ماذا يعني "سياسياً" اغتيال الأمين العام السابق للحزب الشيوعي الشهيد جورج حاوي؟
ثمة جواب بسيط ومبسّط هو أن النظام الأمني اللبناني ـ السوري الذي آل على نفسه اغتيال المعارضين من رموز 14 آذار زعماء وقادة ومفكّرين وإعلاميين، يذكّر عبر الجرائم الإرهابية المتتالية بأنه لا يزال موجوداً، وبأن على "الجميع" التسليم بوجوده والتعامل معه بوصفه "حقيقة" غير قابلة للتغيير.
الجواب المبسّط
وهذا الجواب البسيط والمبسّط لكن "الحقيقي"، يعني أن اغتيال جورج حاوي "الآن" كان يمكن أن يكون "أمس" كما كان يمكن أن يكون غداً أو بعدَ غد، طالما أن حاوي هو واحدٌ من "صنّاع" الرأي في لبنان، وطالما أنه واحدٌ من "الجسور" بين فرقاء عدة، حتى لو كانَ الشهيد مشتهراً بـ"غزارة" اقتراحاته "التوفيقية"، فـ"التوفيقيون" هم أيضاً أهداف لآلة القتل لأنهم يغدون أهدافاً "سهلة" لنظام لا حلول وسطى معه، فكيف إذا كان هذا "التوفيقي" جريئاً في النقد وفي تسمية الأشياء بأسمائها.. وصاحب تجربة تاريخية مع "الأزمات" اللبنانية، وصاحب رؤية تسوويّة للعديد منها؟
بيدَ أن هذا الجواب المبسّط، لا يقدّم شرحاً لكل وجوه "الصورة"، ويقتضي الأمر وضع جريمة اغتيال حاوي في السياق السياسي الراهن.
تحدّي انتصار المعارضة
أولاً ـ ليس صدفةً أن تحصل الجريمة الإرهابية بعدَ أقلّ من ثمانٍ وأربعين ساعة على انتهاء الانتخابات النيابية التي أعطت نتائجها أكثرية نيابية للمعارضة، وليس تفصيلاً أن تحصَل الجريمة بعدَ المرحلة الانتخابية الأخيرة في محافظة الشمال، حيث شهدت هذه المرحلة محاولة النظام الأمني الانقلاب على مناخ التغيير للإتيان بمجلس نيابي ذي توازن لا يطلق يدَ المعارضة في عملية إعادة تشكيل السلطة.
وبهذا المعنى، فإن الجريمة التي طاولت الشهيد حاوي وكان يمكن أن تطاولَ غيره من "الفئة" المعارضة، هي محاولة مِن هذا النظام المخابراتي لتحدّي الإرادة الشعبية ولمخاطبة المعارضة بالقول "حتى لو انتصرتِ فإن انتصارك غير قابل للصرف"، وهي محاولة للقول إن المعارضة التي تستطيعُ تحصيل الأكثرية الكافية للوصول الى الحكم لن تمكّن من الحكم مع ذلك.
محاولة إجهاض تسلّم المعارضة الحكم
ثانياً ـ وتأتي جريمة الاغتيال على أبواب مجموعة من الاستحقاقات الدستورية خلال الشهر المقبل، وأهمّ هذه الاستحقاقات المباشرة الحكومة الجديدة.
ومن المنطقي أن تشكّل المعارضة الفائزة بأكثرية مقاعد المجلس النيابي الجديد الحكومة الجديدة، بمشاركة تحالفاتٍ تمّت في مرحلة الانتخابات، لا سيما حركة "أمل" و"حزب الله". ومن المنطقي أيضاً أن تكون الحكومة المقبلة حكومة اتحاد وطني تتفق أطرافها على مجموعة من المهمّات، وعلى رأس أولويّات هذه الحكومة تطهير الأجهزة الأمنية وتنظيفها كي تكون خاضعةً للسلطة السياسية، وكي تستطيع هذه الأجهزة بعد ذلك مطاردة الشبكات الاستخباراتية.
إن الجريمة إذاً بغضّ النظر عن الهدف الذي اصطادته أي الشهيد جورج حاوي، هي رسالةٌ الى المعارضة على أبواب تشكيل الحكومة بأن نتائج الانتخابات التي أعطتها أكثرية نيابية لا تعطيها أفضلية لتشكيل هذه الحكومة، وفي حدّ أدنى أن على المعارضة إذا رغبت في تشكل الحكومة أن "تتعايش" مع النظام الأمني ومع رئيسه إميل لحود، على الأقلّ لسنتين ونصف السنة حتى انتهاء الولاية المحدّدة للحود.
نموذج العام 2000
ثالثاً ـ وإذا كان ما تقدّم فعلياً، أي إذا كان النظام المخابراتي الذي يسعى الى إطالة أمد وجوده، يتحدّى الإرادة الشعبية التي عكستها نتائج الانتخابات، ويحاول إجهاض تسلّم المعارضة للحكم أو دفعها، على الرغم من نتائج الانتخابات، الى حائط مسدود، يكون النظام الأمني ـ المخابراتي في صدد التهيئة لـ"أزمة حكم" خطيرة تصاحبها فوضى سياسية خطيرة أيضاً، يأمل من خلالها أن ينقضّ على نتائج الانتخابات وأن يقوم بـ"انقلاب" آخر.
وللتذكير في هذا المجال، فإن النظام الأمني يبني على ما يعتبره نجاحاً متحققاً بين العام 2000 والعام 2004، إذ انقلب ـ برعاية سورية ـ على نتائج انتخابات العام 2000 التي أعطت فوزاً كبيراً للرئيس الشهيد رفيق الحريري، فجعل من الرئيس أسيراً في قبضة النظام الأمني الذي استفحلَ "عدوانه" بعد آب 2001. ولذا فإنه يحاول في ظروف مختلفة تكرار الانقلاب بالفوضى وبأزمة الحكم.
عون ودوره في الفوضى
رابعاً ـ ولا يغيبُ عن "الصورة"، الدور السياسي للعماد ميشال عون، وهو دورٌ صبّ في خدمة النظام الأمني. فالجنرال في ضربه وحدة المعارضة، أعطى براءة ذمّة لهذا النظام غطّاها بمقولة إن سوريا لم تعد في لبنان وبمقولة إن الأجهزة الأمنية باتت في عهدة المعارضة الممثّلة في وزارة الداخلية كما يقول. والأخطر هو أن الجنرال الذي انتقم من المعارضين في دائرتي المتن الشمالي وكسروان ـ جبيل أعلن اختزال التمثيل المسيحي وروّج لذلك، كما روّج له رموز الحقبة السورية. وأكثر من ذلك، فإنه باسم مواجهة تجييش طائفي ـ مزعوم ـ أعلن من موقع ادّعاء أحادية التمثيل المسيحي عدم الاعتراف بزعامات البلاد من الطوائف الإسلامية، لا بل ذهب في منحى خطير جداً عندما فتح ملفّي "التكليف الشرعي" عند الشيعة و"الفتوى" عند السنّة.
ومما لا شك فيه أن عون الذي يفتح طرحُه على "الفوضى"، يشكّل متراساً للنظام الأمني من زاويتين: تمكين النظام المخابراتي مِن حجز التمثيل المسيحي في الحكومة أولاً، وتمكينه مِن استخدام سلاح الفوضى السياسية ثانياً.
المعارضة وموقف بكركي
في ضوء هذه المعطيات، لا شك أن المعارضة معنيّة بالعناوين الآتية:
1 ـ موقف بكركي: لقد استوقَف اللبنانيين إسراعُ البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير في عظته الأحد الماضي ليس الى "تفسير" دلالات انتخابات المتن وكسروان ـ جبيل، بل الى مباركة زعامة ميشال عون، وتطويبه زعيماً للموارنة.
إن في موقف سيّد بكركي ـ أي بنتيجته ـ مجموعةً من "الالتباسات" و"الإشكاليّات". ذلك أن البطريرك بتطويبه عون زعيماً للمعارضة إنما يزكّي سياسته وتوجّهاته، ويرفع الغطاء عن مسيحيّي الوحدة الوطنية وموارنة الشراكة الوطنية الذين لا يقلّون تمثيلاً ومنهم تيّار "القوّات اللبنانية" والشخصيات السياسية التي من بينها مقرّبون جداً منه، وهذا ما "يمكن" أن يؤدّي الى استغلال هذا الموقف، واعتبار النظام الأمني أن أي تمثيل مسيحي في الحكومة غير جدّي طالما أنه ليس تمثيلاً عونياً في الوقت الذي يرفض عون المشاركة في الحكومة، ما يعني أنه يمكن أن يؤدي الى التشجيع على أزمة الحكم.. والفوضى السياسية ـ الأهلية، فضلاً عن أنه يصيب مسيحيّي العيش المشترك إصابة مباشرة.
لذلك فإن المهمة الأولى هي تفكيك قدرة النظام المخابراتي على استخدام موقف بكركي، وذلك بالحوار سريعاً مع البطريرك.
الضمانات الدولية للاستقرار اللبناني
2 ـ الموقف الدولي: إن المعارضة معنيّةٌ بـ"استطلاع" الموقف الدولي لجهة مدى الحرص على انتقال السلطة في لبنان، وعلى انتقالها في مناخ من الاستقرار السياسي ـ الأهلي. ذلك أن ثمّة في الوسط السياسي اللبناني مَن يطرح تساؤلات كثيرة عن وجهة التعاطي الأميركي مع لبنان، وسطَ ما هو "ظاهر" مِن أداء "حياديّ" حيال عون، وفي ظلّ "عودة" واشنطن الى تغليب القرار 1559 على أولويّة استقلال لبنان وسيادته في إطار من الاستقرار. كما أن المعارضة معنيّة بـ"استطلاع" الضمانات الدولية لعملية انتقال السلطة ما يقتضي وضع حدّ دولي لمسلسل الإرهاب والاغتيالات.
3 ـ والمعارضة معنية بمكاشفة بعضها بعضاً، وباستكشاف التسويات مع الآخرين ("حزب الله" و"أمل")، لتتخذ موقفاً محدّداً من الموضوع الحكومي من ضمن معادلة "صعبة": فمن جهة لا يمكن لمعارضة منتصرة في الانتخابات أن تقبل بتمديد المرحلة الانتقالية ومن جهة ثانية لا يمكن القبول بـ"الازدواجيّة" بين حكومة يفترض أن تحكم ونظام أمنيّ مستمرّ برئيسه ومن جهة أخيرة لا يمكن تسهيل انقلاب النظام المخابراتي على الانتصار.
نقطة ضوء: التحقيق الدولي
ثمّة ورشة حقيقية أمام المعارضة في الأيام القليلة المقبلة. وثمّة وسط "الصورة" نقطةٌ مضيئة تتّصل بعمل لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وتتعلّق باستدعاء اللجنة رئيس لواء الحرس الجمهوري مصطفى حمدان الى التحقيق، ومداهمة القوى الأمنية لمنزله ومنزل شقيقه أمس. فتسريع مثل هذه الخطوات من شأنِه أن يعيد وضع النظام الأمني أمام الأفق المسدود وأن يقرّب الانتهاء من هرميّته. وهذه النقطة تضافُ الى ثانية مضيئة أيضاً تتعلّق بتكاتف فرقاء 14 آذار.
إن جريمة اغتيال الشهيد جورج حاوي أمس تقع إذاً على تقاطع مجموعة من المعطيات. وإذا كان يمكن القول إن النظام الأمني "ينازع" ويؤذي في لحظة "النزع"، فإن مصيره رهنٌ بتضافر عوامل محلية ودولية متكاملة، كي لا تطولَ عذابات اللبنانيين.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.