حسم رئيس كتلة "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري قراره بعدم التقدم الى موقع رئاسة الحكومة، ورشّح الوزير السابق فؤاد السنيورة بدلاً منه. وبذلك يكون قد أخذ بالنصائح التي "انهالت" عليه ودعته الى التريّث في الإقبال على الحكم ضمن الظروف القائمة.
وقد تركّزت هذه النصائح على نقطة سياسية رئيسية هي ان سعد الحريري بالذات لن يمكّن من الحكم طالما ان رئيس الجمهورية إميل لحود لا يزال في بعبدا، وان ثمة مشكلة في التعايش بينهما ما دام لحود رئيساً، وان ثمة إشكالية "شخصية" لا حل لها في وقت يُعتبر النظام الأمني وعلى رأسه لحود ضالعاً بشكل أو بآخر في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وفي وقت يرث سعد أحقاد هذا النظام على بيته السياسي.
الحسم بتسلّم الحكم
وفي ضوء النصائح "المفهومة" التي تتمحور حول هذه "الاستحالة"، كان لا بد من الإجابة عن الإشكالية السياسية المطروحة منذ أن فازت المعارضة بالغالبية النيابية في المجلس الجديد، فكانت الإجابة على النحو الآتي:
أولاً ـ بما ان المعارضة خاضت الانتخابات النيابية من أجل الانتصار فيها، وبما أن الانتخابات ليست عملية تسجيل موقف تجري بموجبه البرهنة على قدرة الانتصار كي يجري التخلي عنه" بعد ذلك، وبما ان المعارضة انتصرت بالفعل فلا مفرّ من أن تتسلّم الحكم.
ثانياً ـ لا تستطيع المعارضة وقد باتت غالبية نيابية أن تهرب من المسؤولية وأن تمدّد الفترة الانتقالية بواسطة حكومة تشارك فيها بصيغة أو بأخرى، بحجة ان لحود لا يزال رئيساً للجمهورية، لان معنى ذلك هو تبديد الانتصار الانتخابي والانسحاب من الصراع.
ثالثاً ـ ان تمديد الفترة الانتقالية بحكومة "ما"، أي بحكومة لا تشكلها المعارضة بنفسها، ليس فقط سيعني تأجيل المهمات التي أعلنت المعارضة التزامها بتنفيذها، بل سيعني التأسيس للانقلاب على الانتخابات ونتائجها، وسيعني العودة بعد فترة الى اكتشاف ان النظام الأمني مستمر، لا بل سيعني عودة أعداء 14 آذار الى الحكم.
رابعاً ـ وبما ان العمل السياسي ليس عملاً خيرياً، وبما ان لا شيء في السياسة اسمُه "تقطيع الوقت" لان آخرين سيملأون هذا الوقت، وبما ان العمل السياسي صراع مستمر، وبما ان أحداً لا يمكنه القول "غيّروا لي كذا وكذا" بل عليه أن يغيّر بنفسه وأن يخلق ـ بالصراع ـ ظروف هذا التغيير، فإن المعارضة وقد باتت غالبية نيابية مطالبة بتسلّم الحكم وبتشكيل الحكومة الجديدة.
خامساً ـ وعلى أساس كل ما تقدم، رشّح سعد الحريري رفيق والده فؤاد السنيورة لرئاسة الحكومة، ليشكل حكومة الغالبية النيابية الجديدة، على اساس ان له تجربة كرجل دولة.
السنيورة والحريري: النتيجة واحدة
يتبين من المقدمات الآنفة ان عدم ترشيح سعد الحريري نفسه لرئاسة الحكومة في مقابل ترشيحه السنيورة لهذا الموقع، يؤدي الى النتيجة نفسها ولو بشخص آخر. لماذا؟
1 ـ ان السنيورة وقد كان على الدوام من فريق الرئيس الشهيد، لا بل كان المتقدم ضمن هذا الفريق، هو الحريري نفسه بما يمثله من أفكار وتوجهات، وان السنيورة سيواجه التعقيدات نفسها التي كان سعد سيواجهها لو تقدم الى رئاسة الحكومة.
2 ـ لا يستطيع السنيورة أن يكون رئيساً لحكومة انتقالية أي حكومة لتمرير الوقت، بل هو بناء على المقدمات رئيس الحكومة المشكلة من قبل الغالبية النيابية وحلفائها من القوى التي أعادت إنتاج تمثيلها السياسي عبر الانتخابات، أي حكومة المواجهة مع النظام الأمني.
3 ـ وتبعاً لذلك، فإن حكومة يشكلها السنيورة هي نفسها "تقريباً" حكومة يشكلها الحريري، تتنكّب المهمات نفسها وتواجه التعقيدات ذاتها والأخطار عينها، وعليها أن تخوض الصراع في الميادين نفسها أيضاً.
مِن هنا القول ان قرار الحريري عدم الترشح الى رئاسة الحكومة لا يغيّر "كثيراً" في المعطيات السياسية طالما ان البديل هو السنيورة ويصبح عدم الترشح وترشيح السنيورة متساويين في البعد السياسي، وإن كان "الرأي العام" سيتعاطى مع السنيورة بوصفه "الوكيل" عن "أصيل" هو الحريري.
حكومة ائتلاف وطني وفريق عمل
ومع ذلك وبالرغم منه، بات الوضع اللبناني أمام قرار سياسي بتسلّم المعارضة ـ أي الغالبية النيابية الجديدة ـ الحكم. ولذا فإن المعارضة بقدر ما تبدو معنية بمناقشة قرار الحريري وتفهم أسبابه، فإنها مطالبة بـ"الاحتشاد" ضمن الحكومة الجديدة، وبتوفير النصاب السياسي الكامل لها.
وبكلام آخر، ان التشكيلة الحكومية يجب ان تتضمن تمثيلاً لكل تيارات الغالبية النيابية وللتيارات السياسية التي من خارج هذه الغالبية تتمتع بواقع تمثيلي في بيئاتها. ويجب للمرة الأولى بعد الطائف أن تعكس الحكومة الغالبية النيابية وأن تحكم باسمها، لتكون بذلك حكومة ائتلافية وفاقية. ويجب أن تشكل هذه الحكومة فريق عمل متكاملاً، لأن عليها مهمات رئيسية سواء تعلق الأمر بتفكيك النظام الأمني و"شبكاته" أو تعلّق بالإصلاح السياسي والإداري أو بالوضع المالي والاقتصادي والاجتماعي. ذلك ان على الحكومة الجديدة بعد هذه الانتخابات، مهمات تأسيسية بكل معنى الكلمة.
لحود ملزم بتوقيع مرسوم التأليف
كيف سيتصرف لحود حيال تشكيل الحكومة على الأساس المشار اليه آنفاً؟
إذا كان من الطبيعي ـ والحتمي ـ أن يصدر لحود مرسوم تكليف من تسمّيه الأكثرية النيابية في الاستشارات الملزمة، فإن التسريبات تحدثت عن نيّة لحود "ممارسة صلاحياته في تشكيل الحكومة"، الأمر الذي يشي بنية "الكيد".
فهذه التسريبات "تتوعد" بأن لحود لن يوقع مرسوم تشكيل الحكومة ما لم يكن راضياً عنها، فهل هذا الأمر من صلاحياته الدستورية فعلاً؟
فاذا كان الدستور يُعطيه صلاحية إصدار مرسوم تشكيل الحكومة، فإن رئيس الجمهورية لا يستطيع تبعاً لهذه الصلاحية أن يعطّل الحياة الدستورية في البلاد، وأن يعطّل اللعبة البرلمانية، لان حكومة يحظى تشكيلها بمرسوم قابلة ـ مبدئياً ـ للإسقاط في المجلس النيابي، أي ان مصير الحكومة في النظام اللبناني مرتبط بموقف المجلس النيابي منها وليس بالمرسوم الذي يمثّل صلاحية دستورية للرئيس تقف عند حدود سائر البنود الاخرى في الدستور.
إذاً، من واجب رئيس الجمهورية إصدار المرسوم بالمعنى المحدد آنفاً، لكنه قد لا يفعل لأسباب سياسية أهمها: انه درج منذ بداية رئاسته على طلب حصة في الحكومة وعلى طلب تولية مقرّبين منه مهام وزارية مفتاحية، وانه فضلاً عن تطلبه المحاصصة يريد هذه المرة بالذات تعطيل برنامج الحكومة. وكلامه عن الصلاحيات ليس في مكانه، ذلك ان الدستور يمنحه صلاحيات عديدة في مجال الاعتراض على قرارات الحكومة، ويستطيع أي رئيس للجمهورية أن يمارسها.
الأزمة
من هنا، وفيما لا يُستبعد ان يلجأ لحود تحت عنوان "ممارسة الصلاحيات" الى تعطيل تشكيل الحكومة، وأن يُقرن ذلك بالاستناد الى النظام الأمني بمناخ من التوتير، فانه يكون بذلك في صدد المجازفة بأزمة حكم مقرونة بفوضى داخلية. وعلى الغالبية الجديدة أن تضع في حسابها هذا الاحتمال، أي أن لا يمكّنها لحود بالرغم من قرارها التوجه الى تسلّم الحكم من الوصول اليه من ناحية، وأن تضع في حسابها احتمالاً آخر هو محاولة لحود إعاقة ممارستها للحكم إن هو اضطر الى التسليم بوصولها اليه من ناحية اخرى.
ولذلك، فإن قرار الغالبية النيابية الجديدة التوجه الى تسلم الحكم صحيح، لكن الأزمة تبقى مفتوحة. وأهم ما يجب أن تستند الغالبية اليه هو وحدتها وعلاقتها بقوى تمثيلية اخرى، مع التذكير بأن مطلب استقالة إميل لحود يجب أن لا يغيب، أو أن يبدو ان ثمة تنازلاً عنه، فالتوازن السياسي لا بد أن يكون محمياً بتحرك شعبي ايضاً. وعلى هذا الأساس، فإن المحطة الفورية للصراع تتعلق بالحكومة الجديدة، في حين لم تكتسب رئاسة المجلس النيابي طابعاً صراعياً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.