8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

معركة إسلاميّة ـ مسيحيّة موحّدة في الشَمال "ضد" الحقبة السوريّة

في قراءة "جوهرية" لمجريات المعركة الانتخابيّة في الشمال خلال الأيّام الأخيرة، يتبيّن انّ الانتصار العونيّ في دائرتي المتن الشمالي وكسروان جبيل في جبل لبنان، أعطى مفعولاً عكسياً لما أريد له من قبل تحالف العماد ميشال عون ورموز حقبة الوصاية السوريّة، إذ بدا واضحاً انّ هذا الانتصار المرتكز إلى التحالف المشار إليه شكّل استفزازاً لمسلمي الشمال ومسيحييه على السواء.
أولاً ـ تصرف عون وحلفاؤه في الشمال وخارجه بنوع من الاستعلاء وبطريقة لا تخفي هدف هذا التحالف إجهاض الإنجاز الذي حقّقته المعارضة خلال الشهور المنصرمة والمتمثّل باستعادة السيادة من سوريّا، وهو انجاز تحقق في ظروف ملائمة محلياً (الشراكة الإسلاميّة ـ المسيحيّة) وخارجياً (الدعم الدولي للمسألة اللبنانيّة).
ثانياً ـ ولم يتأخر عون في الكشف عن وجهه السياسيّ الحقيقيّ، فسارع إلى زيارة طرابلس غداة نتائج انتخابات الجبل ونصّب نفسه المدافع الأول عن سوريّا فكان أوّل من ينبري للردّ على ما تعلنه المعارضة عن وجود تدخّل استخباريّ سوريّ في الشمال، وأوّل من ينفي وجود هذا التدخل القائم فعلاً، معتبراً انّ المرحلة السوريّة في لبنان انتهت إلى الأبد وانّ النظام الأمنيّ التابع لها انتهى أيضاً، منزّهاً حليفه سليمان فرنجية عن كونه رجل زمن الوصاية، ساعياً إلى تنصيب نفسه ليس فقط المعارض الوحيد بل المرجعيّة اللبنانيّة التي تمون هنا وهناك.
ثالثاً ـ وفات عون أن "ينتبه" إلى حقيقة انّ أكثر المناطق "نقمة" على حلفاء سوريّا ورموزها، هي المناطق التي خضعت للوصاية السوريّة أكثر من غيرها وفترة أطول من غيرها، وانّ الشمال من هذه الزاوية متعطش إلى الحريّة تعطشه إلى الانماء الذي بقي محروماً منه بـ"قرار سياسي" ذي استهدافات سياسيّة من بينها إبقاء الشمال موسوماً بـ "الأصولية" و"الارهاب" كي يقال انّ ثمة من يمسك به ومستعدّ لمقايضته في لحظة معينة "مناسبة".
إسقاط حرمة شهادة الحريري
رابعاً ـ وسارع عون وحليفه فرنجية إلى اعلان انتهاء مفاعيل الجريمة الارهابية التي أودت بحياة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وذلك قبل ان تنهي لجنة التحقيق الدوليّة مهمتها، ولم يحترم عون حرمة شهادة الرئيس الحريري فهاجم تاريخه ونضاله، واستخف بعقول الناس، وكذلك فعل فرنجيّة حين أعلن "موت" الحريري "عن جد".
وإذا كان الجنرال، حاول التشاطر عبر استحضار "الرميم" في بيروت للايحاء بامكان "موازنة" مرجعيّة قريطم فانّ حليفه "الرميم" في طرابلس ارتكب خطأ قاتلا بالحديث عن "الغرباء" في معرض كلامه عن زيارة سعد رفيق الحريري إلى الشمال.
إسقاط الاعتدال المسيحي
خامساً ـ وإذا كان مسيحيّو المتن الشمالي وكسروان ـ جبيل لم يصحوا الا صبيحة اليوم التالي للانتخابات ليكتشفوا "المجزرة" التي ارتكبها الجنرال متحالفا مع رموز السلطة والفساد بحقّ قادة مسيحيين تميّزت بهم المرحلة السابقة كالنائب نسيب لحود والنائب فارس سعيد حين كان عون "يناضل" من الخارج، فإنّ مسيحيّي الشمال أدركوا بسرعة، خصوصاً بعد التوضيحات الاضافيّة التي أعطاها عون لـ "سياسته" والتي كشفت أنّها سياسة معدّة لايذاء مسيحيي الاعتدال، انّ عليهم حماية رموز الاعتدال في الشمال ومنع حرب الغائهم، فكان استنفار مسيحييّ لمصلحة هذه الرموز، سواء تيّار "القوات اللبنانية" الذي أعاد تأكيد انتمائه إلى الطائف، أو أصحاب البيوتات السياسيّة العريقة في هذه المنطقة.
استنفاران يكملان بعضهما
إذاً، أيّام قليلة كانت كافية لسقوط "مصداقية" عون المتحالف مع سوريا ورموزها، وكانت كافية لـ"اكتشاف" مزيد من الملامح للتحالف العونيّ ـ السوريّ ومراميه، فكانت النتائج الآتية:
1 ـ حصل استنفاران، إسلاميّ ومسيحيّي ليسا ضدّ بعضهما بل يكمّل أحدهما الآخر.
2 ـ وفي هذين الاستنفارين، تجلّى الحرص على المصالحة الوطنيّة والشراكة الوطنية، فالبيئة المسلِمة أكدت تمسكها عبر تيّارها الأبرز "تيار المستقبل" بلوائح الوحدة، وكذلك فعلت البيئة المسيحيّة حيث يجب تسجيل الجهد الذي بذلته "القوات" في مناطق وجودها، والاستفزاز الذي تعرضت له بسبب ذلك من "التيار العوني" وفرنجية و"القومي".
3 ـ والاهم من كلّ ما سبق انّ المسلمين والمسيحيين توحّدوا في معركة عُنوانها رفض عودة التدخل السوريّ من البوابة الشمالية، عبر تحالف عون ـ فرنجية ـ كرامي، فالمسلمون وجدوا في التآمر على دماء الرئيس الشهيد مؤامرة على 14 اذار، والمسيحيون وجدوا في التحالف المظلل بعناوين تبرئة للمرحلة السابقة محاولة لجعل المسيحيين متراساً لعودة سوريّة من "النافذة".

رفض الاستفزاز
من هنا، وبصرف النظر عن النتائج، فانّه يمكن القول انّ الوضع في الشمال الذي سبق الانتخابات، رفضَ الاستفزاز الذي مثّله تحالف عون مع رموز حقبة الوصاية السوريّة، ورفض محاولة عون تعويم هذه الرموز، بعد ان "اضطر" الجنرال لان يقول بوضوح وفي لحظة "حشرة": نعم لقد قسمت المعارضة مبكراً ولي الشرف في ذلك، عازياً الأمر إلى ما سماه "الخلاف على البرامج"، في حين انّ الموضوع واضح تماما ويتعلق بالموقع الذي انتقل اليه... نحو سوريّا وحلفائها. أليس غريباً مثلاً أن يبرئ عون فرنجيّة من موقعيته المركزيّة في تغطية نظام المافيا الأمنية والسياسيّة والمصلحيّة في حين يهاجم الرئيس الحريري الذي قتله نظام المافيا هذا؟ أليس عجيباً مثلاً أن يساوي عون سياسيين معارضين "مزمنين" مع أسماء "ملطّخة" بالتبعية لسوريا؟
"الوجه الحقيقي" لمشروع عون ـ فرنجية
الوضع العام في الشمال رفض اذا الاستفزاز الذي يمثله تحالف عون ـ فرنجية ـ كرامي، بعد ان اتضح المشروع الذي يحمله هذا الحلف:
أ ـ إلغاء التيّارات والقيادات والشخصيّات المسيحيّة المعتدلة المؤمنة بالعيش المشترك وميثاقه أو تهميشها إلى الحدّ الأقصى.
ب ـ محاربة مشروع الرئيس الشهيد رفيق الحريري المستمرّ بنجله النائب سعد الحريري، ومحاولة "إحياء" شخصيات عفا عليها الزمن في البيئة الاسلامية.
4 ـ منع التواصل الإسلامي ـ المسيحيّ وضرب المصالحة، ورفع عنوان بديل هو المصالحة مع رموز العهد السوريّ.
د ـ محاولة تمديد حياة النظام الأمني عبر استبقاء الرئيس اميل لحود في مكانه الا في حال توافر ظرف مناسب لمجيء عون نفسه إلى الرئاسة.
الانقلاب على الميثاق
هـ ـ تكرار محاولة لحود الانقلاب على الطائف، والتوجه الذي يتأكد يوما بعد يوم نحو نظام عسكريّ ـ أمني يقوده عون يضم رموز الحقبة الماضية. أليس مدعاة للتأمل ان توضع المعلومات الأمنيّة الرسميّة بتصرف الجنرال؟ أليس عجيباً تطابق المعطيات الأمنيّة بين عون وبعض الأجهزة حول جريمة اغتيال الكاتب سمير قصير، أليس غريبا انّ يشترك عون والنظام الأمني في الشائعات الأمنيّة حول هذه الجريمة وأن يتفقا على "رميها" في "السوق" بالتزامن لتضليل التحقيق؟ أليس لافتا انّ "غضنفر" المعارضة يرى في هذه الجريمة حادثاً أمنياً؟
و ـ وتأسيساً على كلّ ما تقدم، محاولة اجهاض انتقال لبنان بعد الانتخابات الى مرحلة التغيير السياسيّ في اطار الميثاق الوطني.
"صحوة" 14 آذار
لقد شكل الانتصار العونيّ في بعض جبل لبنان، مناسبة لـ "صحوة"، عززها انفضاح الدور الذي يؤديّه عون وتنكشف ابعاده على لسانه هو نفسه. وعلى أي حال، انّ أهم انجاز يضاف إلى سقوط القناع، ويضاف إلى تأكد الشطر الاعظم من اللبنانيين من انّ عون لا يعترف بشركاء الا من أيدوه ولو كانوا انتهازيين، ان اهم انجاز هو الانطلاقة المتجددة من الشمال لمعركة تحصين الاستقلال واستعادة النظام الديموقراطي، وهي معركة موحدة للمسلمين والمسيحيين تعيد تظهير 14 اذار، كما هو (الانجاز) اعادة اعتبار لرجالات 14 اذار وقواه الحيّة في مواجهة محاولات التسلّل إلى المرحلة المقبلة.
واليوم، اذ تنتهي الانتخابات، سيكون على المعارضة تقويم نتائجها ودروسها، وسيكون عليها استنتاج انّها ربّما تأخرت في فضح عون و"برنامجه"، وأمضت وقتا أطول من اللزوم في "استهجان" تحالفاته، وراعت اكثر ممّا يجب ظروفه، وتعاملت مع "خطيئته" بوصفها خطأ تكتيكياً، وحاولت "فهمه". بعض من ذلك كان "مفيدا" ربما، لكنه بالتأكيد لم يعد مفيدا، ويقتضي الأمر تطوير التحالف الوطني وتعزيز الشراكة الاسلاميّة ـ المسيحيّة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00