8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

هل بات الانتقال ممكناً الى التيّارات "الوطنيّة"؟

غداً عندما تنتهي الانتخابات بانتهاء مرحلتها الأخيرة في دائرتي الشمال ويكتمل عقد المجلس النيابي الجديد، ستبقى منها عناوين رئيسية للمرحلة المقبلة، وسيكون من الخطورة بمكان عدم الخوض في هذه العناوين ودلالاتها.
الجنوب الشيعي والجبل الماروني
أولاً ـ في المناطق ذات الصفاء الطائفي أو ذات الغلبة الطائفية الكاسحة، جرت الانتخابات في مناخ من الاستنفار الطائفي العالي، ولو باختلاف الأهداف والأبعاد.
فمنطقة الجنوب مثلاً، حيث وُضعت الانتخابات تحت عنوان الاستفتاء لمصلحة المقاومة، شهدت أقصى استنفار للطائفة الشيعية على أساس أن الطائفة مستهدفة بما هي خطّ الدفاع عن المقاومة من جهة، وبما هي موقع ضمن تركيبة النظام السياسي من جهة أخرى.
في المقابل، فإن دوائر مسيحية صافية كدائرتي المتن الشمالي وكسروان ـ جبيل، حصل فيها الاستنفار تحت عنوان آخر، من أجل إنتاج زعامة مسيحية ـ مارونية تُعيد الاعتبار، ولو على حساب قضايا أخرى بما في ذلك إلغاء آخرين لـ"فكرة" القيادة المسيحية "الإجماليّة".
طبعاً، ثمّة فارق بين منطقتي الجنوب الشيعي والجبل الماروني يتمثّل في نقطتين رئيسيّتين على الأقلّ: الأولى هي أنّ الاستنفار الشيعي باسم مواجهة استهداف الشيعة وباسم وحدة الطائفة لم يحمل تغييراً سياسياً مباشراً ولم يكن له ضحايا جدد غير ضحاياه المعروفين سابقاً، بينما أدّى الاستنفار الماروني الى زلزال أطاح بأقطاب سياسيين وبتيّارات سياسية معيّنة.. أما النقطة الثانية فهي أن الشيعية السياسية التي مارست الاستنفار ضمن طائفتها فتحت خطوطاً ما خارج الطائفة وفي مناطق التواجد المشترك مع طوائف أخرى، بينما الزعامة المارونية التي خرجت من صناديق الاقتراع، تعزُل المسيحيين عن الآخرين خارج الطائفة باسم رفض "تدخّل" الطوائف الأخرى.
بعبدا ـ عاليه والشمال
ثانياً ـ في مناطق الاختلاط كما في دائرة بعبدا ـ عاليه وفي دائرتي الشمال مثلاً، حصلت استنفارات أيضاً، وقد تمّت هذه الاستنفارات بـ"التجاور" داخل مكوّنات هذه المناطق لـ"حماية" التحالفات المتعددة ضمن لوائح معيّنة. ولكن هذه الاستنفارات التي لم تكن موجّهة بـ"الضدّ" من الآخر، أي لم يكن الاستنفار المسلم موجهاً ضدّ المسيحي والعكس بالعكس، أبرزت الآتي: إما أن "بلوكات" الطوائف يجب أن تصبّ بأقصى طاقتها لمصلحة لائحة معيّنة لتحسم المجموعات الطائفية المتحالفة الأكثرية لصالحها فيكون تصويتُ هذه الطائفة أو تلك مرجّحاً هنا أو هناك، وإمّا أن طائفة معيّنة تمثّل الأكثرية العدديّة النسبيّة في هذه المنطقة أو تلك، مطالبةٌ بأقصى الاستنفار لـ"حماية" حلفائها من الطوائف الأخرى.
الاعتدال المضغوط
ثالثاً ـ وحيال هذه الصورة "الواقعية" للانتخابات، بدا واضحاً أن حماية الاعتدال في لبنان مسألة معقّدة جداً. فالمسلم المعتدل أجبر على استنفار بيئته كي يحمي موقعه ضمن المعادلة اللبنانية وكي يحمي شريكه المسيحي، والمسيحي المعتدل لم يُحمَ إلاّ في مناطق الاختلاط. وإذا كان المسلمُ المعتدل لم يواجِه على الرغم من كل ذلك أزمة وجودية، فإن المسيحي المعتدل واجه أزمة وجودية في المقابل.
رابعاً ـ يمكنُ الاسترسال في سرد الكثير من النتائج التي أفرزتها الانتخابات ليس على المستوى الرقميّ ولا على صعيد تداعياتها السياسية المباشرة. بيدَ أن ما تقدّم لا يرسم صورة "مفاجئة" للوضع اللبناني بل هو يعيدُ الاعتبار لنقاش لا بدّ منه، بعدَ أن غطّى 14 آذار بالمعنى الذي أُعطِي له على "الصورة". ذلك أن الحديث في لبنان يصحّ عن "تجاور طوائف" في الإيجاب وعن "اصطفاف طوائف" في السلب. وقد يكون استنتاج أن مناطق الاختلاط أو دوائر الاختلاط هي الأفضل، في محلّه، لكنه في المقابل يبدو "قسرياً" ضمن المعطيات القائمة.
أسئلة كثيرة: هل يمكن فتح التيّارات على بيئات أخرى؟
خامساً ـ غير أن ما هو أهمّ من كل ذلك، هو طرح مجموعة من الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها:
1 ـ هل يمكن لسعد الحريري ووليد جنبلاط مثلاً أن يوسّعا آفاق تيّاريهما السياسيين بالانفتاح على بيئات أخرى؟ الجواب الذي أظهره مسار العملية الانتخابية كما أظهرته النتائج ـ بالجملة ـ هو لا، لأن كل توسّع مِن قبلهما يعتبر ـ بحسب الصورة الحالية ـ تدخلاً خارجياً في طوائف أخرى.
المعتدل المسيحي "يخاطر" بوجوده
2 ـ هل يمكن لتيار مسيحيّ أو شخصية مسيحية أن يبديا من دون "مجازفة" الاقتناع بأن العلاقة المتوازنة مع المسلم هي لمصلحة المسيحيين وبأن العلاقات اللبنانية ـ اللبنانية لا تتأسّس إلا على تفاهمات كبرى؟ والجواب ـ بحسب الصورة الحالية ـ هو لا، لأن التيّار المسيحي أو الشخصية المسيحية اللذين يتبنيّان هذه "العقيدة" إنما "يخاطران" بوجودهما السياسي في بيئتهما فيتمّ عزلهما أو شطبهما، كما أيّ تيّار أو شخصية شيعية، مأخوذاً في الاعتبار أن الطائفتين المارونية والشيعية هما الأكثر استنفاراً.
تجربة "القرنة"
3 ـ هل يمكن لتيّار "قرنة شهوان"، وهو الوافد الى الحياة السياسية بعد الطائف، أن يستمرّ؟ والجواب ـ بحسب الصورة الحالية ـ معقّد جداً. فمن جهة مثّل هذا التيّار خلال السنوات الأخيرة إطاراً غير حزبيّ ولو ضمّ في صفوفه تيّارات حزبية، ومن جهة ثانية، مثّل هذا التيّار الذراع السياسية للكنيسة، ومن جهة ثالثة مثّل عمليّة إخراج المسيحيين من الإحباط وأعاد إطلاق الحيوية السياسية للمسيحيين في "وجه" مسيحيّي سوريا ومسيحيّي السلطة، ومن جهة رابعة مثّل مشروع الانفتاح المسيحي على الشركاء المسلمين. لكنه، ولكلّ هذه الأسباب، سمّاه أصحاب التطرّف "لقاء مسيحيّي المسلمين" وجرى تدفيعه الثمن.. انتخابياً.
فهل يمكنه الاستمرار بعدَ أن "خاطرَ" به البطريرك الماروني بـ"مناسبة" قانون الانتخاب؟ وهل يمكنه الاستمرار ـ كلقاء ـ من دون الغطاء الكنسيّ الذي بات واضحاً أنه لن يعود موجوداً؟ وهل يمكن تجاهل حقيقة أن أعضاء في هذا "اللقاء" خانوا مبرّر وجوده ومبرّر وجودهم ضمنه، وأحد مبرّرات هذا الوجود هو أن "لقاء القرنة" كان فوق الحزبيّات فإذا ببعضهم يفرطُ "اللقاء" في لحظة انتخابية بدون حوار مع إخوانه حول المرحلة المقبلة ومن أجل مقعد نيابيّ لم يكن مضموناً دائماً؟
4 ـ في المقابل، هل انعدم مبرّر وجود لقاء "طائفي" في لحظة اشتداد العصبية الطائفية؟ وهل يعيد إنهاء "القرنة" الوضع الى ما كان عليه من تشكّل على أساس حزبيّ محض؟
جعجع: ماذا كان ليفعل؟
5 ـ وماذا كان قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع ليفعل لو كان حرّاً طليقاً؟ الجواب أعطاه جعجع بنفسه الأسبوع الماضي، إذ أكّد على التحالفات والمصالحات القائمة والجارية. لكن هل سيكون تأثير لنتائج الانتخابات بمعناها السياسي على نهج الدكتور جعجع؟ وكيف؟ وإذا كان العماد ميشال عون يعود من المنفى الى نقطة الصفر من حيث خرج، فهل يستطيع جعجع أن يكون أكثر إقناعاً من "قرنة شهوان" في مسألة الشراكة الوطنية؟ لماذا؟ هل لأنه يملك "شرعية مسيحية" لا تملكها "القرنة"؟
6 ـ وماذا عن الاعتدال الإسلامي؟ هل دلّت نتائج الانتخابات على قبول "كلّ" المسلمين بكلّ المسيحيين بمن فيهم الحلفاء في اللوائح المشتركة؟ وهل يمكن ضبط الاعتدال الإسلامي إذا كان الرديف المسيحي "مضروباً" والعكس بالعكس؟
ظواهر ظرفيّة أو بنيويّة عميقة؟
هذه الأسئلة وغيرها الكثير، تطرحُ اليوم على أساس أن ثمّة في الوضع الحالي في قسم منه عملَ استخبارات، لكن على أساس أن ثمّة ما هو "موضوعي" يجب أخذه في الاعتبار من أجل عدم الوقوع في التبسيط أو في التصعيد. كذلك، تطرحُ هذه الأسئلة كلّها في محاولة لتقديم سؤال كبير: هل ينبغي الانتقال بعدَ الانتخابات الى العمل على تشكيل تيّارات "وطنيّة"؟ هل هذا ممكن وكيف.. وأيّ مصير لعمل من خارج الطوائف؟ أم أن التسليم بـ"القدر الطائفي" هو النتيجة؟
في السياسة المباشرة، قيلَ الكثير عن هذه الانتخابات وأدوار السوريين والنظام الأمني وتحالفات ميشال عون. لكن النقاش لا بدّ أن ينتقل في موازاة السياسة المباشرة والنضال لتحصين الاستقلال، الى الجانب "البنيويّ" إذا جاز التعبير. ذلك أنه بينَ الظاهر الذي يفيد أنّ الاعتدال يحمى بالاختلاط من ناحية وبين الواقع الراهن الذي يعيد إنتاج ظواهر معيّنة من ناحية ثانية، ثمّة مسافة لتحكيم العقل.
ليس في ما جرى طرحُه ما يخيف، والأرجح أن المرحلة الانتخابية الأخيرة في الشمال غداً سوف "تحدّ" من هذه "الصورة"، لكن بالتأكيد ثمّة ما يُقلق، خصوصاً عندما لا يزال الداخل "مكشوفاً" على النحو الذي تدلّ المعلومات المتوافرة عليه. وما يطرح بحاجة الى ورشة سريعة بالتوازي مع الملفّات السياسيّة المباشرة. فإذا كان صحيحاً أنه لا يجوز اختزال الانتخابات بهذه القراءة، وإنه لا يجوز استبعاد "ظرفيّة" هذه المعطيات بالمطلق كونها تبرز بعد فترة وجيزة من انتهاء الوصاية السورية ونتيجة لغياب العمل على هذه القضايا والعناوين منذ الطائف.. فالصحيح أيضاً أن هذه المعطيات جميعاً تدلّ على مسائل ليست عابرة أو أن أمدَها قصير.. ولا بدّ من التصدّي لها بأسرع وقت ولغيرها من القضايا الكبيرة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00