8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الأبعاد "الخطيرة" للتصويت "الديموقراطي" في دوائر الجبل المسيحية

في النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات في الدوائر المسيحية من الجبل، ثمة جوانب وأبعاد متداخلة ومتناقضة في آن.
وبداية، لا بد من الاعتراف بأن التصويت الديموقراطي للمسيحيين جاء بمثابة مبايعة للعماد ميشال عون كزعيم أوحد لهم. وفي قراءة دقيقة ومتأنية لهذه النتيجة، لا مفرّ من الإقرار بأن ذلك إنما يعبّر عن حاجة مسيحية الى "زعيم" يكون في مصاف الزعماء الآخرين لدى كل الطوائف، بعد سنوات الوصاية السورية التي همّشت التمثيل المسيحي "الحقيقي". وبهذا المعنى، فإن مبايعة عون تمثّل حاجة وردّ فعل في الوقت نفسه. وتجدر قراءة هذه المبايعة من هذه الزاوية الرئيسية بالدرجة الأولى وليس على أساس عوامل جزئية متفرّقة.
زعيم.. ولو على خطأ
بيدَ أن ثمة أبعاداً خطيرة في المقابل، لهذا التصويت الديموقراطي:
أولاً ـ لقد خاطب العماد عون ومنافسوه من قادة المعارضة المسيحية الجمهور المسيحي لمدة أيام قبل العملية الانتخابية. وكان اعتقادٌ أن خطاب المعارضة المسيحية يتمتع بـ"منطق" أكبر في وقت كان عون يعلن تحالفاته الانتخابية ـ السياسية لا سيما مع الوجه الأكثر استفزازاً للجمهور المسيحي أي النائب ميشال المرّ. وكان الجنرال يبدو إعلامياً في حال من الارتباك حيال هذه التحالفات، وهو ارتباك ناجم عن عدم قدرته على الدفاع عنها.. ويقيناً أن عون لو وافق على الدخول في مناظرات مع أركان المعارضة لهُزم إعلامياً (وسياسياً). ومع ذلك كانت مبايعة الجنرال.. ولو على خطأ.
إذاً، لا تتعلّق النتيجة التي أسفرت عنها الانتخابات بقصور الأداء السياسي للمعارضة ولا بقصور لدى الماكينات الانتخابية، بل هي تتعلق بـ"ظاهرة" يجب التوقف عندها ملياً، وبـ"مزاج" شعبي يتطلّع الى "زعيم".. وبأي ثمن، وهنا البعد الأول لخطورة التصويت الديموقراطي الذي حصل.
خطاب الزعامة ضدّ الآخر.. والشعبوية
ثانياً ـ ولدى البحث في العمق عما يمكن أن يشدّ الجمهور المسيحي الى العماد عون وخطابه، خصوصاً إذا كان الخطأ لديه في تقدير الموقف السياسي لا يساوي شيئاً وإذا كان انقلابه على التحالفات المعارضة لا يساوي شيئاً هو الآخر، يتبيّن أن ثمة أسباباً رئيسية أهمها إثنان:
1 ـ إن ما يعلنه عون منذ عودته من باريس، بما في ذلك كلامه غير الصحيح عن انتهاء الحقبة السورية، هو بمثابة تحويل لمجرى الصراع من صراع مع النظام الأمني المخابراتي المستمر الى صراع مع الشركاء الداخليين. وفي هذا الإطار، يأتي تركيزه على ما ادعى أنه إلحاق للمسيحيين تارة بالمختارة وتارة بقريطم، وتشديده على أن تحالفاً إسلامياً رُباعياً يريد الاستئثار بالمرحلة المقبلة واستبعاد المسيحيين.
2 ـ البُعد "الشعبوي" في الخطاب العونيّ الذي وتحت عنوان "الإصلاح والتغيير" إنّما يضع الشركاء الداخليين في موضع الاتّهام، ويُعلن عملياً أن الإصلاح لا يحدّه الميثاق، خصوصاً أن عون برّأ الوصاية السورية من الفساد، وبرّأ حلفاءَه في الانتخابات منه، ووضع الشركاء المسلمين، وتحديداً وليد جنبلاط وسعد الحريري، في خانة الدولة الأمنية التي نشأت في ظلّ الوصاية السورية، وكلّها ادعاءات وتبريرات ساقها دفاعاً عن حلفائه الجدد.
من هنا، فإن البعد الثاني لخطورة التصويت الديموقراطي، هو أن الجمهور المسيحي وتحت وطأة الحاجة الى زعيم، إنما بايع طرفاً يعلن بوضوح إدارة الظهر للشركاء الداخليين، المسلمين منهم بشكل خاص، ويعلن بوضوح أيضاً أن الآخرين من المسيحيين، ليسوا مسيحيين فعلاً، ويصوّر الزعيم المسيحي على أنه ذلك الذي "يقف في وجه" الآخر وليس ذلك الذي يستطيع بـ"نديّته" مع الآخر أن يتفاهم معه والأخطر أنه يجعل من المسيحيين متراساً لسوريا. وبهذا المعنى فإن التصويت كان في أحد أبعاده الرئيسية تصويتاً ضدّ تحالفات المعارضة المسيحية.
ضرب 14 آذار
ثالثاً ـ أما البعد الآخر لخطورة التصويت الديموقراطي المشار إيه، فهو أن عون "نجح" في خلال شهر منذ عودته الى لبنان، في القضاء على 14 آذار. فإذا كان المعنى الأساسي للرابع عشر من آذار هو أن اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين وبكل الأطياف السياسية أكدوا رفض الاصطفافات الطائفية وأعلنوا الرغبة في صوغ وحدتهم الوطنية على أسس متينة، فإن المعنى الخطير الذي انطوت عليه نتيجة التصويت الديموقراطي أول من أمس، هو الاستنفار الطائفي وهو العودة الى الاصطفافات.
الإلغاء مسيحياً.. و"اللعب" ضمن الطوائف الأخرى
وفي ضوء ما تقدّم من أبعاد خطيرة لمعطيات المبايعة التي حصل عليها الجنرال، فإن ما يمكن قوله هو أن هذه النتيجة عزّزت التطرّف، لا بل أتت في صالحه.
أ ـ فعندما يُسقط التصويت الديموقراطي في البيئة المسيحية متى كانت هذه البيئة لوحدها، رموزاً مثل النائبين نسيب لحود وفارس سعيد، وتيارات مثل "القوات اللبنانية" أو "الكتائب" أو "الأحرار" أو "الكتلة الوطنية"، فمما لا شك فيه أنه يعكس مزاجاً متطرّفاً ويعطي دُفعة للتطرّف. ذلك أن هذه الرموز والتيارات لم تتخلّ عن تمثيل المسيحيين وهي جميعاً ناضلت ضدّ تمهيش التمثيل المسيحي في الحقبة السابقة، والأهم أنها مضت في مشروع بناء البلد مع الآخر على أساس قناعة بأن البديل من الوصاية هو الشراكة المسيحية ـ الإسلامية.
ب ـ وعندما تأتي نتيجة التصويت الديموقراطي مبايعةً لـ"زعيم" يعلن "الاستنفار" حيال الآخر، فمعنى ذلك أن البيئة المسيحية تمنحه ثقتها بصرف النظر عن أدائه حيال الشركاء الداخليين.
ج ـ وعندما تأتي النتيجة على النحو الذي بات معروفاً، وفي وقت لا يتردّد الجنرال في التدخّل في الطوائف الأخرى تارة تحت عنوان كسر الأحادية وأخرى تحت عنوان تركيب ثنائيات، أي في وقت يلعب بالخطر، فإن النتيجة تكون بمثابة تزكية للتطرّف ضمن المعادلة الآتية: الإلغاء في البيئة المسيحية و"اللعب" ضمن البيئات الأخرى بالتوازي مع إدارة الظهر لممثّليها.
التقاطع مع مشروع سوري متجدّد
إذاً، إن القراءة المتأنّية لنتيجة الانتخابات في الدوائر المسيحية من الجبل، تدفع الى القول أن المسألة تتجاوز كونها فوزاً لفريق معيّن في إطار منافسة ديموقراطية في وقتٍ تطرح النتيجة كل التحديات الآنفة، فكيف لو أضيف الى ذلك كله واقع أن هذه النتيجة تأتي على تقاطع مع عدد من التطوّرات الخطيرة هي أيضاً.
1 ـ في مقدّم هذه التطورات إن النظام المخابراتي السوري ـ اللبناني يسعى بقوة الى البقاء، وهذا ما أكده إميل لحود أول من أمس على "رافعة" الانتصار العونيّ.
2 ـ وفي إطار هذه التطوّرات أيضاً، أن ثمة سعياً سورياً لـ"العودة" الى الداخل اللبناني، ليس فقط عبر استمرار دعم رموز هذا النظام ولا عبر تجديد الحضور المخابراتي في مختلف المناطق فحسب، بل عبر إدارة التناقضات اللبنانية، الأمر الذي يشرّعه عون وحلفاؤه الجدد.
3 ـ وفي التطوّرات أيضاً، السعي الذي يبذله النظام الأمني لـ"حجز" التغيير في لبنان على "أمل" التوصّل الى تفاهم ما مع المجتمع الدولي، عبر التلويح بالفوضى، وهي فوضى يعزّزها التوازن السياسي غير المستقرّ.
4 ـ وفي التطوّرات أخيراً، أن العماد عون في استعدائه الجميع، إنما يضع نفسه في سياق المشروع السوري المتجدّد حيال لبنان.
68 الحلف الثلاثي و2005 العونيّ
ولذلك فإن الذين وصفوا انتخابات أول من أمس بأنها "68 أخرى" لم يخطئوا من زاوية التأييد العارم لعون الشبيه بالدعم الذي لقيه "الحلف الثلاثي" آنذاك عندما "برَم تمثال السيدة العذراء في جونيه". بيدَ أن الفوارق مع 1968 عديدة: فحلف ذلك العام الذي خاض معركته تحت عنوان محاربة النظام الأمني لتلك الأيام ـ أي المكتب الثاني ـ كان يحاول عبر تغيير التوازن الداخلي أن يواجه محصّلة للوضع العربي ذاهبة آنذاك باتجاه "معركة" إزالة آثار عدوان عام 67، على خلفية عدم وجود قدرة لبنانية على المساهمة في هذه "المعركة"، في حين أن "2005 العونيّ" يحيّد النظام الأمني ليعيد إدخال لبنان في الفوضى المناسبة لعودة الوصاية. وبهذا المعنى، فإن ثمة قاسماً مشتركاً بين 68 الحلف الثلاثي و2005 العونيّ هو "الموجة" و"التطرّف" وفتح البلد على احتمالات خطيرة، لكن 2005 أسوأ من 1968 لأنه يأتي على "أنقاض" الاستقلال والسيادة و14 آذار.
طبعاً، لا تزال محطّة أخيرة للانتخابات، في الشمال حيث يكرّر عون المشهد نفسه، ولا بد للمعارضة أن تستوعب الوضع بسرعة، وتمنع حلف عون ـ سليمان فرنجية من تحقيق أي اختراق، مع العلم أنه وبصرف النظر عن المسألة الانتخابية، ثمة ما يدعو الى الحذر.. كي لا يستنتج المسيحي المعتدل أن طريقه الى الشأن العام هو التطرّف وكي لا تستنتج الطوائف أن طريقها الى السلامة يمرّ بالاستنفار الذاتي. وها هي الأيام تثبت أن المعركة لم تنتهِ بعد.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00