للمرة الأولى منذ اتفاق الطائف، ثمّة فرصة تاريخية لوضع هذا الاتفاق موضع التطبيق اللبناني الذاتي. ذلك أن الوكالة التي أعطيت لسوريا طوال خمسة عشر عاماً في لبنان، أدّت الى إخضاع هذا التطبيق لتوازن قوى مسيطر عليه سورياً، الأمر الذي أدى بدوره الى عدم التطبيق مما عطّل اشتغال الآليات الدستورية.
مقتضيات الطائف في عمليّة تشكيل الحكومة
ومناسبة هذا الكلام الذي تؤكّد عليه أوساطٌ سياسية من اتجاهات متعدّدة على غير صلة بالرئيس المكلف، هي بالضبط عمليّة تشكيل الحكومة الجارية هذه الأيام بعدَ الانتخابات النيابيّة. وتطبيقُ الطائف في مجرى تشكيل الحكومة العتيدة، يقتضي برأي الأوساط المتعدّدة الأخذ بالعناوين الآتية:
أولاً ـ بما أن الانتخابات أفرزت غالبية نيابية واضحة، وبما أن هذه الغالبيّة فازت لتتحمّل المسؤولية على أساس البرنامج الذي تقدّمت به والتوجّهات التي عرضتها، فإن الحكومة الجديدة يجب أن تكون حكومة الغالبيّة النيابيّة الجديدة بالدرجة الأولى.
ثانياً ـ وبما أن الحكومة لا بد أن تكون بموجب الميثاق حكومة لا تناقضه، أي حكومة وفاق وطني، ومع ان الغالبيّة النيابيّة تحشدُ طيفاً وفاقياً لكنها لا تشمل كل البيئات التي يتشكّل الوفاق الوطني منها، وبما أن استبعاد تمثيل البيئة الشيعية مثلاً والتي عبّرت عن تمثيلها من خارج المعارضة أي من خارج الغالبيّة الجديدة، يتناقض بداهةً ومقتضيات العيش المشترك والوفاق الوطني، فإن الحكومة الجديدة يجب أن تكون حكومة الغالبيّة من ناحية وبمشاركة الجهات التي تُكمل نصاب الوفاق الوطني والشراكة الوطنية الميثاقيّة من جهة أخرى.
التحرّر من الثلث المعطّل
ثالثاً ـ وعلى أساس أن الحكومة الجديدة يجب أن تكون حكومة تمسكُ الغالبية الجديدة بزمامها، كي تستطيع هذه الغالبيّة أن تحكم وتنفّذ برنامجها وتوجّهاتها وتتحمّل مسؤوليّاتها، فإن الغالبيّة لا بد كي تمتلك سلطة القرار أن تمتلك أكثريّة الثلثين التي تتيح لها اتخاذ القرار، ولا بدّ أن تكون متحرّرة من الثلث المعطّل. ولعلّ هنا يكمنُ المحكّ الأبرز، ذلك أن تجربة السنوات الماضية تظهرُ أن الخلل في الحكم نشأ أساساً من تعطيل آلياته، في ظلّ تحكّم سوريا بثلثي القرار من جهة وثلث التعطيل من جهة أخرى وفي الوقت نفسه.
الوزارات الرئيسية
رابعاً ـ وإذا أُخذ في الاعتبار أن على الحكومة الجديدة مهمّات رئيسية في مجالات تفكيك النظام الأمني والسيطرة على مفاصل الأمن أولاً ومواكبة التحقيق الدولي في الجريمة الإرهابية التي أودت بحياة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه ثانياً وتجديد الانطلاق في مسيرة الإصلاح المالي ومعالجة الشأن الاقتصادي ثالثاً، يتبيّن أن الغالبيّة لا يمكنها المساومة على وزارات رئيسية لتستطيع تحمّل مسؤولياتها وهي وزارات خمس رئيسية: الداخلية والدفاع والعدلية والخارجية والمالية.
خامساً ـ لن يكون بمقدور أحد الحديث عن محاصصة بين أطراف الغالبيّة، ذلك أن بين الحلفاء توزيعَ مهمّات وليس محاصصة، ما دام الهدف هو تطبيق التوجهات المشتركة التي فازت الغالبيّة من أجل تطبيقها بالفعل.
إذاً، في مناسبة تشكيل الحكومة الجديدة، وفي مجال تطبيق اتفاق الطائف على العنوان الحكومي، من الواضح أن مراعاة الاعتبارات الآنفة حتميّة للانتقال الى مرحلة جديدة على مستوى الحكم، الأمر الذي يفيد أن المشاركة في الحكومة لا تعني إعطاء جوائز ترضية لأحد، أو استرضاء موقع ما بهدف حثّه على تسهيل عمل الحكومة، لأن الدستور يجب أن يطبّق، وأن يكون الحكَم بين المؤسسات والمواقع الدستورية. وهذا ما تردّ به أوساطٌ متعدّدة على تسريبات تتحدّث عن "مقايضة" يتمّ بموجبها استرضاء رئيس الجمهورية لقاء تسهيله تشكيل الحكومة، أي لقاء توقيعه مرسوم تشكيل الحكومة التي يعرضها عليه الرئيس المكلّف بموجب مشاوراته النيابية والسياسية.
"العرفُ" في الوزارات "السياديّة": كسرُه ضروري
بيدَ أن تشكيل الغالبيّة النيابية لحكومة جديدة وفق مقتضيات الطائف، يطرحُ مجموعةً من العناوين الأخرى بعدَ ذلك:
1 ـ لقد تكرّس منذ إقرار الطائف نوعٌ من "العُرف" الذي يقضي بأن يكون توزيع ما يسمّى "وزارات السيادة" أي الداخلية والدفاع والخارجية والمالية على الطوائف السنيّة والشيعية والمارونية والأرثوذكسية، وقيل مراراً أن تسلّم كاثوليكي مثلاً لإحدى هذه الوزارات يتطلّب "تنازلاً" مارونياً أو أرثوذكسياً عنها، وأن تسلّم درزي مثلاً لإحداها يفترض حصول تنازل سنّي أو شيعي. وفي رأي الأوساط المتعدّدة أن هذا العنوان ـ "العُرف" يجب أن "يُكسر" أو في حدّ أدنى ألاّ يتمّ تكريسه إذا كانَ من مقتضيات الوفاق علماً أن الأمر مشكوك فيه على هذا الصعيد، كي لا يتمّ تكريس واقع يفيد أن الحكومة تتشكّل على مستويين أو "طابقين".
أكثرية الثلثين ليست ضدّ التوافق
2 ـ وأن يكونَ من حقّ الغالبيّة النيابية أن تتحمّل مسؤولية الحكم وأن يكون لها الثلثان الضروريّان للقرار، لا يعني أن القرار في مجلس الوزراء يصبح محسوماً سلفاً للثلثين، أو أن يغدو الوزراء المحسوبون من خارج الثلثين "كمالة عدد". فصحيح أن الغالبيّة التي تشكّل الحكومة وكي تتسلّم الحكم فعلياً يجب أن تنطلق من توازن داخل الحكومة يعكسُ كونها الغالبيّة بالفعل، لكن الصحيح أيضاً عندما يجري احترام الميثاق والدستور لجهة كون مجلس الوزراء الإطار الدستوري للمشاركة من ناحية وإطار اتخاذ القرار مجتمعاً كسلطة تنفيذيّة من ناحية ثانية، إن طرفاً أو أكثر من ضمن الثلثين يمكن أن يخرج منهما في موضوع محدّد، فيكون مجلس الوزراء في هذه الحالة عاكساً لحيويّة المشاركة وفاعليّتها.
وواقع الأمر يفيد أن ثمّة عناوين كثيرة في المرحلة المقبلة لا يكفي أن يكونَ ممكناً بتّها بأكثريّة موصوفة، بل يجب أن يتّخذ الموقف منها بالإجماع أو شبه إجماع أي بالتوافق، خصوصاً عندما يكون هذا العنوان وطنياً عاماً.
وعلى هذا الأساس، يصحّ اعتبار أكثريّة الثلثين حقّاً سياسياً ودستورياً لغالبيّة تريد أن تحكم، لكن هذه الأكثريّة يمكن أن تتبدّل في موضوع من المواضيع، ولا تعود كافية في حالات تتطلّب توافقاً عاماً. وهذا ما يجب أن يطمئن جميع شركاء الحكومة، وأن يحثّهم على ولوج باب التسويات في الوقت الذي تُعتبر العناوين الرئيسية (الداخليّة) للمعارضة السابقة مواضيع مؤيّدة من أكثريّة نتجت من الانتخابات.
السنيورة وتجربة الشهيد مع الدستور
3 ـ لقد أحسن الرئيس المكلّف فؤاد السنيورة في قوله إن الحكومة الجديدة يجب أن تعكس ثنائيّة حُسن التمثيل السياسي من جهة والإنتاجيّة والكفاءة من جهة ثانية، لكنه أحسن أيضاً وأساساً في قولِه أن العلاقة بينَه وبين رئيس الجمهورية يحكمها الدستور، وأنه هو نفسه سيمارس صلاحيّاته الدستورية.
الرئيس الشهيد رفيق الحريري كانَ مراراً يعلُن هذا الموقف، لكنه كان يصطدم بعوامل عدّة: التدخّل السوري لمصلحة رئيس الجمهورية وعلى حساب الدستور، النظام الأمني الذي كان وبدعم سوري يشكّل مركزَ الحكم الفعليّ، الأكثريّات المتبدّلة بقرار سوري ومنع التصويت عندما ترى دمشق مصلحةً في ذلك، وتغييب الديناميّات السياسية المُفضية الى تشكّل التوازنات الضرورية.. وكل ذلك في سياق انقلاب متدرّج وحثيث على الطائف.
الظرفُ متبدّل الآن، لكن معركة فرض احترام الدستور لم تنتهِ تماماً، ولذلك فإن تشكيل الرئيس السنيورة لحكومته بالمواصفات المشار إليها جميعاً، وضمن معادلات دستورية وميثاقيّة واضحة، من شأنه أن يشكّل عاملاً مهمّاً في دفع رئيس الجمهورية الى التزام موقعه الدستوري وصلاحيّاته، وإن كان ثمّة ما ينبئ بأن المرحلة الجديدة لن تخلوَ من صراع.
4 ـ في ضوء كل المقدّمات الآنفة، يصبح من الأهميّة بمكان أن يعطي السنيورة "اللهجة" اللازمة لأدائه المقبل منذ الآن، وقد فعلَ، كما يغدو ضرورياً أن يشارك في الحكومة سياسيون "صفّ أوّل" مشبعون بالميثاق والدستور وبدروس التجربة السابقة.. لتشكّل الحكومة الجديدة بالفعل أملاً بمرحلة مختلفة.
وفي تقدير الأوساط المتعدّدة أن من شأن حكومة تتشكّل وفقاً لمقتضيات الميثاق والدستور، وتكون مؤهّلة لأن تجسّد مركز المشاركة وقرارها، أن تفتح الطريق أمام تطبيق متكامل لاتفاق الطائف، وأن تفتح أمام البلاد سبل استدراك تأخير طال خمسة عشر عاماً، وأن تعيد الاعتبار لـ"لبننة" اتفاق الطائف.. أي لحكم اللبنانيين أنفسهم بأنفسهم.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.