8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

عندما يحضُر "الموضوع المسيحي" بالعلاقة مع الوضع الداخلي

نقاط مهمة عديدة أثارها الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في الكلمة التي خاطب بها أهل المتن الجنوبي في مهرجان دعم لائحة "وحدة الجبل" التي تمثَّل فيها الحزب بالنائب علي عمّار. بيد ان ثلاث نقاط رئيسية استوقفت المتابعين وهي اعتباره ان الانتخابات في الجنوب كانت بمثابة استفتاء حول المقاومة، واستعادته شعار الـ10452كلم2 ليؤكد شمول خارطة لبنان لمزارع شبعا والقرى السبع، وكلامه المنفتح باتجاه عدد من التيارات السياسية الداخلية لا سيما المسيحية منها.
الخطر على الشيعة ووحدة الطائفة
أولاً ـ بالنسبة الى انتخابات الجنوب، وإذا كان صحيحاً ان طرفي المعادلة الجنوبية أي "حزب الله" و"أمل" شاءا منذ انطلاقة المسألة الانتخابية جنوباً أن يحوّلا الانتخابات الى استفتاء، فالأصح من وجهة نظر عدد من المتابعين هو ان هذه النتيجة ـ أي صيرورة الانتخابات استفتاء ـ توَّجت تعبئة كبيرة قام بها الطرفان و"حزب الله" بنوع خاص خلال الشهور المنصرمة التي شهدت تطورات لبنانية كبرى، تحت عنوان ان الطائفة الشيعية مستهدفة بأخطار متأتية من هذه التطورات سواء تعلق الأمر بـ"موقع" الطائفة في النظام السياسي أو هو تعلق بـ"مقاومة الطائفة".
ولقد أدت هذه التعبئة من ضمن ما أدت اليه، الى "تجميد" الديناميات التي كان ينتظر أن تطلقها التطورات ضمن المدارات الطائفية والسياسية كافة، والى استبدال الحيويات السياسية باستنفار تحت عنوان "وحدة الطائفة".
إذاً، تحولت الانتخابات في الجنوب استفتاء في ظل عوامل عدة أبرزها التعبئة باسم أخطار تتهدد الشيعة والاستنفار باسم وحدة الطائفة.
استفتاء.. واستفتاءات
ثانياً ـ وإذا كان ما تقدم ذكره لا يلغي واقع ان أهل الجنوب مستمرون في احتضان المقاومة ويعلنون عبر الانتخابات تضامنهم ضد أي استهداف لها، فإن اعتماد نظرية الاستفتاء حول المقاومة في الجنوب يطرح إشكالية رئيسية هي الآتية: خطر الانزلاق ليس فقط نحو تأكيد وتكريس شيعية المقاومة أو مقاومة الشيعة، بل وضع نتيجة الاستفتاء الجنوبي في مقابل نتائج الانتخابات في المناطق الاخرى. ذلك ان مسار الانتخابات في مختلف الدوائر، يؤشر الى ان لكل منطقة استفتاءها على ما يبدو. فالانتخابات في الجبل ومعظم الشمال يحوّلها اللاعبون الأساسيون فيها الى استفتاء حول عنوان رئيسي هو إنهاء النظام الأمني بدءاً من إسقاط رئيس الجمهورية، وبعض اللاعبين الآخرين يحولها الى استفتاء حول "الزعامة" الخ...
استفتاء في مقابل استفتاء؟ هكذا يبدو من مجرى العمليات الانتخابية. ما الحل؟ أن يعترف كل فريق في منطقة بنتيجة الاستفتاء في منطقة اخرى؟. ربما.
لقد سارع السيد نصرالله الى ملاحظة هذه الإشكالية والاعتراف بها، فقال في خطابه ما مفاده ان المقاومة شأن وطني لكنها شأن جنوبي بامتياز "وحتى عندما تناقش هذه المسألة كشأن لبناني فلا يستطيع أحد أن يتجاوز رأي الجنوب". وفي البناء على ما قاله السيد، تصبح نتائج الانتخابات في كل المناطق خيارات سياسية ملزمة للجميع، وهذا أحد "الحلول"، أو انها تغدو خيارات متقابلة وهذا "خطر".
لذلك، يقتضي التنبّه إلى ان اعتماد نظرية الاستفتاء حول عناوين شتى في مناطق مختلفة، ينطوي على صياغة لأولويات مختلفة، هي في هذه الحال أولويات مختلفة لمناطق وطوائف مختلفة.
وإذا كان صحيحاً ان ثمة تحالفات سياسية في مجرى الانتخابات النيابية، فيجب الإقرار بأن هذه التحالفات مبنية على "مبادئ عامة"، وإلا وجب اعتبار نتائج الانتخابات ـ الاستفتاءات ملزمة للجميع حكماً.. وإذذاك وجب البحث في "معنى" الحديث عن "تسويات".
ثالثاً ـ بطبيعة الحال، ان ما تقدم يهدف الى القول انه كان "يستحسن" فصل الانتخابات عن الاستفتاء، مع الاعتراف للسيد نصرالله بأنه أبدى انفتاحاً أولياً على نتائج استفتاءات الدوائر الانتخابية الاخرى، خصوصاً عندما اقترب من التصريح بالموافقة على الإفراج عن قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع، وعندما قارب موضوع المصالحة العامة، أي يسجل للأمين العام لـ"حزب الله" انه من موقع "الاستفتاء الجنوبي" ذهب الى المصالحة الداخلية، وهي المصالحة التي لا شك انها حاجة للمقاومة، والتي لا شك ان التحالفات السياسية المعلنة من قبل "حزب الله" في سياق الانتخابات، تدخل في إطارها.
شعار الـ10452كلم2 تراجع أم تقدّم؟
رابعاً ـ وإذ توقف المتابعون أمام استعادة السيد نصرالله لشعار الرئيس الراحل بشير الجميل أي الـ10452 كلم2، وسجلوا ان نصرالله حمل خارطة الـ10452 كلم2 متضمنة مزارع شبعا والقرى السبع، فإنهم أبدوا الملاحظات الآتية:
1 ـ اعتبر المتابعون ان اعتماد السيد نصرالله لخارطة المساحة اللبنانية أمراً ايجابياً من زاوية انه يعلن من جهة ان للمقاومة وظيفة لبنانية ومن جهة ثانية ان دور المقاومة محصور ضمن الرقعة اللبنانية. وهذا ما نوّه به رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط.
2 ـ بيد ان المتابعين لاحظوا انه وعلى ايجابية هذه الصياغة "اللبنانية"، فإن السيد نصرالله أجرى تعديلاً على خطابه المعتمد قبل نحو شهرين على الأقل. فالأمين العام للحزب دأب منذ فترة على القول انه وبصرف النظر عن مزارع شبعا، استعيدت أو لم تستعد، فإن للمقاومة وظيفة مستمرة تقع تحت عنوان حماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية، داعياً الى الحوار الوطني حول صيغ المقاومة للاحتفاظ بقدرة الرد على العدوان الإسرائيلي.
بكلام آخر، لم يذهب نصرالله في خطابه الأخير من "اللبنانية" الى "ما فوق اللبنانية"، بل هو بقي في إطارها، لكن الجديد هو الآتي: بينما الخطاب المعتمد قبل شهرين يطرح بحثاً بـ"الجملة" حول المقاومة، بدا ان الصيغة الأخيرة تنتمي الى مرحلة سابقة أي صيغة "كسب الوقت" بتقديم منطقة جديدة هي القرى السبع برسم التحرير. وبين البحث بالجملة والبحث المقترن بالوقت والتأجيل، ثمة فارق جوهري، وغني عن القول ان البحث بالجملة هو الأفضل.
3 ـ بهذا المعنى، فإذا كان شعار الـ10452كلم2 يشكل "تصعيداً" في "اللبنانية" في ظاهره على الأقل، يبقى الحوار الذي كان مقترحاً في الشهرين الماضيين حول المقاومة، أفضل وأنسب، وإن كان طرح السيد نصرالله يكشف عن "عنصر" جديد سيكون موضع استخدام من قبله في إطار الحوار: القرى السبع وما أدراك ما القرى السبع.
المصالحة مع الداخل والشريك المسيحي
خامساً ـ وإذا كان العنوانان السابقان: اعتبار الانتخابات في الجنوب استفتاء وخارطة الـ10452 كلم2، يمثلان عنوانين إشكاليين بامتياز، فإن الخطاب الأخير تميّز بلهجته التصالحية حيال الداخل اللبناني، وقد حضرت فيه مفردات المصالحة وطي صفحة الماضي والحوار والتواصل والتسويات.
وأهم خطوة الى الأمام في خطاب نصرالله على هذا الصعيد، هي وفي معرض حديثه عن دعم لائحة "وحدة الجبل" كاملة، التأكيد على العلاقة السياسية بمكونات اللائحة، لا سيما المسيحية من بينها. وإذا كان السيد واضحاً في تأكيد التحالف مع "تيار المستقبل" والنائب سعد الحريري، ومع "الحزب التقدمي الاشتراكي" والنائب وليد جنبلاط، فإنه خطا خطوة الى الأمام نحو الاعتراف بأن المصالحة لا تكتمل إلا بتيارات مسيحية، ومَن في هذه الحالة غير التيارات المشاركة في لائحة يدعمها "حزب الله". والخطوة الى الأمام هنا هي في العمق خطوة عدم اطلاق الأحكام المسبقة. فعندما يقول نصرالله ان اللبنانيين معنيون بانتخاب مجلس نيابي يحقق مصالح لبنان وشعبه، وعندما يضيف "سنثبت اننا شعب يليق به الاستقلال والسيادة والحرية والمقاومة والتحرير وبناء الدولة"، وعندما يؤكد ان "أكبر مشكلة بين اللبنانيين يمكن أن تعالج بالحوار والتسويات الداخلية"، فإنه يكون قد خطا خطوة كبيرة نحو الإقرار بـ"حتمية" وجود شريك مسيحي، ونحو مساهمة الحزب في المصالحة، والأهم ان حزباً لم يكن طرفاً في الحرب الأهلية يجد ضرورة للمصالحة مع أطراف كان له موقف منهم مبني على "تصنيف" معيّن.. وهذا في حدّ ذاته أمر جدير بالتنويه، على اعتبار انها المرة الأولى التي يحضر فيها "الموضوع المسيحي" في تفكير الحزب وخطابه على هذا النحو.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00