8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

كي لا تقع المفارقة الآتية: معارضة منتصرة ولا تتسلّم الحكم

مع اقتراب موعد الاستحقاق الحكومي، بدأت الأوساط السياسيّة المعنيّة مباشرة بأمر تشكيل الحكومة الجديدة مناقشة هذا الموضوع من زوايا مختلفة، وتبيّن بحصيلة هذه المناقشة الأوليّة انّ الرؤية الى المسألة ليست مبسطة ولا هي موحّدة، وظهر انّ ثمة رأيين إجماليين متعارضين.
يستند أصحاب الرأي الأوّل إلى انّ الانتخابات النيابيّة التي كانت بالنسبة الى الجميع محطّة حاسمة نحو إعادة تشكيل السلطة في مرحلة ما بعد الانسحاب السوريّ من لبنان، أعطت المعارضة غالبيّة نيابيّة تتيح لها التقدّم باتجاه استلام الحكم، وانّ المعارضة (الحاليّة) لا تستطيع تالياً التهرب من هذا الاستحقاق، لا سيّما انّها خاضت الانتخابات بهدف تكوين غالبيّة نيابيّة لتتمكن من إنهاء المرحلة الانتقاليّة أولاً وتنفيذ برنامجها السياسي والاقتصاديّ ثانياً. وبالنسبة إلى أصحاب هذا الرأي الأول، لن يكون مفهوماً استنكاف المعارضة المنتصرة انتخابيّاً عن تشكيل الحكومة الجديدة، حكومة ما بعد الانتخابات، وانّ رئيس الحكومة الجديدة يجب أن يكون مَن أنتجته الانتخابات زعيماً مسلماً من ناحية ومَن جعلته نتائج الانتخابات ركناً أساسياً في الغالبيّة النيابيّة من ناحية ثانية أي النائب سعد رفيق الحريري نفسه.
التعقيدات والاشكاليّات
أمّا أصحاب الرأي الآخر، فانّهم ومع اقرارهم بأنّ الرأي السابق "منطقي"، يرون في المقابل انّه مبسط لأنّه لا يأخذ في الاعتبار التعقيدات والاشكاليات التي تواجه تشكيل المعارضة للحكومة الجديدة، ويسجلون في هذا الإطار العناوين الرئيسيّة الآتية:
أوّلاً ـ على افتراض انّ الغالبيّة النيابيّة قررت تسمية سعد الحريري رئيساً للوزراء في الاستشارات النيابية الملزمة، وتمّ تكليفه تشكيل الحكومة، فليس ما يضمن أن يوافق رئيس الجمهوريّة إميل لحود على التشكيلة التي سيقترحها عليه الرئيس المكلف وأن يوقّعها، وعندئذٍ يكون تشكيل الحكومة عنواناً لأزمة مفتوحة، على اعتبار انّ النظام الأمنيّ الذي يقف لحود على رأسه لا يزال يعاند في تسلّم المعارضة الحاليّة مقاليد الحكم.
ثانياً ـ وعلى افتراض انّ لحود وافق ـ لأسباب ما قد تكون تكتيكية ـ على التشكيلة الحكوميّة المقترحة عليه من قبل الرئيس المكلف ووقّعها، فهي حتماً ستنال ثقة المجلس النيابي، لكن ليس ما يضمن ان يمكنّها لحود والنظام الأمنيّ من الحكم فعلياً، فتتكرر بشكل أو بآخر تجربة الرئيس الشهيد رفيق الحريري مع لحود بين 2000 و 2004 ولا يغيب عن البال في هذا المجال انّ إحدى وسائل لحود لتعطيل قدرة الحكومة على الحكم، هي التمسك بالوضع الأمنيّ ومنع خطّة الحكومة الجديدة لـ "تنظيف" الوضع الأمنيّ واخضاعه للسلطة السياسيّة.
ثالثاً ـ واذا كان صحيحاً ما تقوله المعارضة من انّ ثمّة خطّة لدى النظام الأمنيّ لابقاء الوضع العام على حالة من الفوضى وعدم الاستقرار بما في ذلك استمرار مسلسل التفجيرات والاغتيالات، وما تقوله المعارضة هنا صحيح فعلاً، فانّ معنى ذلك برأي الأوساط المتابعة والمعنية هو وضعُ الحكومة الجديدة في إطار من الابتزاز والعجز.
جنبلاط و "حزب الله" والحريري
رابعاً ـ لذلك، لم يتردد الزعيم المعارض وليد جنبلاط في التعبير عن تحفظّه عن تسلم سعد الحريري رئاسة الحكومة، في احدى صيغتين: فهو نصح الحريري مرة بعدم الترشح الى هذا الموقع طالما انّ لحود لا يزال في بعبدا، وفي مرة أخرى اعتبر ذلك مرهوناً بالقدرة على الامساك بالامن وإخضاعه لسلطة الحكومة. وفي السياق نفسه، ذكرت مصادر مطلعة انّ "حزب الله" نصح سعد الحريري أيضاً بعدم تشكيل الحكومة الجديدة طالما انّ لحود في رئاسة الجمهوريّة وطالما انّ لحود باقٍ في الرئاسة حتى خريف العام 2007 كما يقدّر الحزب.
إذاً، ثمّة حلقة مفرغة، بين الرأي "المنطقيّ" القائل انّ على الغالبيّة الجديدة أن تتسلّم الحكم لأن هذا هدفها الأصليّ وخاضت الانتخابات في سبيله، والرأي الآخر الذي يطرح التعقيدات التي تواجه استلام الغالبيّة الجديدة للحكم فعلياً.
الموقف الدولي.. والتغيير اللبناني والضمانات
ويزيد من التعقيدات التي يطرحها أصحاب الرأي الثاني الذي ينصح سعد الحريري بعدم التقدّم لتشكيل الحكومة الجديدة، الأمر الذي ينطبق بنسبة أو بأخرى على أيّة شخصيّة تنتمي إلى الحريري وتيّاره، انّ ثمّة اسئلة رئيسية لا تزال من دون أجوبة واضحة:
1 ـ ما هو الموقف الدوليّ حيال لبنان بعد نتائج الانتخابات، وهل ما ينقل عنه (الموقف الدوليّ) لجهة التغيير في رئاسة مجلس النّواب كمقدمة للتغيير في رئاسة الجمهوريّة نهائيّ؟
2 ـ هل يقدّر الموقف الدوليّ "عواقب" تغيير الرئيس نبيه بري، في وقت من المعروف انّ رئاسة المجلس كانت تاريخياّ معقودة لـ "الزعامة الشيعيّة"، وانّ المرة الوحيدة التي آلت فيها رئاسة المجلس الى شخصية من خارج دائرة "الزعامة"، كانت عندما انتخب الرئيس حسين الحسيني خريف العام 1984 واستمرّ حتّى خريف العام 1992، وفي مرحلة الخطة السوريّة آنذاك لتفكيك الزعامة الشيعيّة التقليديّة وإنهائها والتأسيس لبدائل منها؟ أم انّ ثمة تسوية ما في هذا الموضوع وما هي؟
3 ـ أم ترى، انّ الموقف الدوليّ يطرح تغيير الرئيس بري من أجل عدم حصول التغيير في الرئاستين الأولى والثانية معاً؟ ولماذا؟
4 ـ وهل لا يزال الموقف الدولي، الأميركيّ خصوصاً، على استعداد لمساعدة لبنان على تحقيق انتقال سلس وآمن الى المرحلة الجديدة، أم انّه انتقل الى اولويّة تنفيذ باقي بنود القرار 1559 في ما يتصل بالمقاومة وسلاحها، وبات أكثر اهتماماً بهذا الأمر؟ وهل يعطي المجتمع الدوليّ للحكومة الجديدة ضمانات بشأن وقف مسلسل الاغتيالات في لبنان؟
5 ـ ما هي طبيعة العلاقات الأميركية ـ الفرنسيّة في هذه المرحلة؟ أين الاتفاق بين واشنطن وباريس وأين الافتراق؟
عون وصفير ولحوّد
6 ـ واذا كان ثمة جانب سوريّ في العماد ميشال عون تجلّى منذ ما قبل عودته الى لبنان وانعكس في الانتخابات، فهل ثمة جانب اميركي منه وما هي نسبته؟ وهل هو نقطة تقاطع اميركيّ ـ سوريّ؟ لماذا وكيف؟
7 ـ ومحلياً، ما هو موقف البطريرك المارونيّ نصر الله بطرس صفير بالنسبة الى المرحلة المقبلة؟ هل اتخذ قراره "النهائي" حيال التمثيل المسيحي "الجديد"؟ هل هو مستعدّ لتغطية مسيحيي الشراكة الوطنية؟ هل هو على استعداد لتغطية حكومة شراكة تضم ممثلي التيارات المسيحيّة المفترقة عن التيار العوني؟
8 ـ هل ثمة ضمانات بأن يقبل لحود بترك الحكومة تحكم لـ "يقطّع" السنتين المتبقيتين من ولايته الممددة؟
صفقة إقليمية ـ دوليّة؟
أسئلة كثيرة إذاً، تحتاج الأجوبة عنها الى مزيد من الجلاء، كي تستطيع المعارضة اتخاذ قرارها سواء بالنسبة الى رئاسة المجلس النيابيّ أو بالنسبة الى الحكومة الجديدة ورئاستها، علماً ان الأوساط السياسيّة المتابعة والمعنيّة تلفت الى انّ "مصير" رئاسة المجلس سيؤشر الى مصير المسألة الحكومية. فهل ثمة صفقة اقليمية ـ دولية ما ستظلل المرحلة السياسيّة اللبنانيّة شبيهة الى حدّ ما بالصفقة التي ظللت ترؤس نجيب ميقاتي للحكومة الانتقالية أم لا؟
المعارضة ومرحلة جديدة من الصراع.. وضرورة "الاقتحام"
على أيّ حال، وفي خضم النقاش الجاري، برز رأي ثالث يشدد على الآتي:
أ ـ في جميع الأحوال، على المعارضة المتمتعة بغالبيّة نيابيّة أن تحاذر في أدائها وموقفها السياسيّ الوقوع في فخّ تمديد المرحلة الانتقاليّة بكلّ عناوينها.
ب ـ وفي جميع الأحوال، على المعارضة الا تفرط بغالبيتها النيابيّة والا تترجم انتصارها الانتخابي مخاوف وهواجس لا نهاية لها، وعليها ان تخوض "الاختبارات".
ج ـ وفي جميع الأحوال، على المعارضة المتمتعة بغالبيّة نيابيّة ان تتعاطى مع حتمية استلامها الحكم بوصفها مسألة صراعيّة، وأن تواصل الصراع السياسيّ في وقت هي تعترف بأنّ الصراع مستمر، والا تمارس أيّ صيغة انسحابيّة من هذا الصراع.
د ـ وفي جميع الأحوال، على المعارضة أن تتقدم باتجاه الحكم لتنفيذ برنامجها وأولوياتها، وأن تمارس الحكم صراعياً ولا تترك الشارع لآخرين، وأن تحمّل المعرقلين المسؤوليّة وتكشفهم أكثر فأكثر في مجرى الصراع.
هـ ـ ولذلك، وحدها حكومة وحدة وطنيّة تضمّ ممثلين عن الغالبيّة المعارضة وأطراف التمثيل السياسيّ غير المعارض، تستطيع أن تقتحم الصراع، لأنّ المعارضة وشركاءها يجب الا يتحملوا مسؤوليّة الدفع باتجاه أزمة حكم مفتوحة على أخطر الاحتمالات، من دون اغفال الصعوبات بطبيعة الحال.
باختصار "يجب" عدم السماح بمفارقة وجود اكثريّة لا تستلم الحكم، مع الاعتراف بأنّ المرحلة المقبلة حبلى بالتعقيدات كما تختم الأوساط المعنيّة المتابعة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00