارضة "السابقة".
وأهمية "النقد الذاتي" الجنبلاطي ليست في تقديمه وعياً معيناً لمرحلة سابقة بل بوصفه رسالة تتعلق بالمرحلة الراهنة ـ المقبلة، يدعو من خلالها الى رفض نوع معيّن من التسويات، وهذا ما يؤكد عليه بقوله إما أن نحكم وإما أن نتفرّج على غيرنا يحكم. ولذلك لم يخفِ جنبلاط عندما سئل رأيه في مشاركة فرقاء من خارج الغالبية ـ عدا "التحالف الشيعي" ـ في الحكومة موقفه، إذ قال ان شرطه الوحيد هو عدم التضحية بالثلث المعطل، ولسان حاله قبل التطورات الأخيرة يقول لنحكم بمشاركة "التحالف الشيعي"، فلا تعود مسألة الثلثين والثلث مطروحة.
"توازن الردع".. "توازن الرعب"
على ان الأهم في كل ما قاله في الآونة الأخيرة، هو ما ذكره في معرض تعليقه على محاولة اغتيال الياس المرّ أول من أمس، إذ اعتبر ان الوضع السياسي اللبناني في سباق مع نتائج التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، آملاً أن تؤدي النتائج الى خلق "توازن ردع"، وكان أحرى أن يسمّيه جنبلاط "توازن رعب" حيال الإطار الإقليمي.
ان في هذه الإشارة الجنبلاطية دلالة سياسية عميقة، لكأنه لا يرى حصانة للتوازن السياسي اللبناني إلا بموقف دولي يوازن الضغوط التي تتعرّض لها الغالبية لمنعها من استلام السلطة، والذي لا يزال النظام الأمني يعاند في حصوله، وذلك في مجرى توقّعه أن تشير نتائج التحقيق الدولي بأصبع الاتهام الى مكان معيّن، بما يؤدي الى إضعاف القدرة على ابتزاز الغالبية... والواضح دائماً ان جنبلاط يحيّد "التحالف الشيعي" عن هذا الابتزاز.
من هنا، تعرب الأوساط المطلعة عن قناعتها بأن رفض التشكيلة الثلاثينية التي قدّمها السنيورة، قد يدفع باتجاه استشارات نيابية ملزمة جديدة تعيد تسمية السنيورة لتقديم تشكيلة اخرى من الواضح انه سيتمّ رفضها في ظل "القرار الكبير" بمنع الغالبية من أن تحكم. وهذا معناه ان البلاد ذاهبة بقرار سوري ومن قبل النظام الأمني نحو أزمة حكم مفتوحة.. تنتهي بصدور تقرير ديتليف ميليس؟!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.