في قراءة أولية للتحول في موقف العماد ميشال عون نحو المشاركة في الحكومة بعد أن كان أعلن غداة الانتخابات انه سيمثل المعارضة الجديدة للسلطة التي تشكلها المعارضة السابقة، تعرب أوساط سياسية متابعة عن اعتقادها ان مجموعة عوامل محلية وخارجية فعلت فعلها تأثيراً في هذا التحوّل، وتسجل في هذا الإطار المعطيات الآتية:
أولاً ـ ترى الأوساط المتابعة ان عون أجرى على الأرجح تقويماً للنتائج بعد أن هدأت "الفورة" الانتخابية، وتبيّن له ان الحجم الذي حققه في الانتخابات، لا سيما على الساحة المسيحية، لن يعني شيئاً كثيراً ما لم تتم ترجمته عملياً وسياسياً، على قاعدة ان من يربح الانتخابات بهذه النسبة لا يمكنه الانكفاء من بعدها ويترك شأن التمثيل المسيحي في السلطة لسواه، لا سيما ان المرحلة الراهنة ـ المقبلة تكتسب طابعاً تأسيسياً بكل معنى الكلمة.
ثانياً ـ وترى الأوساط ان ثمة عاملاً آخر، هو ان عون الذي حقق بالانتخابات موقعاً مرجعياً في البيئة المسيحية، يحتاج كي يكرّسه الى اعتراف "الآخر" بهذه المرجعية، وهو لا يستطيع أن ينتزع هذا الاعتراف بالانكفاء الى المعارضة، لان الظرف الراهن باتجاه إعادة تشكيل السلطة هو الظرف المناسب لتأكيد الشراكة أو نفيها، وإلا يكون عون كمن يفرّط بما أنجزه.
عين عون على "القوات"
ثالثاً ـ وتُبدي الأوساط نفسها اعتقادها ان عين عون خلال الفترة السابقة كانت شاخصة باتجاه المنافس اللدود أي "القوات اللبنانية". صحيح ان "القوات" لم تحصد حجماً تمثيلياً موازياً لحجم التيار العوني، لكن أداءها السياسي الذي تميّز بـ"الهدوء" وبخطاب سياسي ميثاقي، أعطاها موقع الأفضلية عند الشركاء المسلمين، ومن شأن تكريس المسلمين لهذه الأفضلية أن يكرّس "القوات" في موقع وطني ـ أي لبناني عام ـ فيرى عون نفسه عندئذٍ وقد انتقل من الخطاب اللبناني اللاطائفي في مفرداته الى موقع طائفي لا تثمير له لبنانياً، فيما "القوات" تحقق انتقالاً معاكساً.
إشارة دولية أوحت بالتحوّل؟
رابعاً ـ بيد ان هذه العوامل ـ المحلية ـ على أهميتها، لا تشكل برأي الأوساط أسباباً كافية لوحدها في هذا التحوّل العوني نحو المشاركة في حكومة ما بعد الانتخابات.
وترجّح في هذا السياق أن تكون إشارة دولية ما، أميركية أو فرنسية أو أميركية ـ فرنسية، صدرت عزّزت لدى عون خيار التحوّل المشار اليه. وتقول الأوساط ان الإشارة الدولية هي فرضية مبنية على أساس ان للمواقف الدولية تأثيراً كبيراً في المواقف الداخلية، وعلى أساس أن لا تحوّل يمكن أن يحصل في فترة أيام قليلة ما لم يكن وراءه عامل "كبير". وفي هذه الحالة، أي إذا كان ثمة "إيحاء" دولي بالتحوّل المذكور، والذي على الرغم من كونه فرضية، فإن بعض المعطيات والمعلومات تدعمه، يكون السؤال: لماذا هذه الإشارة الدولية؟ وفي الجواب عن هذا السؤال، تطرح الأوساط المتابعة أسئلة في المقابل، وليس تأكيدات جازمة.
أسئلة افتراضية كثيرة
1 ـ هل ان لهذا الأمر، أي مشاركة التيار العوني في الحكومة علاقة بالتوجه الى مشاركة "حزب الله" فيها، وبهدف خلق توازن سياسي معيّن؟
2ـ هل ترغب الجهات الدولية المعنية في أن تحولَ، بوجود التيار العوني في الحكومة، دون التزامها بموقف سلبي من القرار 1559، في ضوء إعلان أطراف المعارضة السابقة والسلطة الجديدة بشكل متكرر ان موضوع المقاومة وسلاحها هو مسألة لبنانية تعالج بالحوار اللبناني الداخلي؟
3 ـ هل ان الجهات الدولية موافقة ضمناً على أن تكون هذه القضية مرهونة بنتائج الحوار اللبناني وتريد تشكيل توازن هذا الحوار مسبقاً؟ أم ان في الأمر محاولة لنوع من "إقلاق الراحة" في هذه المرحلة؟.
4 ـ هل ثمة ابتعاد دولي ـ أميركي ـ عن بعض شركاء 14 آذار لا سيما وليد جنبلاط وموارنة الشراكة الوطنية؟.
5 ـ هل ثمة قناعة دولية في المقابل بالاقتراحات الإصلاحية للعماد عون، تشكل أساساً لدعم مشاركة "التيار" في الحكومة؟.
عون على تقاطع دولي ـ إقليمي ما؟
وتؤكد الأوساط ان هذه الأسئلة وغيرها الكثير يمكن طرحه، لكنها تقول انها تنطلق في هذه الأسئلة الافتراضية من ملاحظة ان أي "تدخل" دولي لدى الجنرال عون لم يحصل خلال فترة الانتخابات لـ"ثنيه" عن تحالفاته فيها، على الأقل في الظاهر، لا بل على العكس من ذلك بدا العماد عون بالنسبة إلى الكثيرين "متعاوناً" مع رموز سوريين في لبنان مما يدفع الى سؤال افتراضي آخر: هل ثمة تقاطعٌ ما يمثله عون؟ وهذا السؤال الافتراضي الأخير ينطلق من ملاحظة ان الجنرال كان، رداً على الاتهامات التي وجّهت اليه بالتحالف مع سوريا عبر رموزها في لبنان، يسخر من هذه الاتهامات ولسان حاله يقول "غداً سترون".. أم ان السؤال الافتراضي الكبير يجب أن يكون: هل لانضمام عون الى الحكومة علاقة بمصير رئاسة الجمهورية؟
15 عاماً من التأخير:
طرفا الحرب يدخلان السلم
على أي حال، ان هذه المقدمات ـ الأسئلة تحتاج الى بعض الوقت كي تنجلي الأجوبة عنها. بيد ان "الواقع" القائم الآن والذي يفيد ان "التيار الوطني الحر" سائر نحو المشاركة في الحكومة، إن "لم تَفرط" هذه الواقعة في اللحظة الأخيرة وهذا احتمال يبقى قائماً حتى اللحظة الأخيرة ايضاً، والذي يفيد ان "القوات" ستشارك في الحكومة كذلك... ان هذا الواقع يفرض طرح عدد من الملاحظات الرئيسية:
أ ـ في رأي الأوساط ان العودة بالتمثيل المسيحي الى ثنائية عون ـ "القوات"، تعني ان المشاركة المعلقة منذ خمسة عشر عاماً لهذين التيارين تتحقق الآن.
ب ـ ان هذه المشاركة بالتالي تأتي متأخرة خمسة عشر عاماً، أي ان الطرفين اللذين شكلا في مرحلة سابقة ثنائية الحرب عند المسيحيين، يشاركان الآن متأخرين خمسة عشر عاماً عن أطراف الحرب عند المسلمين. وبكلام آخر، ان "زعماء الحرب" عند المسيحيين يبدأون عملياً الآن تجربتهم مع السلم. ذلك ان الطرفين خلال الخمس عشرة سنة الماضية أجبرا على سلوك ممرات قاسية بفعل الإقصاء، مع ان كلاً منهما ولو بتفاوت ـ لمصلحة "القوات" أظهر تعاملاً ايجابياً مع هذا السلم، وبالتالي فإن تجربتهما الأولى مع السلم ومن ضمن السلطة ستكون موضع متابعة مجمل الوسط السياسي واهتمامه.
مسيحيو "القرنة": تهميش ظرفي واحتياطي دائم
ج ـ ان العودة الى هذه الثنائية عون ـ "القوات" التي قرّرت فيها الانتخابات من جهة وقرّر فيها المسلمون من جهة ثانية، وساهم فيها العامل الخارجي بمعنى من المعاني من جهة ثالثة، أدت في ما أدت اليه إلى نوع من "التهميش" لجهد عدد كبير من المسيحيين خلال السنوات التي تلت الطائف، لكن بشكل أساسي خلال السنوات الخمس الماضية بعد الانسحاب الإسرائيلي في العام 2005، هذا الجهد الذي تركز على محاولة التعبير بصدق عن توجهات البيئة المسيحية أولاً في ظل الحرص على التواصل الوطني ثانياً واعتبار ان الشراكة المسيحية الإسلامية هي الضمانة ثالثاً وأساساً.
هذا الجهد الذي بذلته فئة كانت في أساس تشكيل "لقاء قرنة شهوان" حول البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، هو في العمق جهد لتأسيس شبكة أمان لبنانية، ولا يمكن برأي الأوساط المتابعة أن يذهب هدراً حتى لو هُمّش تمثيل أصحابه. ولذلك فقد تكون أمام هذا الفريق فرصة لـ"التفرّج" على ما يحصل، لا سيما انه سيبقى احتياطياً آمناً فيما لو لم يكتب للتجربة الجارية النجاح.
التيار العوني يخرج من الشارع
د ـ وتثير الأوساط نقطة تراها مهمة: ان انتقال التيار العوني الى المشاركة في السلطة يؤدي الى إفقاد العديدين ممن تحلقوا حوله بعد عودة العماد عون الى بيروت القدرة على التلويح بالمعارضة والاعتراض طالما ان "التيار" هو العمود الفقري لمثل هذا المشروع، ويؤدي الى "ابتعاد" التيار عن الشارع لعدم قدرته على "المزاوجة" بين العضوية في الحكومة وبين تحريك الشارع، ويؤدي الى "تناقص" هذه الميزة التفاضلية لديه.
في ضوء ما تقدم، وأياً تكن العوامل المرجحة في هذا الخيار أو ذاك، تختم الأوساط السياسية المتابعة باعتبار ان هذه التطورات جميعاً مهمة، وان التجربة الجديدة التي تدخلها الحياة السياسية في شقيها الدستوري و"الشعبي" لا بدّ أن تكون موضع متابعة كاملة، ذلك ان ما يحصل اليوم ليس في وجهه الرئيسي سوى "ثمن" لتأخير تطبيق اتفاق الطائف لمدة خمسة عشر عاماً، ولـ"قمع" الحيويات السياسية طوال هذه المدة، إذ أدى كل ذلك الى إعادة الوضع اللبناني الى نقطة البداية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.