مِن بين كل القادة الشيوعيين التاريخيين، كانَ جورج حاوي "فريداً".
تمّيز بديناميته، بـ"شقاوته"، بدفق الأفكار لديه. كان يصيب ويخطئ لكنه لم يبرَح يوماً حماسه الذي لازمه حتى اليوم الأخير.
لم يكن "أبو أنيس" يهدأ، يغيبُ بسرعة ليعود بسرعة، ودائماً عنده جديد يطرحه ويدافع عنه ويتحمّس له ويدخل "في الحيط" اذا اقتضى الأمر من أجله. "فلسفتُه" في الحركة السياسية انّ "لعبة الكرة" في الملعب تنتهي عندما لا يعود ثمّة كرة أو ثمّة لاعبون.. ولذلك يجب أن تستمر "اللعبة". و"فلسفته" انّ الشيوعيين يجب أن يكونوا حاضرين في الملعب دائماً وان عليهم أن يتدبّروا أمر اشتراكهم في "اللعبة".
في فلسفته هذه، أعطى الشيوعيين أحياناً كثيرة حجماً أكبر من حجمهم، لكنه في أحيان أخرى أدخلهم في اشكاليات كان هو في طليعة من دفع ثمنها.
قادَ تحوّلات كبيرة في الحزب الشيوعي مع رفاق تاريخيين آخرين له، وحصد وحده الاخفاقات.. أو حصدها أكثر من غيره... وبقيَ متفائلاً.
"انقضّ" على ملفات عديدة، وكانت له "مبادرات" كثيرة للحوار والمصالحة، كانت تبدو في بعض اللحظات خارج زمانها، لكنها من زاوية فلسفته كانت محاولات لـ"توسيع" المكان أمام الشيوعيين واليساريين والعلمانيين ضمن المشهد الطائفي العام في البلاد.. لأنه كان مؤمناً بأن لليسار مكاناً ودوراً وأنّ له لوناً مميزاً. لم يكن يقيس الدور بـ"الهامش" المتاح بل بـ"الهامش" الذي يجب أن يكون.
مأساة "أبو أنيس" انه شخصية كبيرة وتاريخية استمرّ "يلحقُ" بالأمل في زمن عزّ وجود الرجال الكبار، وانّه باحث دائم عن "الموقع الديموقراطي" في زمن استنساخ أشباه الرجال. شخصية كبيرة رافقت ياسر عرفات وكمال جنبلاط لم "تبلع" أن يؤول الأمر الى جهاز هنا وآخر هناك، فاستمر في "المحاولة".
جورج حاوي فضلاً عن كل صفاته السياسية انسان ذو قلب كبير.. متواضع ومُحبّ، سريع البديهة، لطيف الحديث حتى وهو ينتقد الآخر.. وصاحب "نكتة".
جورج حاوي وقد كان أحد أبرز قادة الحركة الوطنية اللبنانية، كان قائداً شغوفاً بالقرار الوطني الحرّ وبالاستقلال الوطني، وعلّمته تجربتُه حبّ الديموقراطية واحترام الآخر، وهو الذي حاولَ أن يكون اصلاحياً في "مكانه" فرفضته قوانين "الانضباط" الشديد.
جورج حاوي، عندما خرجَ من "الصومعة" سلك دروب المصالحات وسعى الى أن يعطي من أفكاره للآخرين، صار بيته كل الديموقراطيين والاستقلاليين... صار مترفّعاً وغدا جسراً للتواصل الوطني.. ولم يهادِن فكانَ رمزاً كبيراً للرابع عشر من آذار كما كان رمزاً وطنياً دائماً.. وقبلَ استشهاده بأقلّ من ثمان وأربعين ساعة أهدى تحياته الى الياس عطا الله اليساري الاستقلالي كما وصفه.
جورج حاوي شهيداً؟
نعم، كان ينتظر شهادته في الستينات والسبعينات في معارك النضال الوطني، ومعارك الفقراء. وانتظر شهادته زمن الحرب الأهلية.. وانتظر شهادتَه في اطار نضال جبهة المقاومة الوطنية ضدّ الاحتلال الاسرائيلي التي قادها ورفيقه محسن ابراهيم الذي شكل معه الثنائي الأقرب الى كمال جنبلاط. ربّما لم ينتظر شهادتَه أمس؟ لعلّه كذلك، لكن القتلَة لا يقتلون الا مَن مثل جورج حاوي المناضل الدائم.
وداعاً "أبو أنيس".. خالدٌ أنت.. وسيفتقدك كل من عرفك قائداً، دينامياً، حالماً، شقياً.. فقد كنت ظاهرة في حدّ ذاتها والظواهر مثلك لا تكرّر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.