لم يعُد الرئيس عمر كرامي يفاجئ أحداً بـ"نزقه" السياسي، ولم يعُد خافياً على أحد الفارق الجوهري بينه وبين شقيقه الرئيس الشهيد رشيد كرامي الذي كان يهدأ أكثر في الأزمات ويحسب خطواته متسلّحاً بـ"برودة الأعصاب" من ناحية وبقدرة عالية على قراءة التناقضات وبكونه رجلَ دولة بكلّ معنى الكلمة وبصفته "ابنَ بلد" يعرف نسيجه بالعمق، بينما شقيقه عمر يتّخذ مواقفه على "الصدمة".
بيدَ أن "الأفندي" كان في نزَقه أول من أمس خطيراً إذ وصف سعد الحريري نجل الرئيس الشهيد رفيق الحريري بأنه "غريب" في طرابلس، وتحدّث عن محاولة هذا "الغريب" فرضَ إرادته على الشماليين. والخطورة هي أن مصطلح "الغريب" الذي شاعَ في البلاد عشيّة الحرب الأهلية وأثناءها، وكان يستخدمُ من قِبل بعض الفرقاء السياسيين للإشارة الى الفلسطينيين تارة وإلى السوريين تارةً أخرى، إنما كانَ مصطلح حرب أهلية ولم يعُد اللبنانيون يسمعون به منذ أن انتهت الحرب، خصوصاً في حديثهم عن بعضهم.
لكن كرامي ـ وهو النزِق دائماً ـ قد لا يكون واعياً لخطورة المصطلح الذي استخدمه، تماماً لأنه استخدمَه للتحريض على سعد الحريري في محاولة لتأليب الرأي العام الطرابلسي ضدّه. ولذلك يقتضي بدايةً أن يتمّ توضيحُ عدد من الأمور الرئيسية:
"تيّار المستقبل" والنسيج الشمالي
أولاً ـ يرثُ سعد الحريري عن والده الرئيس الشهيد "تيّار المستقبل" الذي يمثّل تيّاراً نشأ في مواكبة المشروع الذي حمله الرئيس الحريري منذ ما بعدَ الطائف الذي كانَ الشهيد ركناً أساسياً في بنائه. وقد امتدّ هذا "التيّار" في حياة الرئيس الى المناطق اللبنانية كافة، وإن كانَ تركّزه الأساسي تمّ في البيئة السنّية.
ثانياً ـ وعندما يذهب سعد الحريري الى طرابلس أو عكّار أو صيدا أو إقليم الخرّوب أو غيرها، فإنه يذهب بوصفه قائداً لتيّار سياسي ذي امتدادات واسعة، ويذهبُ الى حيث ثمّة مناصرون لهذا التيّار في هذه المناطق. فـ"تيّار المستقبل" في الشمال مثلاً يضمّ قادة رأي شماليين ويضمّ أبناء عائلات شمالية وفاعليات شمالية وجماهير شمالية. فعندما يذهب سعد الى الشمال إذاً إنما يدخل الى هذه المنطقة من بوّابتها العريضة وليس "خارجياً" عليها. وإذا شاء "الأفندي" الاعتراض، فإنه إنّما يعترض على تشكّل حديث للواقع في هذه المنطقة أو غيرها، وهذا الأمر ليس مستغرباً ممّن لا يزال في "الماضي".
الزعامة.. والسُنّية.. واللبنانية
ثالثاً ـ والحقيقة أن سعد يرثُ عن والده الشهيد ما هو أكثر مِن "تيّار". إنه يرث زعامة على مستوى لبنان، وإن كان الرئيس الحريري مثّل عملياً الزعامة السنّية بعد الطائف، لا بل يعتبر المتابعون لـ"التاريخ" اللبناني أن سُنّية رفيق الحريري عَنَت لبنانيّته. وأكثر من ذلك، فإن الحريري "صار" لبنانياً عندما "وعى" سُنّيته، أو أن هذه السُنّية كانت الممرّ الى اللبنانية التي جعلته لا يرفضُ الطوائف الأخرى ويتعاطى معها بمعطياتها وخصوصياتها.
لم يختصر رفيق الحريري التمثيل السُنّي ولا سعى إليه، و"ضحايا" صعودِه إنما كانوا في واقع الأمر ضحايا للتعاطي السوري معه ومعهم. غير أن ما فاتَ الكثيرين هو التعامل مع "جديد" في البيئة السُنّية بعدَ الحرب، وهذا الجديد هو قيام "زعامة مركزية" للسُنّة جسّدها الحريري، وهي زعامة مركزية لم تكن قائمة قبل الحرب حيث كانت الزعامة بمثابة "فيديرالية زعماء مناطق". وهذا الأمر جزءٌ من قراءة بنيويّة موضوعية للوضع اللبناني بعد الطائف، وهي قراءةٌ يجب أن تشمل جميع أبعاد هذا الوضع.
"العقدة" السورية مع الحريري
رابعاً ـ ولأن السُنّة في لبنان يمثّلون لاعتبارات عدّة تاريخية "لُحمة" اللبننة والوحدة الوطنية، ولأن رفيق الحريري مثّل الزعامة السُنّية المركزيّة المنفتحة باتجاه اللبنانية، خشيَ السوريون مِن الرئيس الشهيد الذي تعرّض منهم للضغوط على أنواعها والتي وصلت أحياناً الى منعه من ترشيح أشخاص من "التيّار" في معظم المناطق، وأحياناً أخرى الى الطلب منه "الانمحاء الذاتي".
سيمضي وقتٌ ربما يكون طويلاً قبل تحديد "العقدة" الرئيسية التي حكمت التعاطي السوري مع الرئيس الشهيد، لكن لا شك أن السوريين خشوا هذه الزعامة السُنّية المركزية ببُعدها الاعتدالي بدليل التشكيلات السُنّية التي أشرفوا على قيامها واللقاءات السُنّية النيابية التي استحضروها، والكلام المتناقض عن مواجهة الأصولية بالتزامن مع مواجهة الحريري.
"الجماعة الإسلامية": الموقف المركّب المعتدل
خامساً ـ ويقتضي الإنصاف الاعتراف لـ"الجماعة الإسلامية" التي وضعها السوريون مرات عدة تحت الضغط، كانت الطرف الوحيد في الساحة السُنّية الذي قرأ جيّداً "ظاهرة الحريري" وقرّر التعاطي معها بموقف "مركّب": الاختلاف من دون الذهاب الى "التصادم" والاتفاق والتحالف من دون إعدام "التمايز". وهذا النهج الذي تسهر عليه قيادة "الجماعة" التي يجب الإقرار أيضاً بأنها نقلت "الجماعة" الى موقع أكثر لبنانية وتلبنناً وإلى موقع أكثر انفتاحاً واعتدالاً، لا شك أنه (النهج) جعل من "الجماعة" الطرف الثاني في المعادلة السُنّية الذي يُنادى عندما يكون الحديث عن الاعتدال ضدّ التطرّف. ولذلك لم يكُن وليد جنبلاط يُناور عندما أشار الى خطأ عدم تمثيل "الجماعة" في التحالفات الانتخابية، ولم يكُن سعد الحريري ينظر الى الجانب الانتخابي وحدَه عندما زار قيادة "الجماعة" أول من أمس، إذ وبصرف النظر عن الانتخابات وتحالفاتها ونتائجها، لا بد من الاعتراف بأن لهذه الحركة السياسية موقعاً مهماً ينبغي التعامل معه بإيجابية.
كرامي وأوجه استخدام مواقفه
إذاً، لكلّ هذه الأسباب والاعتبارات مجتمعة، ليس سعد الحريري غريباً في طرابلس، وللأسباب والاعتبارات نفسها فإن عزف "الأفندي" على وتر "الغرباء" خطيرٌ جداً. أما الأسباب المباشرة لـ"النزق الكرامي" فهي الآتية:
1 ـ مَن نافل القول أن "السوري" الذي عادت بُنيته المخابراتية الى الشمال، والذي يستطيع أن "يُقنع" كرامي بابتلاع مواقفه لا بل بابتلاع ما تعرّض له من مساس بـ"عنفوانه" للترحيب مجدّداً بحليفه اللدود سليمان فرنجية الذي "لخّصه" كرامي يوماً بأنه "يطعن التحالفات والصداقات"، أن "السوري" أعطى "كلمة السر" لكرامي بالهجوم على سعد الحريري.
2 ـ وليس غريباً على مَنْ قال عندما أعلن اعتذاره عن عدم تشكيل الحكومة أنه "جرى استخدامُنا"، وعلى من وعدَ بأن يكشف "القطب المخفيّة" ثم تراجع، أن يقبَل تجديد "استخدامه" في الحملة نفسها التي شكّلت المناخ السياسي لجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
3 ـ وليس غريباً على من أساء تقدير الوضع الانتخابي في طرابلس والشمال فقرّر العزوف والمقاطعة ليعود فيكتشف أن ثمّة ظروفاً لـ"معركة"... ليس غريباً على هذا "النرفوز" و"المتوتّر" أن يلعبَ بمنطق "عليَّ وعلى أعدائي يا ربّ"، متصرّفاً ـ مع الأسف ـ وكأنّ لا شيء يخسره.
4 ـ يُصوّر لكرامي باستمرار أنه المرجعية الإسلامية السُنّية الوحيدة التي يُمكنها مواجهة الحريري فيُصدّق ويهجُم، مع أنه "من جرّب المجرّب كان عقله مخرّباً"، ويُفترض به أن يدرك أن مَنْ "يرفعه" عالياً لن يتردّد في دفشه نحو الوادي.. وقد حصل معه ذلك مراراً لا سيما خلال ترؤسه لحكومة مفاعيل التمديد وبعدَ هذه الحكومة.
طبيعة المعركة شمالاً
5 ـ إن الانتخابات في الشمال تدور فعلاً بين تحالف سوري رمزُه سليمان فرنجية على "رافعة" تدخّل كبير اقتضى إعادة الماكينة المخابراتيّة بقضّها وقضيضها من جهة وبين "تيّار المستقبل" وحلفائه المسلمين والمسيحيين الساعين الى ضمّ الشمال سياسياً الى مسيرة استعادة النظام الديموقراطي من جهة أخرى.. ويبدو أن كرامي اختار موقعَه في هذه المعركة الانتخابية "صوتاً" عالياً ولو من دون "أصوات"، فاستقبل وريثَ الحريري الذي لم يكن يرغب في أن يورثه خصوم والده أحقادهم، بالكلام النزق عن "الغرباء"، بينما كان الشمال يعبّر لسعد الحريري عن تعاطف كبير، خصوصاً بعدَ أن كشفَ أن الهدف من جريمة اغتيال والده، أي إغلاق بيت الحريري، لا يزال مستمرّاً.
لا يمكنُ قولُ أكثر من ذلك "الآن" قبل الانتخابات وعلى مسافة ثلاثة أيام فقط منها. غير أن ما لا مفرّ من قولِه ختاماً هو أن حملة كرامي "السورية" على سعد الحريري تفسّر بمفعول رجعيّ الحملات التي تعرّض لها الرئيس الشهيد من كرامي وفرنجية وغيرهما من الذين ساهموا في تشكيل مناخ الاغتيال، وإنها حملةٌ على "الأكثر صحّة" في الحريري: الوحدة الوطنية والشراكة الإسلامية ـ المسيحية مِنْ موقع الزعامة اللبنانية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.