8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ليتوجّه الاحتجاج اللبناني على الاجراءات.. الى الحدود

خلال الأيّام الأخيرة، بدا انّ للاجراءات السوريّة على الحدود البريّة مع لبنان هدفاً يضاف إلى مجموعة الأهداف السياسيّة التي تتوخّاها دمشق من تشديد الخناق على لبنان، وهذا الهدف هو ايجاد مناخ من الاضطراب السياسيّ والاجتماعيّ في لبنان في وجه السلطة المنبثقة من نتائج الانتخابات عبر تحويل "أزمة الحدود" إلى أزمة داخليّة لبنانيّة.
بعض من هذا الهدف في طريقه الى التحقق. فالنقابات الزراعيّة، في البقاع خصوصاً، قرّرت الاحتجاج أمام السرايا الحكوميّة، ورمي المحصول الزراعي المتكدس امام هذا المقرّ الرسميّ اللبنانيّ. وليس ذلك فقط، بل بادر بعض أركان الهيئات الزراعيّة خلال المؤتمر الصحافي الذي عقدوه أوّل من امس إلى "مطالبة" قيادات سياسيّة من الغالبيّة الجديدة بالكفّ عن انتقاد سوريّا والعلاقات اللبنانيّة ـ السوريّة كي لا تستفزّ سوريّا فتعود عن اجراءاتها.
تأليب اللبنانيين ضدّ سلطتهم
وفي تقدير أوساط سياسيّة متابعة انّ هذا الهدف، أي تأليب اللبنانيين ضدّ سلطتهم "الجديدة"، جرى اكساؤه بواسطة سياسيين ونقابيين معينيين بالمضمون الذي تشكل المطالبة بعدم استفزاز سوريّا جزءاً عضويا منه. والمفارقة هي انّه تمّ "تبليغ" المنحى الذي يجب ان تسلكه مقاربة أزمة الحدود من الجانب اللبناني، في موازاة توضيحات اعطتها السلطات السوريّة بشأن هذه الازمة، تفيد أن أساسها أمنيّ حيث تقول دمشق انّ لديها "معلومات" عن تحميل الشاحنات اللبنانيّة التي تعبر الحدود بأسلحة وحقائب متفجرات.
الذريعة الأمنيّة ترتد على سوريا
وتعرب الأوساط المتابعة المطلعة عن اعتقادها انّ الدواعي الأمنية بقدر ما تبدو ذريعة لـ"تغطية" استهدافات سياسيّة سوريّة في لبنان، تشكل محاولة من قبل دمشق للاساءة الى لبنان عبر تقديمه بوصفه بلدا "مصنّعا" للارهاب. والحال هنا كما تقول الاوساط انّ اعتماد سوريّا لهذه الذريعة يسيء اليها بالدرجة الأولى، فامّا انّ ثمة خلايا ارهابية "نائمة" في لبنان بعلم من سوريّا التي لم يمض على انسحابها الرسمي من لبنان سوى بضعة اسابيع، وأنّ امر تحريك هذه الخلايا هو في يدها، واما انّ خلايا ارهابيّة تشكلت خلال الاسابيع الماضية وقد تسربت الى لبنان عبر الحدود مع سوريّا، وامّا انّ الشبكات الامنية التي نشأت خلال السنوات السابقة تعمل "على الطلب". وفي كلّ الاحوال، لو صحت الذريعة الأمنيّة، فانّ مواجهتها لا تكون بخنق اللبنانيين والاقتراب من اقفال الحدود.
وتضيف انّه لا يخفى انّ سوريّا التي تريد "إفهام" السلطة اللبنانية الجديدة انّ ثمة ثمناً سياسيّاً تطلبه في مقابل حلحلة الأزمة على الحدود، انّما تريد في الوقت نفسه إبراز ان ثمة حاجة لبنانيّة الى سوريّا في الاقتصاد.. وفي الامن، اذ لا يعقل ان تكون الاجراءات السورية من جانب واحد احتجاجا من قبلها على اتفاقات ثنائية يعتبر معظم المطلعين عليها انّها مراعية للمصالح السوريّة.
المقرات الرسمية: المكان الخطأ
على انّ الأمر الأكثر أهميّة اليوم من زاوية نظر الأوساط نفسها، هو انّ المحتجين على أزمة الحدود لبنانياً، اختاروا المكان الخطأ للتعبير عن الاحتجاج: السرايا، اومقر رسمي آخر في "الداخل اللبناني".
صحيح انّه يمكن القول انّ الوزارة الجديدة لم تشكل بعد ولم يصل الرئيس فؤاد السنيورة الى المقرّ الرسميّ لرئاسة الحكومة حتّى الآن، وانّ الاحتجاج في باحة السرايا او أمامها لا يزال يعني الرئيس نجيب ميقاتي حتّى الآن، خصوصا انّ رئيس حكومة تصريف الاعمال لم يتحرّك جديّاً في هذه الازمة... لكنّ الصحيح اساسا هو انّ سوريّا افتعلت هذه الازمة بوجه الوضع السياسي اللبناني الجديد في لحظة الانتقال من الانتخابات الى تشكيل السلطة. والصحيح دائما، ان لبنان ليس هو الذي اقفل الحدود مع سوريّا وتسبّب بالأزمة التي يشكو المزارعون من تداعياتها، والمكان الصحيح للاحتجاج تاليا هو أقرب نقطة لبنانيّة على الحدود مع سوريّا وفي وجه السلطات السوريّة، خاصة اذا صحّت المعلومات وما أكثرها في مثل هذه الظروف عن بروز مافيا تمرير شاحنات في موازاة الأزمة الحاصلة.
وتعلن الأوساط المطلعة انّها تنطلق في دعوتها الى المحتجين للتحول عن السرايا الحكومية باتجاه الحدود من اعتبارات رئيسيّة ليس اقلّها تحديد المسؤول عن الازمة الذي هو سوريّا في هذه الحال، ومن موجبات التضامن بين اللبنانيين حيال خطوة سوريّة انتقاميّة وكيديّة وعدائيّة. وترى انّ التوجّه باتجاه الحدود للتعبير عن الغضب لا بدّ ان يكون مصحوبا بعنوانين: الأوّل هومطالبة السلطات السوريّة باعادة فتح الحدود من زاوية مصلحتها بعلاقة ايجابيّة مع الشعب اللبناني خاصة اذا ما أظهر وحدته ازاء تدبير سوريّ انتقامي واذا ما أثبت انّ الموقف من هذا التدبير لا يقسمه، والثاني هو المطالبة بتحسين أداء المجلس الأعلى اللبناني ـ السوري وأمينه العام نصري الخوري.
نصري خوري
وتلفت في هذا المجال الى انّ المجلس الأعلى الذي قتله الاداءالسوريّ ـ اللبنانيّ المشترك خلال حقبة الوصاية السوريّة على لبنان، لا بدّ ان يعاد النظر فيه لجهة فاعليته في استقامة العلاقة اللبنانية ـ السوريّة، لكن الشيء المؤكد هوانّ خوري لم يبرهن خلال السنوات الطويلة التي امضاها في هذا الموقع عن جدارة في ارتياد آفاق علاقة لبنانية ـ سوريّة سويّة، والأهم انّه تصرّف خلال الازمة الراهنة المستمرة منذ نحو ثلاثة اسابيع لكأنه جزء من الادارة الرسمية السوريّة يحمل حججها وذرائعها، وليس ناطقا باسم المصالح المشتركة..حتى لو قال انّ الأمر يتجاوزه الى المسؤولية السياسيّة للحكومتين، فهو لم يثبت انّ له "عصباً" يكتسب به موقعه الراهن.
خطوات لبنانيّة مطلوبة
على انّ الأوساط المتابعة توقفّت امام ما ينبغي على لبنان القيام به في الفترة المقبلة، في ضوء الاختبارالقاسي من منطلق كيديّ الذي تخضعه سوريّا اليه.
أولاً ـ من نافل القول إنّ لبنان ومهما بلغت قساوة "الاخوّة السوريّة" عليه، وأيا يكن العقاب الذي تنفذه سوريّا بحقّه ثمنا للتغيير الذي سار فيه، لن يعيد النظر في حقيقة انّ العلاقة اللبنانيّة ـ السوريّة حيويّة له ويجب تعزيزها، فذلك بند رئيسيّ من بنود ميثاقه الوطنيّ.
ثانياً ـ وفي المقابل، انّ لبنان لا يمكن في أيّ حال من الأحوال خاصة انّه مُقبل على صفحة جديدة في حياته، ان يقبل بتقديم أيّ ثمن سياسيّ على حساب قراره الوطنيّ المستقلّ، اي على حساب سيادته واستقلاله وحريته. صحيح انّ مراعاة سوريا لا بد منها، وصحيح انّه يلتزم بحقيقة انّه لا يُحكم ضدّ سوريّا كما انّه لا يُحكم من سوريّا، بيد انّ قراره السياسيّ يجب ان يبقى ملكه.
ثالثاً ـ ومع انّ خطوة انتقاميّة من النوع الذي اقدمت السلطات السوريّة عليه، على الحدود، تنتج أذيّة صافيّة للبنان، ومع انّه لا يجوز في العلاقات بين الدول ـ وكيف اذا كانت شقيقة ـ أن تبادر إلى إلغاء اتفاقات ثنائية من طرف واحد الا اذا كانت تشهر "العداء".. فإنّ لبنان لن يستدرج آليا الى خطوات في اطار المعاملة بالمثل، تماما كي يبقي لـ"الصلح" مطرحاً، ولأنّ هذه الازمة الحدوديّة ستكون "يوما ما" موضع تفاوض.
البدائل... من الابتزاز
رابعاً ـ لكنّ لبنان المدرك لموجبات علاقته بسوريّا، معنيّ بأن يكون له موقف سياسيّ "حازم"، والحكومة الجديدة لا بدّ ان تتوافق على موقف سياسيّ حازم، تقع في اطاره المطالبة باعادة النظر في الاتفاقات الثنائيّة اذ لا تستطيع سوريّا ان تجني من العلاقة بلبنان على "الطالع" وعلى "النازل"، في الدخول وفي الخروج... كما يقع في اطاره التحرك السياسي والديبلوماسي باتجاه الدول العربية والمجتمع الدولي. والاتحاد الأوروبي باعتبار هؤلاء شركاء اقتصاديين للبنان ومتضررين من الاجراءات السورية ايضاً.
خامساً ـ غير انّ اهم ما ينبغي ان يستنتجه لبنان، هو ان الازمة الراهنة قابلة لان تطول، وانّها قابلة للتكرار، وهو أيضاً انّ لبنان لا يمكنه ان يكون خاضعاً على الدوام لأنواع من الابتزاز ضدّ قراراته واختياراته السياديّة. ولذلك فانّه معني بايجاد البدائل والعمل عليها والبدء بتنفيذها، بدائل جوية وبحريّة. ولبنان المقبل على تنفيذ برنامج اصلاحيّ، بما في ذلك في الميدان الاقتصاديّ، لا يمكنه عدم التوجّه نحو بدائل تدرس كلفتها وتدرس أسعار هذه البدائل تفاضلياً... وفي النهاية لا بدّ ان تعي سوريّا انّها لا تستطيع ان تسترهن لبنان اما بالوصاية والاستتباع وامّا بالعقاب، وانّ لها مصلحة في علاقة ايجابيّة و"محترمة" مع لبنان.
انّ لبنان واللبنانيين الذين استنكروا اشدّ الاستنكار شتى انواع التحرّش اللفظي اوالجسدي ضدّ العمال السوريين، ووضعوا ذلك في خانة الشوفينية والعدوان على حقوق الانسان، والاساءة إلى علاقة الاخوة مع سوريّا والشعب السوريّ، يبدون اسفاً شديداً حيال ما يبدر عن السلطات السوريّة من أذى متعمّد حيالهم كما تقول الأوساط المتابعة والمطّلعة التي تختم بالتشديد على انّ زمن الخمسينات والستينات والسبعينات مع سوريّا يجب ان يولّي، وعلى انّ جَرحَ "العزة الوطنية" لاي طرف من الطرفين اللبنانيّ والسوريّ، لا يؤسس لمستقبل ايجابي للعلاقة بينهما.
أما حلفاء سوريّا الذين ابتلعوا ألسنتهم، فموقفهم الصامت فضيحة تضاف الى سلسلة فضائحهم، لكن هل كان ثمّة من يتوقّع غير ذلك؟..

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00