تُبدي "القوّات اللبنانية" في هذه الفترة خشيةً كبيرة من أن تكون مستهدفةً بشكل "خاص"، وذلك في ضوء مجموعة من الأحداث حفلت بها الأيّام القليلة الماضية.
فمنذ وقت غير بعيد، لفتَ نظر قيادة "القوّات" صدورُ عدد من البيانات التي تدلّ تواقيعها إمّا على أسماء من مرحلة غابرة وإمّا على أسماء وهميّة، تتوعّد القيادة في الخطّ السياسي الذي تعتمده منذ مدة والذي جرت بلورتهُ على نحو واضح في المرحلة الانتخابية بما في ذلك التحالفات التي عقدتها. فمن بيان موقّع باسم غسان توما المسؤول الأمني السابق في "القوّات" والمقيم في الخارج تارةً الى بيان موقّع باسم "ضبّاط القوّات اللبنانية" وهو (الضبّاط) جسمٌ لا وجود له منذ أن حلّت "القوّات" تشكيلاتها العسكرية والأمنية بعدَ الطائف، تشتبه القيادة التي تقف على رأسها النائب ستريدا جعجع بأن وراءَ الأكمة ما وراءها وبأن ثمّة مؤامرة ما عليها، من منطلق اقتناعها التام بأن هذه البيانات مفبركة وتقفُ وراءها أجهزة ما بهدف الإساءة الى صورة "القوّات" كما جهدت لتقديمها في الآونة الأخيرة، وربّما بهدف ما هو أكثر من مجرّد الإساءة الى "الصورة".
حملةٌ للإيحاء بانقسام قوّاتي
ومن مطالعة مضمون هذه البيانات وبعضها يهدّد بالانتقام من رموز الخط القوّاتي الراهن، ويدّعي وصلاً بقائد "القوّات" سمير جعجع، تقرأ القيادة القوّاتية استهدافات سياسية وأمنية:
أولاً ـ الإيحاء بأن ثمة انقساماً حاداً في صفوف "القوّات" بين "راديكالية" أصوليّة متمسّكة بمقولات الحقبة السابقة على الطائف ومصطلحاتها وممارساتها من جهة وبين القيادة التي تحملُ خطّ المشاركة في الحياة السياسية و"المندفعة" باتجاه الشراكة مع الآخرين في الوطن من جهة أخرى، مع الإيحاء برجحان كفّة "الفريق الراديكالي" على القيادة.
ثانياً ـ الإيحاء بأن ثمّة خروجاً للقيادة عن توجيهات "القائد"، وبأن جعجع يُناصر من يسمّون أنفسهم راديكاليين أو أصوليين أي الذين يدّعون المحافظة على الموروث، في وقت باتَ معلوماً أن الخطّ الذي تعتمده القيادة توّج مراجعةً كانَ "الحكيم" في أساسها.
التشويش على خروج جعجع
ثالثاً ـ وإذا كانَ في ما تقرأه القيادة اشتباه بالأبعاد المشار إليها آنفاً، فإن أخشى ما تخشاه هوَ أن تكون لدى المقيمين خلف البيانات الصادرة نيّة للتشويش على خروج سمير جعجع من السجن عبرَ محاولة تصويره منحازاً الى راديكالية أو أصولية مزعومة، أو عبرَ محاولة تصويره عائداً الى قيادة "القوّات" بنهج سابق.
وبالنتيجة، فإن الهدف لا يخفى على القيادة، وهو القول أن "القوّات" لم تتغيّر، وليست مؤمنةً بحقّ بالحياة الديموقراطية، ولا هي ملتزمة بجدّ بالخطاب الميثاقي، خطاب العيش المشترك والشراكة الوطنية.. أي دحض مجمل الخط الذي سارت عليه طوال المدّة السابقة، وكما عبّر عن نفسه في الانتخابات النيابية خصوصاً وفي الرسائل المنقولة عن جعجع من سجنه الى المحازبين والمناصرين. ولا يخفى أيضاً أن الهدف الموازي لذلك هو تجديد تخويف الشريك المسلم من "القوّات"، في وقت يخطو الطرفان باتجاه بعضهما خطوات كبيرة.. بل "هائلة".
الاحتمالات الأمنية
رابعاً ـ وإذا كانت القيادة تعتبر أن ما تقدّم هو ثمن النجاح السياسي في تأكيد كون "القوّات" حليفاً للشركاء المسلمين وكونها شريكاً في الإنجازات الوطنية المتحققة، وكونها مؤهلةً للمشاركة من هذا الموقع في إدارة شؤون البلاد، فإن هاجس الاستهداف لديها لا يقف عند "الحدود" السياسية بل يتعدّاها الى الجانب الأمني:
1 ـ إن الأجهزة التي تقفُ خلفَ هذه الحملة المبرمجة في البيانات كمظهر رئيسي، قد تلجأ ـ ولا شيء يمنعها ـ الى استخدام "صورة الإنقسام" المزعوم في أعمال أمنية صغيرة أو كبيرة و"تلبيسها" للقوّات اللبنانية.
2 ـ وقد يجري استخدام "صورة الإنقسام" المزعوم في أعمال أمنية ضدّ "القوّات" نفسها.
3 ـ وقد يجري استخدام الأمر من أجل إعادة "نحت" صورة معيّنة "مخيفة" للقوّات في الشارعين المسيحي والمسلم، ومن أجل التجييش ضدّ سمير جعجع أو خلق نوع من "البلبلة" حولَه.
"القوّات": الصمود على خطّ "الحكيم"
ومع أن القيادة القوّاتية تخشى من تداعيات أمنية لهذه الأعمال المفبركة ضدّها، فإنها تركّز على الجانب السياسي لتؤكد أن مراجعتها ارتكزت الى قناعة راسخة بأن لبنان لا يقوم إلاّ بالعيش المشترك وبالشراكة الوطنية، ولتشدّد على أنها، وعلى الرغم من "صعوبة" هذا الخطّ، صمدت على أساسه من منطلق أن أي إضعاف لشريك من الشركاء إنما هو إضعاف للشراكة ككلّ، ولتلفت الى أنها ماضيةٌ في هذا الخطّ ولا رجعةَ الى الوراء أبداً.
وتسجّل أن هذا الخطّ يلقى ارتياحاً ملحوظاً وأنه يتقدّم أكثر فأكثر في البيئة المسيحية، وتضيف أن التركيز السياسي مِن قبلها على هذا الخطّ، والهجوم المضاد الذي لجأت إليه في وجه محاولات التشويه كان لهما أثرٌ كبير في تكبير حظوظ هذا الخطّ في البيئة المسيحية وعلى المستوى اللبناني العام في آن.
طبعاً، تعتبر القيادة أنها ليست المرّة الأولى خلال السنوات الماضية التي تواجه فيها تحديّاً مِن هذا القبيل، وقد تعرّضت على امتداد مسارها التغييري لحملات هدفت الى إضعافها لا بل الى شلّ فاعليّتها، بيدَ أن خطورة ما يجري اليوم تكمن في كونه يجري على أعتاب مرحلة تأسيسية بكل معنى الكلمة، فكما كان استهدافها سياسياً مطلع التسعينات مرتبطاً بتقدمها نحو الطائف، فإن استهدافها اليوم هو ثمن تقدّمها باتجاه الشراكة. وهي لا تنسى محاولات التخريب السياسي التي جرت في فترة ما بعد 14 آذار لعزلها مسيحياً تحت عنوان "ماذا جنيتم من شركائكم المسلمين؟".
جريمة الشمال: مناخُها وضمانة التهدئة
في هذا المناخ المستهدِف للقوّات سياسياً وأمنياً، وقعت الجريمة التي نفّذها أحد مناصري الوزير والنائب السابق سليمان فرنجيّة في الشمال وأودت بحياة ناشطيْن في تيّار "القوّات" وأدّت الى إصابة ثالث بجروح.
لا تربط قيادة "القوّات" بين الجريمة في الشمال وبين الحملة التي تستهدفها في الإطار العام، وإن كانت ترى مع ذلك أن الكادريْن اللذين خسرتهما في الشمال شهيدان للخطّ الذي اعتمدته وسارت عليه لبنانياً وشمالياً.
وتؤكّد أنها تصرّفت بمسؤولية وحكمة حيالَ هذه الجريمة، وهي كانت لتتصرّف على هذا النحو في جميع الأحوال، فكيفَ وهي مسبوقة بحملة ليس خافياً لديها أن من بين أهدافها استدراجها الى فخّ سياسي ـ أمني يرادُ منه إخراجها من عقلها؟
وإذ تشير الى أن الجريمة في الشمال وإن كان لا رابطَ مباشراً بينها وبين الحملة العامة ضدّها، إنّما ترتبطُ بمناخ التشنّج الذي سادَ في هذه المنطقة من لبنان خلال الانتخابات النيابية، تلفتُ في الوقت نفسه الى أن الجريمة هي نتيجة لما تسمّيه "خطأ" التصعيد الكلامي الذي لجأ إليه فرنجيّة خلال الانتخابات وطاولت شظاياه "القوّات".
فرنجية وتسليم القاتل
وتضيف أنها وهي الحريصة على الاستقرار، رحّبت بموقف فرنجيّة على إثر الجريمة، وتعاملت معه كما هو. بيدَ أنها تصرّ على اعتبار أن توكيد التهدئة لا يكون إلاّ بتسليم القاتل، أي أن يبادر فرنجيّة الى تسليمه الى القضاء اللبناني أو أن يبادر الى المساعدة على تسليمه. فكي يتمّ تحصينُ التهدئة والحؤول دون أي تداعيات لجريمة القتل وتكريسُ الاستقرار، لا مفرّ من هذه الخطوة.
كلام قيادة "القوّات" حيال مجمل التطوّرات المتّصلة بها اتّسم بالهدوء.. لكنه كانَ جازماً بالتحذير مِن محاولات استهدافها استهدافاً للاستقرار العام، وبالتأكيد على مواصلة الخطّ المعتمد... خطّ سمير جعجع بالذات.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.