تواجه الغالبية النيابية في سعيها الى تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات إشكاليات كبرى تحتاج الى قوة خارقة من مصدر ما تعيد الى اللعبة قواعدها وقوانينها.
الثلاثي لحود ـ صفير ـ عون
المسألة الإشكالية الأولى تتجسد بالتحالف "الموضوعي" أو "الذاتي" لا فرق، بين مراجع الموارنة في البلد، أي بين رئيس الجمهورية إميل لحود والبطريرك نصرالله بطرس صفير وزعيم الغالبية المسيحية العماد ميشال عون.
فالبطريرك المنسحب لمصلحة الجنرال بعد أن رفع غطاءه عن أبنائه الشرعيين وقدّمهم على مذبح الوضع العام لأسباب ربما يتم "اكتشافها" في فترة قريبة، أعلن تطويب العماد عون زعيماً سياسياً وحيداً للموارنة، لكنه في الوقت نفسه قدّم خشبة خلاص للحود إزاء المطالبة التي كانت المعارضة المسيحية المشتغلة في يوم من الأيام تحت مظلة بكركي، جزءاً منها باستقالة رئيس الجمهورية الممدد له. والرئيس لحود لم يكن في أي يوم منذ التمديد يحلم بأن يكون على ما هو عليه اليوم مستنداً الى موقف بطريركي متبرئ من الذين كانوا الأقربين اليه والى فريق سياسي هو فريق العماد عون الذي لأسباب تعود اليه لا يمانع في حصول تقاطع مصالح بينه وبين لحود.
هذا الوضع الماروني من شأنه أن يجعل من عدم الاتفاق مع "التيار الوطني الحر" على المشاركة في الحكومة قابلاً لتصويره على انه استبعاد لتمثيل الشريحة الأكبر من المسيحيين، ومن شأنه أن يساعد لحود على "التمترس" خلف عون وتعطيل مسار تشكيل الحكومة.
الثنائية الشيعية "المطوّبة"
في موازة هذه الإشكالية التي يمكن اختصارها بالقول ان ثمة محاولة لتكريس أرجحية التيار العوني إن لم يكن أحاديته مارونياً، تبرز الإشكالية الثانية الشيعية. فالثنائية الشيعية "أمل" و"حزب الله" لم تفُز فقط في انتخابات نيابية نزيهة إجمالاً، بل هي قبل الانتخابات وأثناءها وبعدها حظيت باعتراف يكرّسها الممثل الشرعي الوحيد للشيعة بما في ذلك من قبل تيارات ضمن المعارضة التي أصبحت غالبية نيابية، وإن كان الأبرز في تسجيل هذا الاعتراف كلاً من "تيار المستقبل" و"الحزب التقدمي الاشتراكي".
صارت الثنائية الشيعية السياسية هذه بفعل المقدمات هي الطائفة الشيعية التي تحدد صيغة مشاركتها في الحكومة ومطالبها من هذه الحكومة، وأي نقاش في ذلك يغدو والحالة هذه نقاشاً مع الطائفة قبولاً بها أو استبعاداً لها.
أزمة غياب القرار الموحّد ضمن الغالبية
أما الإشكالية الثالثة التي لا تقل أهمية فتتمثل في حقيقة أن لا تنسيق عميقاً بين أطراف الغالبية النيابية لا في المبادرات ولا في المواقف. وإذا كانت هذه "المصيبة" حلّت بتيارات التحالف المعارض المعتبر مَجازاً تحالفاً سنياً ـ درزياً ـ مسيحياً، بُعيد 14 آذار، وجرى استدراكها (المصيبة) جزئياً وموضعياً في بعض المحطات كانتخابات الشمال مثلاً، فإن الواقع القائم حالياً يفيد أن لا قرار موحّداً بشكل واضح وقاطع بين أطراف الغالبية لا حيال الحكومة ولا حيال الاحتمالات إن جرى تعطيل تشكيل الحكومة.. مثلاً.
ومن الأمثلة السريعة على غياب وحدة القرار السياسي، كيفية التعاطي مع التمثيل العوني، بين مبادرة الى استيعاب نتائج الانتخابات قام بها رئيس كتلة "تيار المستقبل" سعد الحريري عبر إشراك "التيار الوطني الحر" في الحكومة، وموقف سلبي اتخذه رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط. وهذا التعارض بين قُطبي الأكثرية النيابية ليس بالتأكيد خلافاً في المزاج ولا هو اختلاف في التفاصيل، بل هو أساساً وقبل أي شيء آخر خلاف في القراءة لن يُحسم قبل الإجابة عن عدد من الأسئلة من بينها الأسئلة الآتية: ما هو موقع عون في النظر الى المرحلة الراهنة ـ المقبلة؟ هل هو جزء "موضوعي" من لعبة سورية كما جرى اتهامه بعد عودته الى لبنان أم هو تقاطع سوري ـ أميركي كما قيل عنه في بعض الأحيان؟ أم ان له سياسة قائمة بذاتها بمعزل عن التمحورات الإقليمية والدولية؟ لماذا نجح عون في اكتساب جماهيرية مسيحية معينة؟ الى أي مدى يمكن أن تذهب علاقته بلحود وهل يمكن توقع انفكاكه عنه؟ ما هي "السياسة المسيحية" لتحالف الغالبية النيابية؟ هل هي استيعاب نتائج الانتخابات أم تقوية الشريك المسيحي غير العوني وكيف؟
أسئلة كثيرة تطرح في هذا المجال وهي ليست أسئلة افتراضية بل هي مستقاة من نقاشات تدور منذ مدة ضمن دوائر أطراف الغالبية النيابية.
الاحتمالات ـ الاستحالات
من هنا، لا مناص من الاعتراف بأن عملية تشكيل الحكومة الجديدة أسيرة ثلاث إشكاليات: "الجبهة" المارونية الثلاثية والثنائية الشيعية الموحّدة باسم وحدة الطائفة.. وأزمة التنسيق وغياب القرار الموحّد ضمن الغالبية النيابية. ولمزيد من الايضاح، يمكن القول انه بناء على هذه الإشكاليات ـ العقد، يبدو ان تشكيل "حكومة وفاق وطني" بالمعنى الذي يطرحه البعض أي حكومة تمثل جميع الكتل والتيارات النيابية من دون استثناء، أمر بالغ التعقيد في ظل الظروف المشروحة آنفاً (خاصةً اذا حصل "تشدد" في قراءة الأحجام وإذا استمرت التباعدات السياسيّة)، مضافاً اليها أن لا مقدمات لها في ضوء الصراع السياسي الذي خاضت البلاد فيه منذ 14 شباط تاريخ الجريمة الارهابية التي أودت بحياة الرئيس الشهيد رفيق الحريري والذي لا يزال قائماً حتى اليوم. كذلك تبدو حكومة مشكّلة من الغالبية النيابية أي من قبل الـ72 نائباً بمثابة استحالة لأنها ستكون ناقصة وفاقياً على اعتبار ان هذه الغالبية لا تتضمن التمثيل الشيعي المطوّب للثنائية. أما حكومة من الـ72 تضم تمثيلاً مسيحياً غيرعوني ، ليس الأقوى ولكنه حقيقي، بالتحالف مع الثنائية الشيعية، فإنه يطرح فحوى التسوية السياسية التي على أساسها ستقوم الحكومة.. هذا إذا وقّع لحود المتمترس خلف عون مرسوم تأليفها في حال تكرّست عدم مشاركته فيها. وفي الحديث عن التسوية السياسية بين مجموعة الـ72 والثنائية الشيعية، لا مفرّ من الاعتراف ان التسوية السابقة بين التحالف المعارض وكل من "أمل" و"حزب الله" كانت ملتبسة، فهي إذ تمت تحت عنوان حماية المقاومة من القرار 1559 وتحت عنوان اعتبار سلاحها مسألة لبنانية، انما تفتح أبواباً كثيرة لـ"الاجتهاد" و"التفسير"، فهل التسوية لـ"مواجهة" القرار 1559 و"تشريع" اندفاعة متجددة للعمل المقاوم أم التسوية لـ"الصمود" أمام ضغوط هذا القرار وايجاد تكيّفات لبنانية معينة؟
ولا داعي لاستحضار احتمال حكومة من خارج المجلس تدعمها الغالبية وقوى سياسية اخرى، لان هذا الاحتمال الذي يرد منطقياً في بعض الأحيان، يعني تمديداً للمرحلة الانتقالية، وغنيّ عن القول ان الفرقاء السياسيين لا يؤيدون في معظمهم قيامها.
ان هذا الاستعراض للإشكاليات ـ العقبات التي تواجه تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات، يهدف الى القول ان المسألة الحكومية اليوم محطة في الأزمة المفتوحة منذ عدة شهور، والعنوان الرئيسي المباشر هو ان فريقاً سياسياً متعدداً يمتلك الغالبية ولا يستطيع أن يمسك بـ"زمام" الحكم.
سوريا والضغوط من خارج الحدود
إذاً، المشكل قائم وإن كان أحد لا يستطيع في السياسة أن يقول انه مُطبق نهائياً. بيد ان المشهد المرسوم آنفاً، لا يكتمل إلا بالنظر اليه من خارج الحدود.
فبعد تسعة أسابيع من الانسحاب السوري "رسمياً" من لبنان، لا تزال سوريا متدخلة في الشأن اللبناني الداخلي.
أولاً ـ لا يزال الوجود الاستخباراتي السوري قائماً في لبنان، ومارس تدخلاً مكشوفاً في الانتخابات النيابية الأخيرة.
ثانياً ـ وإذ تضغط سوريا بشتى الأشكال بواسطة وجودها الاستخباراتي، لجأت مؤخراً منذ نحو ثلاثة أسابيع الى خطوة كيدية على البوابات البرية مع لبنان أدت الى "أزمة الشاحنات" واختناق الحدود، من دون أي تفسير، سوى ما نقله مواطنون من كلام سمعوه على الحدود "روحوا لعند سعد الحريري خلّيه يطعميكم".
ثالثاً ـ وفي ظل الصراع الذي تخوضه السلطات السورية مع فلول النظام العراقي والمجموعات الارهابية الآتية من العراق، حصل "تسرّب" ليس حجمه معروفاً لعناصر متطرفة الى لبنان كما تؤكد أوساط إسلامية معروفة.
رابعاً ـ والى كل ذلك يضاف ان سوريا تمسك بعدد من خيوط اللعبة اللبنانية الداخلية عبر علاقاتها بمواقع دستورية من جهة وبمواقع سياسية أساسية من جهة ثانية، أي انها لا تزال جزءاً رئيسياً من القرار السياسي للبلد.
خامساً ـ وفي هذه الأثناء يفيد مطلعون على الموقف السياسي السوري ان دمشق "عادت" الى "نظرية" ان الولايات المتحدة تواجه مأزقاً في العراق سيدفعها الى البحث مع سوريا عن حلول، وان سوريا تعتبر التطور الإيراني المتمثل في وصول محمود أحمدي نجاد الى الرئاسة الإيرانية لمصلحتها.
فرض التسوية..
ان هذه "التتمة السورية" للمشهد اللبناني تدفع عدداً مهماً من الأوساط السياسية في لبنان الى الاعتقاد ان شطراً رئيسياً من المشهد اللبناني مُتحكّمٌ به سورياً، وبعض هذه الأوساط يرى أواني مستطرقة بين عدد من القوى الداخلية من ناحية وبينها وبين دمشق من ناحية ثانية. وتقول الأوساط ان سوريا "الطامحة" الى تجديد تسوية سورية ـ أميركية، انما تضغط في لبنان لـ"إفهام" من يعنيهم الأمر ان الحكم في لبنان لا يمكن أن يكون إلا تسوية معها، أي ان المعارضة "السابقة" تستطيع أن تفوز في الانتخابات بغالبية لكنها لا تستطيع أن تحكم، وان سوريا لا تزال المفتاح.
إذاً، في تكامل المشهد اللبناني من الداخل مع المشهد من خارج الحدود، يبدو ان تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات يواجه سلسلة من الإشكاليات، لا بل ان جزءاً من المشهد الداخلي مشكّل من خارج الحدود، كما تقول الأوساط التي إذ تخشى أن يؤدي ذلك الى استدراج تدخل دولي إضافي، تتساءل عمّن تكون القوة البشرية الخارقة التي يمكنها أن تخرج الوضع اللبناني من دوّامته.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.