8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حلفاء سوريا صامتون و"مستفيدون".. ووزارة الخارجية في ميزان الحسابات

لم يكن لبنان بحاجة إلى ان يُخنق بالإجراءات السورية الأخيرة على الحدود البرية المشتركة كي يكتشف ان سوريا رئته وأنه محكوم بأن تكون علاقته بدمشق جيدة و"متميزة". لذلك، فإن السلطات السورية عندما قرّرت إجراءاتها هذه لم تكن في صدد "تذكير" اللبنانيين بما يعرفونه جيداً، بل كانت تطلق عنواناً سياسياً تعلن من خلاله أنها على خصومة شديدة إن لم تكن على "عداء" مع "لبنان الجديد" الخارج من صناديق الاقتراع بعد حقبة الوصاية السورية عليه، طالما ان الإجراءات المشار إليها هي الأولى من نوعها من جانب سوريا منذ العام 1973، وطالما ان إقفال الحدود بين الدول بعد الحرب الباردة لا يحصل البتة حتى لو اختلفت السياسات.
وقد توقفت أوساط سياسية لبنانية وديبلوماسية دولية أمام هذا الموقف السوري حيال لبنان وسجّلت في خصوصه مجموعة من الملاحظات الأساسية.
ضدّ مبدأ "التعامل بالمثل"
أولاً ـ لم تأتِ الإجراءات السورية على الحدود مع لبنان في إطار مبدأ "المعاملة بالمثل"، أي أنها لم تأت جواباً على إجراءات مماثلة أقدمت عليها الدولة اللبنانية.
ثانياً ـ وبما انها كذلك، تشكل هذه الإجراءات مبادرة من طرف واحد إلى إشهار الخصومة أو العداء، لا بل مبادرة من طرف واحد إلى "طعن" الاتفاقات الثنائية اللبنانية ـ السورية بما في ذلك معاهدة الأخوة والتنسيق بين البلدين.
ثالثاً ـ وإذا كان ما تقدّم بديهياً، فإن الأوساط السياسية والديبلوماسية تعتبر ان توقيت الإجراءات بعد الانتخابات والتوازن السياسي الذي أفرزته وعشية تشكيل السلطة الجديدة في لبنان، مؤشراً إلى ان ثمة فعلاً انتقامياً سوريّاً من الانتخابات ونتائجها من جهة، وإلى ان ثمة عملية ضغط على تشكيل السلطة من جهة ثانية.
لماذا لم تحصل مع حكومة ميقاتي؟
وتلفت الأوساط إلى ان سوريا لم تلجأ إلى هذه الخطوة بالتزامن مع انسحابها من لبنان رسمياً أواخر نيسان الماضي، كما لم تُقدم عليها في فترة تولي الرئيس نجيب ميقاتي رئاسة الحكومة، وهذا يعني ان سوريا كانت خلال الفترة الانتقالية الماضية تعتبر انها قادرة على ممارسة التأثير في لبنان بوسائل أخرى أو أنها كانت تعتبر انه يمكن لتأثيرها بالوسائل "الأخرى" ان يُعطي نتائج مختلفة عن تلك التي انتهت إليها العملية السياسية في لبنان خلال الأسابيع الأخيرة.
وثمة من يقول توكيداً لما سبق، أي لـ"حقيقة" ان الإجراءات السورية على الحدود إنما هي للانتقام وللضغط، ان السلطات السوريّة وعدت الرئيس ميقاتي عندما زار دمشق بعد قيام حكومته، بأن لا تُقدم على أي خطوة يمكن ان "تؤذي" لبنان في ظل الحكومة الميقاتية، لكن إذا آلت الأمور بعد الانتخابات النيابية إلى "موئل" آخر، أي إلى "موئل حريري" فالأمور لن تبقى كذلك. فإن كانت هذه الرواية صحيحة أو لم تكن، فإن الدليل الآخر هو ان اتفاقاً أعلن آنذاك بنتيجة محادثات ميقاتي يقضي بـ"مراجعة" الاتفاقات الثنائية على نحو ودّي وإيجابي في إطار من الحرص على العلاقات.
"تسليح" الحلفاء والضغط
رابعاً ـ إذاً، مما لا شك فيه ان الإجراءات السورية على الحدود مع لبنان تهدف إلى الضغط على التوازن السياسي اللبناني الداخلي، من جهة عبر "تسليح" المواقع الدستورية والقوى السياسية المستمرة على نوع من الولاء لسوريا بعامل قوة، أي عبر تمكين هذه المواقع والقوى تحت عنوان الأزمة في العلاقة اللبنانية ـ السورية وضرورة حلّها من "ادّعاء" ضرورة وجود الفريق المناصر لسوريا في هذا الموقع أو ذاك، ومن جهة أخرى عبر تذكير الجميع بأن سوريا "هنا" وبأن نفوذها يجب أن يبقى على حاله نسبياً وبأن سوريا مستمرة ضمن السياسة اللبنانية وبأن لا تغييرَ جوهرياً في نهاية المطاف حتى مع غالبية سياسية جديدة في البلاد.
أين لحود وميقاتي؟
خامساً ـ وتستدلّ الأوساط السياسية والديبلوماسية على صحة ما ذهبت إليه آنفاً بالإشارة إلى انه إذا كان منطقياً ان قوى الغالبية السياسية الجديدة لم ترفع الصوت عالياً حتى الآن حيال الإجراءات السورية لأسباب يتعلق بعضها بالحرص على عدم إذكاء الأزمة من قوى متهمة بأنها "ضدّ" سوريا وبعضها الآخر يتعلق بكون هذه القوى لم تتسلم السلطة رسمياً كي تفاوض السلطات السورية، فإن "المستغرب" ألا تسارع قوى أساسية محسوبة على "خط التحالف" مع سوريا إلى اتخاذ موقف أو مبادرة إزاء هذا الموضوع. غير أن الأوساط نفسها تلفت إلى "الصمت" الذي يمارسه رئيس الجمهورية إميل لحود ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، الأمر الذي ينطوي على دلالات سياسية كثيرة، من بينها انهما "يستمرئان" الإجراءات السورية.
سادساً ـ وترى الأوساط ان الإجراءات السوريّة التي تخنق لبنان، سرعان ما ستلجأ سوريا إلى تخفيفها وصولاً إلى إنهائها في حال اعتبرت ان الحكومة الجديدة تراعي المواصفات المطلوبة منها، لكنها ستقدم على تصعيدها أكثر فأكثر في حال لم تلبِّ الحكومة التوازن المرغوب سوريّاً، وذلك لوضع السلطة اللبنانية الجديدة أمام تحديات واختبارات صعبة.
رأيان حول الخارجية للتحالف الشيعي
سابعاً ـ في هذا الإطار بالتحديد، أي إطار السياسة السوريّة الهادفة إلى مواصلة الإمساك بـ"مفاتيح" الوضع اللبناني ولو من خارج الحدود رسمياً، تبدي أوساط في الغالبية السياسية الجديدة رأيين مختلفين حيال إسناد حقيبة الخارجية إلى "التحالف الشيعي" في الحكومة. والرأيان لا ينطلقان من حسابات طائفية، أي انهما لا يجادلان في "حقّ" التمثيل الشيعي في أن يكون في الخارجية من حيث المبدأ وإن كان الرأيان يتفقان حول حماية المقاومة من تداعيات الـ 1559.
أ ـ يعتبر أصحاب الرأي الأول ان وجود "التحالف الشيعي" في وزارة الخارجية مفيد على غير صعيد. فهو يطمئن سوريا أولاً ويجنّب لبنان أزمة "مفتوحة" مع دمشق ثانياً، ولعلّه إذ يطمئن "التحالف الشيعي" نفسه الذي يرى في إسناد وزارة الخارجية إليه ضمانة له، يُدخل هذا التحالف في صلب التعاطي اللبناني الرسمي مع القرارات الدولية ولا سيما القرار 1559 فيساهم مع الآخرين في بلورة طرائق عدم المواجهة مع الشرعية الدولية وتحصين الموقف اللبناني في آن.. ثالثاً.
ب ـ بيد ان أصحاب الرأي الثاني يرون انّ وجود "التحالف الشيعي" خاصة بشخص "ملتزم" في وزارة الخارجية في هذه المرحلة "قد" يكشف لبنان أمام ضغوط دولية إضافية، ولا سيّما إذا كان الوجود في هذه الحقيبة ينطوي على "معنى" استمرار السياسة السورية في السياسة الخارجية للبنان. ويروي أصحاب هذا الرأي في هذا المجال ان أحد الأدلة على هذا الاحتمال هو ان "التحالف الشيعي" بدأ في المشاورات حول المسألة الحكومية بطرح استمرار الوزير الحالي للخارجية محمود حمود في موقعه أو ـ في حد أدنى ـ بعدم الممانعة من استمراره، علما ان حمود تمّ "ايجاده" في الخارجية سورياً في الأصل.
الضغوط الخارجية والتدويل
ثامناً ـ على ان الأوساط الآنفة تشير إلى ان سوريّا التي تفترض انها تعيد تجميع أوراقها سواء في لبنان أو في فلسطين (عبر الظهور بمظهر من يمتلك دوراً في الموضوع الفلسطيني خلال زيارة الرئيس محمود عباس الأخيرة إلى دمشق)، أو مع إيران، إنما تعرض نفسها لمزيد من الضغوط الدولية. وتقول الأوساط ان دمشق المؤدية على هذا النحو في لبنان، إنما تقدّم البرهان الذي ينتظره المجتمع الدولي على انها لم تنفذ القرار 1559، حتى ما يتعلق بها مباشرة منه، أي الانسحاب الفعلي من لبنان. وتضيف انه اذا كانت سوريا "تراهن" على اتجاه للتطورات في المنطقة معاكس للاتجاه الذي سارت عليه هذه التطورات بعد الحادي عشر من أيلول 2001، فإن أحداث لندن الأخيرة وما تلاها من مواقف دولية تفيد انّ الاتجاه الاقليمي سيبقى هو نفسه في تقديرها.
تاسعاً ـ وفي ظلّ هذا الأداء السوري، يبدو انّ لبنان ذاهب إلى مزيد من التدويل، لا بل تعتبر الأوساط ان الأداء السوري يستدرج التدويل في وقت لا تزال ثمة فرصة لـ"لبننة" الاستحقاقات كافة فيما تعترف الولايات المتحدة بأن تطبيق القرار 1559 "صعب ومعقد" وبأن ما تسميه "نزع سلاح حزب الله" مسألة "لبنانية صعبة" كما قالت نائبة مساعد وزيرة الخارجية الأميركية اليزابيت ديبل في أثناء وجودها في بيروت... والأهم إقرارها بأن تقديم الدعم للبنان ليس مرتبطاً بتطبيق القرار 1559، إنما بإصلاحات هيكلية يحتاج إليها لبنان بنفسه في شتى المجالات.
"ضغائن الانسحاب"
عاشراً.. وأخيراً ـ ان الإجراءات السورية على الحدود البرية مع لبنان، تكشف أزمة العلاقة اللبنانية ـ السورية عندما كانت سوريا في لبنان وعندما خرجت منه، ولا يمكن لهذه العلاقة ان تستقيم باتجاه واحد وبحكم سوري في لبنان. والأخطر في تقدير الأوساط السياسية والديبلوماسية هو ان هذه الإجراءات تكشف ان أوان البحث الجدّي في أمور العلاقة لم يحن بعد سوريّاً، وأنها (الإجراءات) لا تحفّز على ايجاد مناخ ايجابي لبنانياً.. قبل ان تعيد دمشق اكتشاف حقيقة انه كما لبنان بحاجة إلى سوريا، فإنه حاجة لسوريا بحريته واستقلاله وسيادته ونظامه الديموقراطي، وقبل ان تعيد اكتشاف ان "ضغائن الانسحاب" لا تبني علاقة راسخة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00