عشية تشكيل الحكومة الجديدة، تتوقف أوساط سياسية متابعة ومعنية أمام مسألة التمثيل المسيحي مجدداً في ضوء التطورات التي أحاطت بهذا الموضوع قبل الانتخابات النيابية وأثناءها وبعدها.
انسحاب البطريرك.. وزوال ثنائية صفير ـ عون
أولاً ـ مع عودة العماد ميشال عون من المنفى في السابع من أيار الماضي، آثر البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير "الانسحاب" لمصلحته نائياً بنفسه عما سمي آنذاك "التسونامي". بيد أن هذا "الانسحاب" اتخذ صيغة سياسية، ذلك أن البطريرك اعتمد أسلوب الانسحاب المغطى بالنيران، واتخذ من قانون العام 2000 عنواناً للهجوم ـ المؤدي الى الانسحاب ـ مسلطاً بذلك الضوء على "مسؤولية" الإطار المقرب منه أي "لقاء قرنة شهوان" في جعل هذا القانون نافذاً، فأدى ذلك الى "كشف" اللقاء أمام عون.
ثنائية قديمة جديدة
ثانياً ـ وبمبادرة البطريرك صفير الى إنهاء هذه الثنائية، برزت مباشرة ثنائية أخرى بديلة هي ثنائية عون ـ سمير جعجع أو "التيار الوطني الحر" ـ "القوات". وبكلام آخر، أدى كشف "لقاء القرنة" الى بروز التيار الحزبي الأكثر تنظيماً من جديد، أي "القوات اللبنانية" بوصفها "واجهة" الساحة المسيحية غير العونية.
وأكثر من ذلك، فقد بدت "القوات" بالنسبة الى الكثيرين مسيحياً وعلى الصعيد اللبناني العام بوصفها "فرس الرهان" على الحدّ من "جموح" التيار العوني وعلى إيجاد نوع من التوازن معه و"منعه" من "إجتياح" الوضع المسيحي.
ثالثاً ـ واذا كان مما لا شك فيه ان "القوات" قامت بالعديد من التحولات التي تكثفت عند سعيها الى تقديم نفسها بوصفها الشريك المسيحي للمسلمين، وهي بتوجيه من قائدها أكدت التزامها بالشراكة الوطنية تأكيداً منها للالتزام بالطائف.. فان ما شهدته الأسابيع الماضية هو في واقع الأمر عودة لثنائية قديمة عون ـ "قوات"، برزت خلال سنوات من الحرب اللبنانية ولم يكتب لها أن تستمر بعد انتهاء الحرب بالطائف، وذلك لظروف واعتبارات كثيرة منها "هزيمة" عون في الثالث عشر من تشرين الأول 1990، ومنها سجن سمير جعجع ابتداءً من العام 1994.
"التيار" و"القوات" والصراع الصامت
رابعاً ـ وبعودة هذه الثنائية القديمة عون ـ "القوات اللبنانية"، دخل طرفا هذه الثنائية في صراع "صامت" لكن مضمونه واضح من شقين: الأول حول تمثيل البيئة المسيحية وتوازن هذا التمثيل، والثاني حول مَن منهما يكون الشريك المسيحي المقبول إسلامياً. وصار واضحاً ان أي طرف منهما ومهما بلغ حجمه التمثيلي مسيحياً، بحاجة الى الاعتراف به من قبل الشركاء المسلمين، أي أن كل طرف منهما بات مدركاً لحقيقة ان الحجم وحده لا يعني شيئاً إن لم يُصرف أو يُثمّر في العلاقة مع "الآخر" وإن كانت "القوات" أسرع في التقاط هذا المعنى. ولذلك راح الطرفان يتنافسان ـ بصمت ـ على موقع كل منهما في الشراكة، وكل منهما راح يسعى الى حصد أوسع تمثيل لصالحه.
إشكالية الطرفين
خامساً ـ غير أن عودة الثنائية القديمة عون ـ "القوات" طرحت خصوصاً بعد الانتخابات إشكالية لا يستهان بها بالنسبة الى طرفي هذه الثنائية.
فبالنسبة الى "التيار الوطني الحر" تبرز الإشكالية من خلال السؤال الآتي: طالما أن "التيار" خاض الانتخابات النيابية بأفق تحديد موقعه مسيحياً ولبنانياً وبهدف تأكيد كونه الشريك للآخرين، فلماذا خاضها بالطريقة المعروفة أي بالهجوم على الشركاء وبالتحالف مع خصومهم؟ وهل كان ليحصد النتائج نفسها لو أوضح الوجهة التي يريد عبرها تثمير هذه النتائج؟ والسؤال مطروح هنا على خلفية ان الإقرار بالشراكة ثم الدخول فيها يقتضيان تسويات معينة كان عون وتياره حتى فترة قريبة يبدوان "مقفليْن" حيالها (التسويات).
أما بالنسبة الى "القوات اللبنانية" فان الإشكالية تبرز من خلال السؤال الآتي: هل خاضت "القوات" الانتخابات النيابية الأخيرة بأفق مفتوح لجهة القدرة على انتزاع تمثيل مسيحي واسع ما عدا في بعض الشمال؟ وهل خاضتها بطريقة مختلفة عن سائر أعضاء "لقاء قرنة شهوان"؟.
"ثلاثية" و"رباعية"
سادساً ـ وفي مزيد من النقاش يتبين بالأرقام أن كلا التيارين، العوني (15 نائباً) و"القوات" (6 نواب) يمثلون معاً 21 نائباً من أصل 64 نائباً مسيحياً في المجلس النيابي، ما يعني أن عدداً كبيراًمن النواب المسيحيين لا ينضوون في ظل هذه الثنائية القديمة ـ الجديدة ماعدا حلفاء عون الجدد. فهناك 8 نواب من أعضاء "القرنة" ممن انتخبوا في الدوائر المختلطة في بيروت وبعبدا ـ عاليه والشمال، وهناك نحو 30 نائباً مسيحياً رجحتهم أكثريات إسلامية.
وهذا التوصيف الرقمي يهدف الى تسليط الضوء على حقيقة أن في الوضع المسيحي "رباعية" في الواقع وفي حد أدنى "ثلاثية" مسيحية ـ مسيحية وليس ثنائية فقط.
"القرنة".. وإمكانية الحياة
سابعاً ـ وإذا تقدّم النقاش أكثر فأكثر، يتبين أن "قرنة شهوان" لو أعادت لملمة صفوفها، فانها تمتلك كتلة من 14 نائباً، أي أن "القرنة" إذا هي أعادت تجميع مكوناتها فستكون ممثلة بـ 14 نائباً هم نواب "القوات" (6) ونائبا "الاصلاحية الكتائبية" (2)، و6 نواب مستقلون هم 4 نواب في الشمال (3 في زغرتا و1 في البترون) ونائبا بيروت جبران تويني وصولانج الجميل. وعندئذ تصبح كتلتا عون و"القرنة" متقاربتين، وإذا كان لا بد من ثنائية فلتكن ثنائية عونية ـ قرنوية، والا لتكن "ثلاثية" 15 ـ 6 ـ 8.
المسيحيون الآخرون والتعددية
ثامناً ـ لقد دلت تجربةُ الانتخابات النيابية على ان ثمة في بعض "الأماكن" المسيحية أو في بعض جهات "العصب المسيحي" تعاطياً مع المسيحيين في مناطق الغلبة العددية الإسلامية على أنهم ليسوا من فئة "الدم الأزرق"، وعلى أن ثمة تعاطياً مع مسيحيي الوحدة الوطنية أو موارنة الشراكة الوطنية على أنهم ليسوا أنداداً للشركاء المسلمين وهذا خطأ كبير إن لم يكن خطيئة كبيرة.
وليس مفهوماً بالفعل، السبب الذي يدعو البيئة المسيحية التي اشتهرت تاريخياً بتعددها وتنوعها الى التوجه نحو الأحادية أو الثنائية. واذا كان الأمر يتعلق بأحادية في بيئة أو اثنتين إسلاميتين وبثنائية في بيئة إسلامية ثالثة، فلهذا التشكل في البيئات الاسلامية ظروف "تاريخية" بعد الطائف تحتاج الى قراءة مستفيضة، لكن لا يصح أن تستنتج منه البيئة المسيحية أن قوتها بالأحادية أو بالثنائية بل هي بالتعدد طالما أن هذه التعددية قائمة بالفعل ومتوازنة أيضاً.
المسلمون ودورهم
تاسعاً ـ واذا كان صحيحاً في المبدأ أن المسلمين لا "يصنعون" شريكهم المسيحي أو شركاءهم المسيحيين، فإنهم في المقابل قادرون على أن يفتحوا الأفق أمام شريك مسيحي أو أكثر، تماماً كما يستطيع المسيحيون أن يفتحوا أمام الشريك المسلم أو أن يغلقوا الأفق أمامه.
وفي هذه الحالة، واذا كان من طبيعة الأمور أن يبحث المسلم عن شريك مسيحي وازن تمثيلياً، فليس من طبيعة الأمور أن يدفع مسيحيو الشراكة الوطنية وهم وازنون تمثيلياً أيضاً الثمن مرتين، مرة في اندفاعهم الى الصراع مع مسيحيين آخرين فيخسرون نتيجة خطابهم الميثاقي، ومرة ثانية عند ترتيب الشراكة.. وإلاّ يكون "الدرس" الذي يعطى لهؤلاء أن تطرّفوا ما شئتم في بيئتكم واحصدوا ما أمكنكم من المقاعد ثم نرى، الأمر الذي يعني عندئذ ان البلاد تتجه الى تطرف لا يصنع شراكة وطنية، أو أنه يعني أن مسيحيي الشراكة الوطنية ـ الاعتدال ـ هم "كمالة عدد"، وهذا ما لا يقصده قادة المسلمين وما لا يرضونه بالتأكيد.
توازن التمثيل المسيحي في الحكومة
عاشراً ـ ينتج من هذه المقدمات جميعاً ان التمثيل المسيحي الماروني بوجه خاص في الحكومة الجديدة يجب أن يكون متوازناً، فلا ينحصر بأحادية أو ثنائية، بل أن يتعدد آخذاً في الاعتبار "الثلاثية" أو "الرباعية". ذلك أنه اذا كان صحيحاً ان جميع قوى وأطراف التمثيل المسيحي كما جرى استعراضهم، شاركوا في انتقال لبنان الى مرحلة جديدة، وهذا صحيح حتماً، فالصحيح أيضاً ـ وربما أكثر ـ أن موارنة الوحدة الوطنية، وخصوصاً المستقلين منهم غير المنتمين الى تيارات حزبية، لعبوا دوراً مميزاً. ولذلك يقتضي أن يكون التمثيل المسيحي في الحكومة الجديدة عونياً وقواتياً وقرنوياً و"مشتركاً"، ضمانة للحكومة نفسها ولمصلحة المسيحيين والاستقرار اللبناني ككل.
صفير
... وتبقى كلمة أخيرة موجهة الى البطريرك: انّ "قرنة شهوان" تمتلك شرعية الاستمرار ومشروعيته، فاذا كان الأمر يتعلق بالعدد، فإن نوابها 14 وكانوا 9، اما اذا كان الأمر يتعلق بهذا "اللون" المسيحي الميثاقي، فان الاستمرار أدعى. واذا كانت التطورات تفرض انتفاء الرعاية الكنسية المباشرة، فان بركة الكنيسة ضرورية وتكفي.. في انتظار أن تنضج ظروف قيام الكتل المختلطة حيث يبدو أنه كلما جرى الاقتراب من هذا الهدف عاد ليبتعد من جديد.. لكن التخلّي عن الميثاقيّين يؤذيهم بالتأكيد.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.